-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ابتهالات في فجر العام الجديد

ابتهالات في فجر العام الجديد

يا رب!يا ربَّ محمد، وعيسى، وموسى، وكلّ الأنبياء، أنْزِل علينا من شآبيب رحمتك، في فجر هذا العام الجديد، ما تخفف به علينا من مصائب العام المنصرم، وقد كان أكثر الأعوام عنفًا ودمويةً!.

لقد دَنَّست أمم طُهرَ أنبيائك، وقدسية أصفيائك، باسم سوء الانتماء، والتطاوّل على الوحي، وحقائق الأنبياء، فسفكوا الدِماء، وقتلوا الأبرياء، وملؤوا _جورًا- الأرض والسماء!.

ودَّعنا، العام المنصرم، على وقع التفجيرات وسيل دموع ودماء الأرامل، والأيتام، فيا لهول ما عانينا، وما لا قينا على أيدي الظالمين، والمعتدين والطغاة!.

انتهينا منه، شبعناه، لم نأسف عليه، كما تقول الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، لأنّه جفف في مآقينا بريق الأمل، وعطَّل في طاقاتنا مبادرات النشاط والعمل، فانعدم الحب في قلوبنا، وعمّت الكراهية في عقولنا، وملأ الحقد مكونات نفوسنا وصدورنا.

نعيش كلّ هذا اليأس، ومن حولنا شعوب الغرب ترقص فرحًا، وتنتشي مرحًا، وتملأ بالخمور كأسًا، وقدحًا، غير مبالية بما يتعالى من أصواتنا المبحوحة نعيقًا، ونبحًا.

فيا خالقنا!

هل كتبت على الشعوب المسلمة، وهي المؤمنة بوحدانيتك، والمصدِّقة بربانيتك أن تعيش تحت وطأة الغزاة المحتلِين ومن شايعوهم، فيسومونها سوء العذاب، ويسوقونها سوق البهائم فوق أديم أرضها الذهب، وأمام كنوز نفطها الملتهب، وليس لها إلاّ الجوع والمرض والتعب!.

إنّنا نستهِّل هذا العام الجديد، بقلوب واجفة وأبصار راجفة، لأنّ خوف السنين الماضية لا يزال يسكن عروقنا وأعراض التأزَّم، والفتن لا تزال ماثلة أمام أعيننا. فمن أين يأتينا الرَّجاء، والجلادون باقون في جميع أرجاء أمتنا، والميليشيات المسّلحة تسرح وتمرح، فتدرج حيث شاءت دون وازع أو رقيب؟ وأنّى نشعر بالطمأنينة، وأزيز الطائرات في سوريا يقضّ مضاجع الصغار والكبار، فينقضُّ على المعاهد والمساجد والدِّيار ليزرع الخراب والدَّمار، ويحيل العمارات الشامخات إلى جحور وخيام وأوكار؟.

وغير بعيد من سوريا، يبرز لبنان الجميل؛ الذي كان يضرب المثل باستقراره، وهدوء جنوبه، وشماله ودياره أصابته هو الآخر فتنة الاغتيال والتفجير، ومحنة التفخيخ والتدمير، فيغْتال أحراره، وتلوّث بالدماء جباله وأنهاره، وما ذلك إلا لأنّ الحرب الدائرة في سوريا قد امتدّ لهيبها إلى لبنان، والعراق وحتّى تركيا.

مسكين _حقًا- شعبنا العربي والمسلم، مما عاناه في عامه المنصرم، وها هو يستهِّل العام الجديد على أصوات النحيب المريب التي توّدع الأبرياء الضحايا، وتنذر بالمزيد من المحن والرزايا… فاللّهم إليك نرفع أكُّفَ الضراعة، مبتهلين بأن يقي أمتنا سوء المنايا، ويحمي البقايا!.

إنّ أمّتنا، تعاني، مشرقًا ومغربًا، سوء التسييس وطغيان التلبيس، وإتباع سياسة إبليس. فالاحتكار السياسي للمسؤولية، وتفشي الفساد، والمحسوبية، وانتشار الارتشاء، والرذائل، وكلّ الآفات الاجتماعية، إضافة إلى اللصوصية والفتن الطائفية، كلّ ذلك جعل الأفق المستقبلي ملبدًا بكلّ ألوان الغموض والضبابية.

نقول هذا، وأمّتنا ترفع شعار التوحيد والعدل، وتؤمن بالتسامح بين كلّ الأنبياء والرّسل، وتعلن للعالم أنّها تنتمي إلى خير أمّة أُخرِجت للناس، ولكنها تفتقر إلى المستقيم من القسطاس، ويطمع في خيراتها وأراضيها الطامعون من أراذل الناس.

ويل، أمّتي، من مستقبل مظلم، ملبّد بالغيوم ينتظرها. فلا تزال السحب الدكناء تستبِّد بسماء أمّتنا في مصر، حيث ذهنية الانقلاب على الشرعية السائدة، وموجة الاعتقالات، وكمُّ الأفواه، والزّجُ بالأحرار في السجون هي القاعدة. فكيف يُرجى الخلاص لمصر العروبة والإسلام السياسي، وقد كانت من قبل قبلة المسلمين في العلوم والفنون والآداب، ما دامت تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟. 

وكيف يمكن الخروج من النفق المظلم ما دام القائمون على مصر يعلنون الحرب على ثابت من ثوابت الأمّة وهو الإسلام ويضَّحون بأغلبية الشعب المصري لمصلحة المناصب والكراسي؟.

وما كنّا نريد -علم الله- لليبيا الشقيقة إلا ما يريده لها أبناؤها من بناء دولة قوّية تحت راية النظام القائِم على العدل، ووحدة الشعب ضدّ كلّ انقسام وفرقة، فلا تكون الكلمة فيها إلا لمن اختارهم الشعب بكلّ حريّة، وطواعية، فلا يعلو فيها صوت غير صوت الحق، والعدل والمحبَّة التي هي ضمان الانتماء الحقيقي لثوابت ليبيا؛ الإسلام، والعروبة والوحدة الوطنية.

هذه نماذج من واقع أمتنا العربية والإسلامية في فجر العام الجديد في كلّ رقعة دماءٌ ودموعٌ، وفي كلّ قطر ترويع للجموعِ والربوع… وحقَّ لنا أن نبتهل في فجر العام الجديد متضرِّعين إلى الله أن يأخذ الظالمين المستبدِّين أخذ عزيز مقتدر، وأن ينعِم على أمّتنا بمن يكون قادرًا على رأب صدعها، ومسح دمعِها، وإزالة روعِها، واستئصال قمعها، وتعميم أمنها ونفعها.

وسيظَل شعار ابتهالنا للعام الجديد ما قاله الشاعر العربي الملتزم أحمد مطر في رائعته (لهذا الإله أصعِّر خدِّي).

أنا عَبدُ رَبِّ غَفورٍ رَحيمٍ

عَفُوٍّ كريمٍ

حكيمٍ مَجيدْ

أنا لَستُ عبداً لِـعبْدٍ مَريدْ

أنا واحِدٌ مِن بقايا العِبادِ

إذا لم يَعُدْ في جميعِ البلادِ

سِوى كُومَةٍ من عَبيدِ العَبيدْ.

فأَنْزِلْ بلاءَكَ فَوقي وتحتي..

وَصُبَّ اللّهيبَ، ورُصَّ الحَديدْ

أنا لن أحيدْ

لأنّي بكُلِّ احتمالٍ سَعيْد:

مَماتي زَفافٌ، وَمَحْيايَ عِيدْ

سَأُرغِمُ أنفَكَ في كُلِّ حالٍ

فإمّا عَزيزٌ.. وإمّا شَهيدْ

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!