ابن باديس.. عذرا
لم نصح بعد من الانهيار اللغوي في الإعلام الجزائري بكل أنواعه حتى خرجت هذه التوصية، وإني اسأل: لماذا لم يتدخل خبراء وزارة التربية لإقناع منتجي المسلسلات الجزائرية لتوظيف المفردات الجزائرية القريبة من الفصحى؟ أين هم من نقل المسلسلات التركية بلهجة جزائرية كما فعل السوريون و المغاربة؟ ثم اين إسهامات وأفكار هؤلاء الخبراء في تعريب المحيط والقوانين والمؤسسات.. لتجاوز التلوث اللغوي البصري الذي نعانيه ويقدم صورة مشوهة عن وطن الشهداء لكل زائر!؟
وفي ظل كل هذا النقاش، أين هو المجلس الأعلى للغة العربية؟ وأين هو البرلمان ورئيسه محمد العربي ولد خليفة، المفكر والعالم الاجتماعي الذي كتب كثيرا عن اللغة والهوية، وكتابه “المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية” معروف ومشهور في هذا المجال؟ إنها ردة ولا ابن باديس لها. فعذرا شيخا ألف عذر. إننا في زمن الخيانة والنكر للرجال.
وعلى ذكر ابن باديس، فلماذا لم يعد خبراء بن غبريط إلى النماذج التربوية الباديسية، يقول الدكتور عمار طالبي: “اتخذ ابن باديس وجماعته أسلوبا واضحا سهلا، لا يخاطبون التلميذ من أول يوم إلا بالعربية، وكان ابن باديس لا يخلط لغته في الدرس بأية لغة دارجة أو هجينة أبدا، ويمنع استعمالها مادام التلميذ في المدرسة ويعتني باختيار أروع النثر وأجمل القطع الشعرية” جريدة البصائر عدد 768
قد لا يلجأ معلم المدرسة الجزائرية -إن تجسدت توصيات الندوة- إلى شعر مفدي زكريا أو محمد العيد آل خليفة أو نثر الإبراهيمي والعربي التبسي… في دروس العربية، وسيستعين بكلمات راقية من أغاني الشاب خالد، الزهوانية، الشاب مامي… ولن يقرأ غزليات عنترة أو نزار قباني، بل سيمتع المعلم تلميذه بشعر مثل “نديك ونروح ولا أطيح روح”!؟
أعجبني قول العالم اللساني الدكتور عبد الجليل مرتاض: “إن لغة القرآن في جميع مراحل تعليمنا تمثل خطا أحمر للشرف الجزائري غير قابل لأية توصية أو ميثاق أو دستور” (الخبر عدد7879). وأقنعني قول محمد المامون مصطفى القاسمي الحسني “العربية لا تصدم إلا الأطفال الذين رضعوا الفرنسية مع حليب أمهاتهم” (الشروق اليومي عدد4817).
ولقد صدمني ما ذهبت إليه البروفيسور نصيرة زلال (أستاذة علم النفس التربوي بجامعة الجزائر) من أن نصوص الكتاب المدرسي الجزائري في المرحلة الابتدائية تستعمل في الدول الغربية كتمارين للنطق بالنسبة للأطفال الذين بلغوا 18 شهرا، وكذلك للتأهيل الذهني للمصابين بالإعاقة الذهنية!؟ و تذكرت ما يخبرني به الطلبة الذين درسوا عندنا في الجامعة -وأصبحوا أساتذة في مستوى الابتدائي- بأنهم يجدون في أقسام بعض المدارس تلاميذ متأخرين ذهنيا، وبدل توجيههم لمدارس متخصصة أو تخصيص أقسام خاصة بهم يتم دمجهم مع العاديين؟ فهل تعلم السيدة الوزيرة بهذا الأمر!؟
إن بعض توصيات الندوة الوطنية التي نظمتها وزارة التربية هامة جدا (للعلم هي اكثر من 200 توصية)، لأن المدرسة الجزائرية تشهد الكثير من السلبيات والممارسات الخطيرة في التسيير وطرق التعليم ووضعية المتعلمين والمدارس…، ولا داعي لإنكار الصورة السيئة لمديريات التربية عبر الوطن من أهل التربية قبل المواطن البعيد عن القطاع، ويجب تأمل تلك التوصيات وإيجاد حلول وأدوات للإصلاح، لكن توصية تعليم الدارجة في التحضيري والابتدائي خطيرة وتمس بالهوية مباشرة وقد تسهم في تشكل تلميذ معوق لغويا ومشوه فكريا و…
أخيرا:
لقد عدت -في خضم النقاش الكبير حول المسألة- إلى البرنامج الانتخابي للرئيس بوتفليقة (2014-2019)، فوجدت أن مواقف بن غبريط تنسف أهم محور في برنامج الرئيس وهو محور ترسيخ ديمقراطية مطمئنة عبر ترقية الديمقراطية التشاركية وتعزيز الحكم الراشد، وقد غيب خبراء بن غبريط الطمأنينة علينا في ظل إنهيارات اقتصادية وتهديدات داعشية وتراجعات دينارية(…)، وكأن الوزيرة ضد برنامج الرئيس، هل فهمت المعادلة يا رئيس الوزراء؟ وهل عرفت الحل لإعادة الطمأنينة الديمقراطية حتى لا يتأخر غياب الحكامة وتعود المواطنة، نسأل الله أن يحفظ الجزائر ويبقيها وفية لعهود الشهداء.
*أستاذ بجامعة سكيكدة