-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

” ابنُ الحكيم” في ذمة الحكيم

” ابنُ الحكيم” في ذمة الحكيم

الحكمة نسبية ومطلقة؛ فالنسبية للناس والمطلقة لربِّ الناس، فمن هو هذا الحكيمُ الذي ولد طفلًا شابهَ أباه فكان “ابن الحكيم”؟

أمّا الحكيم، فهو الإمام الإبراهيمي، الذي وصفه الزعيم التونسي محيي الدين القليبي بأنه “فخر علماء الإسلام”، وأما ابنُه فهو أحمد طالب الإبراهيمي، الذي فقدته الجزائر في يوم الأحد 5/10/ 2025.. ودُفن مع والده الحكيم في قبر واحد في مقبرة “سيدي أمحمّد”، بعدما صُلِّي عليه في مسجد الإمام الإبراهيمي في شارع الشهداء بمدينة الجزائر، فيا لعجائب الأقدار !

ولِد ابن الحكيم في سطيف، وترعرع في تلمسان، وشبّ في مدينة الجزائر، حيث دخل كلية الطب.. وألهمه الله أن يؤسِّس في هذه المرحلة جريدة باسم “جمعية العلماء”، إسلامية الروح، جزائرية الانتماء، فرنسية اللسان، تدافع عن الإسلام، وتدمغ باطل الفكر الفرنسي القاتل، وتحصِّن الشبان الجزائريين المستهدَفين من “مدرسة الشيطان” من الابتدائي إلى الجامعي، وسمّاها “الشاب المسلم”، وهنا كان يوقّع مقالاته باسم “ابن الحكيم” .

انتقل الشابُّ إلى باريس “عاصمة الفساد”، فوقَاهُ الله شرورَها، وما هي إلا بضعة شهور من نزوله باريس حتى نطق الرصاص وجرى القصاص لنسف خرافة “الجزائر الفرنسية”، فأعلِن الجهادُ في أول نوفمبر 1954.

أعطت جبهة التحرير الوطن أمراً بتأسيس تنظيم طلابي يدحض افتراء فرنسا بأن ما يقع في الجزائر هو من عمل “متمردين على القانون” و”فلّاقة” فكان “الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين”، وقد أزعجت كلمة “المسلمين” خراف الطلبة الضالين، ولكن معارضتهم ذهبت مع الريح، وانتُخب الطالب أحمد طالب رئيسًا لهذا الاتحاد.. ثم أمِر أن ينضمَّ إلى قيادة الجهاد في فرنسا تحت اسم “فدرالية جبهة التحرير الوطني”.. وما هي إلا شهور وقُبض عليه، فلبث في السجن بضع سنين لتبزغ شمس الحرية، وكانت هذه الثورة مباركة، لا على الجزائر فحسب، ولكن على كل المستعمرات الفرنسية، إذ قضت على هذه “الإمبراطورية” كما كتب المجرم صالان .

لم تمض إلا شهور معدودات على لقاء “الحكيم” بـ”ابن الحكيم” حتى وقع على “الحكيم” وابنه ظلم ذوي القُربى من رفيق السجن ابن بلّة فأوذي “الحكيم” وغُيِّب ابنه في غياهب السجن، وعُذّب عذابا نُكراً جعله يفكِّر في الانتحار كما كتب في مذكراته، وهو ما لم يخطر بباله في سجن العدو.

ثم أدال اللهُ دولة الظالم فصار مسجونا بعد ما كان سجّانا لمجاهدين ولرفقائه في السجون الفرنسية.. ثم صار “ابن الحكيم” المسجون، وزيرا للتربية الوطنية، فوزيرا للإعلام والثقافة، فوزيرا مستشارا في الرئاسة، فوزيرا للخارجية، فعرف العالمُ وجه الجزائر الحقيقي على لسان “ابن الحكيم”، بعدما أسس مجلّة “اليونيسكو” و”الثقافة”، وعرَّب “النصر”، و”الجمهورية”، وأسّس “المجلة الجزائرية للعلاقات الدولية” .

وعندما نشبت الفتنة في بداية التسعينيات، كان أول المنادين بالمصالحة الوطنية، في حين كان الذي نُسبت إليه يستمتع بخَلَاقه في الخارج دون أن يقول كلمة لإطفاء نار الفتنة التي أيقظها سفهاء من هنا وهناك، فلم يسكت “ابن الحكيم”، وسعى جهده لإطفاء هذه الفتنة التي أشمتت بنا الأعداء، وجيء بمن جعل الجزائر “أفسد” بلد في العالم بما عرفناه وما لم نعرفه.

وهنا، التفت “ابن الحكيم” إلى تراث “الحكيم” وانكبّ عليه وأخرجه في 5 أجزاء هي “أحكمُ” ما تركه العقلُ الجزائري في العصر الحديث.

رحم اللهُ “ابن الحكيم”، فقد كان رجلا حكيما، وزوجا كريما، وأبا رحيما، وصديقا حليما، وكان “جرَّاحا” لمأساة شعبه ووطنه، ولم يكن “برَّاحا”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!