ابن تاشفين عاش مئة عام وأخّر سقوط الأندلس أربع مئة عام
1ــ أعضل الدّاء. أضرم العدوّ النّار. فوجب بابن تاشفين الإستجداء.
جلس المعتمد بن عبّاد على كرسيّ مُلكه بقصرالمبارك محتقن العين، شاحب الوجه، مشتّت الذّهن، تتردّد على فكره صوراشبيليا ثاني أكبروأجمل حاضرة اسلاميّة بعد قرطبة في طريقها الى أن تصير ملكًا للنّصارى، ويصير ملكها سجينًا عند ألفونسو، أورُبّما راعي خنازير.
فتبدّت به صورالذّل والهوان الّذي أوصل نفسه إليها، ولاحت له طوالع المصيرالمروّع الّذي انحدراليه، فعضّ على أنامله ندمًا وحسرة، يرجو أن تتداركه العناية الإلهيّة بعونٍ أو نجدة. لقد أدرك فداحة الخطأ الّذي ارتكبه بتآمره على طليطلة، وأدرك أنّه بهذا قد فتح الطّريق لملك النّصارى الى اشبيليا وباقي الممالك الأندلسية المسلمة.
وبينما هو مشتّت الفكرعاجزًاعن أيّ قرار، إذ دخل عليه رسول القشتاليّين فقرأ عليه كتاب مليكهم فزاده إيلامًا بعد إيلام:
” كثر بطول مقامي في مجلسي الذّباب، واشتدّ علي الحرّ، فألق لي من قصرك بمروحة، أروّح بها على نفسي، وأطرد بها الذّباب عنّي.”
سمع المعتمد كتاب ألفونسو فأسقط في يده وتبدّدت أحلامه وتسرّبت دفعات جديدة من اليأس الى داخل نفسه وعلم يقينًا:”أنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها….عند التّغلّب في أنيابها العطب.” لكنّه تمالك نفسه ووارى حزنه ثمّ التفت الى الملأ حوله وقال أشيروا علي! فلم يُشرعليه أحد بغير الرّأي المعهود: مضاعفة الجزية لألفونسو والتّنازل عن مزيد من الحصون. لم يرتح الى مثل هذا الرّأي وأدرك ببصيرته أنّ ألفونسو لن يكتفِ هذه المرّة بأخذ المال وحده، بل إنّه ما زحف اليه إلاّ ليأخذ المال والأرض معًا. فغمغم بصوت عالٍ:
” الذّل تأباه الكرام وديننا ….. لك ما ندين به من البأساء “.
ثمّ كتب على الفورالى ألفونسو:
” قرأتُ كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظرإليك في مراوح من الجلود اللّمطية، في أيدي الجيوش المرابطية، تروح منك، ولا تروّح عليك إن شاء الله تعالى.
إهتزَّ بعض الحاضرين فقال يلومه على طلبه العون من ابن تاشفين
“المُلك عقيم، والسّيفان لا يجتمعان في غمدٍ واحد”
فقال له المعتمد جملته التي اشتهرت فيما بعد:
” تالله إني لأؤثر رعيَ الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدّي له الجزية، إنَّ رعي الجمال خيرٌ لي من رعي الخنازير”
ولمّا اعترض عليه ابنه الرشيد وألحّ في الإعتراض:
” يا أبت، أتدخل على أندلسنا من يسلبنا ملكنا ويبدّد شملنا “
أجابه: ” أي بني! والله لا يُسمَع عني أبداً أني أعدتُّ الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنّصارى فتقوم عليَّ اللعنة في منابرالإسلام مثل ما قامت على غيري”.
عندما عاد الرّسول الى مُعسكرالجيوش القشتاليّة، وتُرجم لألفونسوما كتبه له ابن عبّاد استولت عليه الرّهبة، وانحلّت عزائمه، فعدل عن غرضه وأمر برفع الحصارفورًا ورحل عن أسوار المدينة.
يخبرنا ابن أبي زرع في روض القرطاس أنّ ألفونسوالسّادس تحرّك في سنة أربعة وسبعين وأربع مئة في جيوش لا تُحصَ من الرّوم ومن الافرنج ومن البشكنس والجلالقة وغيرهم، فشقّ بلاد الأندلس شقّا يقف على كلّ مدينة منها ثلاثة أيّام فيفسد ويخرّب ويُقتّل ويسبي ويرتحل الى غيرها،وأنّه نزل على اشبيليا فأقام عليها ثلاثة ايّام أيضًا، فأفسد أحواها وهتكها، وخرّب بالشّرف قرًا كثيرة وكذلك فعل بشذونة وأحوازها، ثمّ سار حتّى وصل الى جزيرة طريف، فأدخل قوائم فرسه في البحر وقال: ” هذا آخر بلاد الأندلس قد وطئته”.
ثمّ كتب الى يوسف بن تاشفين رسالةً جاء فيها:
” من أمير النصرانية أذفونش بن فردلند إلى يوسف بن تاشفين، أما بعد فإنك اليوم أمير المسلمين ببلاد المغرب وسلطانهم، وأهل الأندلس قد ضعفوا عن مقاومتي ومقابلتي، وقد أذللتهم بأخذ البلاد، وقد وجب عليك نصرهم، لأنهم أهل ملتك، فإما أن تجوز إلي، وإما أن ترسل إلي المراكب أجوز إليك، فإن غلبتني كان ملك الأندلس والمغرب لك، وإن غلبتك انقطع طمع الأندلس من نصرك إياهم، فإن نفوسهم متعلقة بنصرتك لهم”.
لمّا وصل كتاب ألفونسو الى يوسف، أمر كاتبه أن يردّ على رسالته، فكتب كتابًا مفصلًا ردّ فيه على كل فقرة وردت في الرسالة، ولما قرأه عليه أعجب به ولكنه رآه مطولًا، فأمره أن يكتب على ظهر رسالة ألفونسو:”من أمير المسلمين يوسف إلى أذفونش،أما بعد فإن الجواب ما تراه بعينك، لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.”
لم يكن ابن عبّاد أوّل من يبعث برسائله الى الأمير يوسف، بل بعث اليه أيضًا ابن الأفطس صاحب بطليموس، كما جازت الوفود الشّعبية وجاز الفقهاء والعلماء البحرالى العدوة يشكون له من سوء الأحوال ويننشدونه بتدارك الوضع وحماية الإسلام في الأندلس من عبث النّصارى وأمراء الطّوائف.
جاء في الحلل الموشية ” أنّه في عام 474ه وفد عليه جماعة من أهل الأندلس وشكوا إليه ما حلّ بهم من أعدائهم، فوعدهم بإمدادهم وإعانتهم، وصرفهم الى أوطانهم”
أمّا المقري فقد كتب أنّ ” الوفود لا تزال تقدم عليه من ثغور الأندلس مستعطفين مُجهشين بالبكاء، ناشدين اللّه والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته و وزراء دولته، فيسمع اليهم ويصغي لقولهم وترقّ نفسه لهم”.
شقّ أمرالأندلس على ابن تاشفين فلم يمضِ وقت طويل حتّى عبرالبحر الى الجزيرة الخضراء ومنها الى سهل الزّلاّقة فيقود المعركة ضدّ حشود الصّليبيين ويبيد قوّات ألفونسو يوم الجمعة 12رجب 479ه الموافق ل23 أكتوبر 1086م.
2ــ جيل فريد:
ينتمي يوسف بن تاشفين الى قبيلة لمتونة الصّنهاجية، النّواة الأولى للدّولة المُرابطيّة التي بدأها عبد اللّه بن ياسين الذي حمل لواء تجديد الإسلام في أعماق صحراء المغرب الكبير لهذا يتحتّم علينا قبل أن نخوض في سيرة ابن تاشفين أن نتكلّم عن الدّعوة المرابطيّة.
تبدأ قصّة المرابطين عندما نظر يحي بن ابراهيم زعيم جُدالة الى أوضاع قبيلته وبيئته فأهتدى بفطرته النّقيّة الى أنّ ما هم عليه من ادمان للخمر، وسلبٍ ونهب بين القبائل ودعوات منحرفة عن حقيقة الإسلام وجوهره، لكنّه كان عاجزًا عن تغيير المنكر بعد أن استفحل في المجتمع فصار كلّه في ضلال وغيٍّ. فقرّر الحجّ الى بيت اللّه الحرام بمكّة، ثمّ عرّج في طريق عودته على القيروان حاضرة الاسلام ومركز نشاط المذهب المالكي فألتقى بأبي عمران موسى بن عيسى الفاسي شيخ المالكيّة هناك وعرض عليه حال أهل الصّحراء مع الإسلام وسأله أن يبعث معه من يُعلّمهم شعائر دينهم، فأرسل معه أبوعمران الفقيه عبد اللّه بن ياسين الذي قبل الدّعوة واتّجه فورًا مع يحي بن ابراهيم الى الصّحراء.
بدأ ابن ياسين نشاطه الدّعوي في جدالة، لكنّ النّاس كانوا في ذلك الزّمان في جهل مطبق، أكثرهم في جاهليّة مثل جاهليّة الإسلام الأولى في الصّحراء العربيّة، وشاع فيهم التخلّي عن الكثير من أحكامه، وامتزجت عقائده وعباداته بالكثير من الطّقوس الوثنيّة حتّى لم يبق لهم من وظائف الاسلام إلاّ الشّهادتين لا يعرفون سواهما. فلم تعجبهم دعوة ابن ياسين فثاروا عليه وتعرَّضوا له وصدّوه عن دعوته ثمّ هدّدوه بالطّرد من بلادهم وقتله. فما كان من ابن ياسين إلا أن اختار لنفسه منفًا اختياريًا في بقعة بعيدة على ضفاف نهرالسّنيغال انقطع فيها للعبادة، فالتحق به يحي الجُدالي نفسه والتحق به المخلصون ممن استجابوا لدعوته، وتلقَّبوا بالمرابطين. ومن بين من استجابوا لدعوته وخالجت أفكاره أرواحهم يحي بن عمر زعيم قبيلة لمتونة وأخاه أبا بكربن عمر وابن عمّهما يوسف بن تاشفين.ومعظم أبناء قبيلة لمتونة. وتشاء الأقدار أن يستشهد عبد اللّه بن ياسين سنة 1059وقبله يحي بن عمر سنة 1054 فيتولّى زعامة قبيلة لمتونة والمرابطين أبوبكربن عمر.
يخبرنا صاحب روض القرطاس أيضًا أنّ الأميرالأوّل للمرابطين أبوبكر بن عمر كان رجلاً صالحًا كثير الورع، لا يستحلّ قتال المسلمين وسفك دمائهم. وأنّه أقام بأغمات ثلاثة أشهر الى أن قدم عليه رسول من بلاد القبلة فأخبره بإختلال الصّحراء. فلمّا عزم على السّير اليها طلّق زوجته زينب بنت اسحاق الهواري وقال لها عند فراقه لها: ” يا زينب انّك ذات حُسن وجمال فائق، وإنّي سائر الى الصّحراء برسم الجهاد لعلّي أرزق بالشّهادة والفوز بالأجر الوافر، وأنت امرأة لطيفة لا طاقة لك على بلاد الصّحراء، وإنّي مطلّقك، فإن أتممت عدّتك فتزوّجي ابن عمّي يوسف، فهو خليفتي على بلاد المغرب، ثمّ طلّقها وارتحل. فلمّا أراد أن السّفر الى الصّحراء دعا ابن عمّه يوسف بن تاشفين فعقد له على المغرب وفوّض اليه أمره وقال له يوصيه” يا يوسف إنّي قد وليتك هذا الأمر،وإنّي مسؤول عنه فأتقِ اللّه في المسلمين وأعتقني وأعتق نفسك، ولا تضيّع من أمور رعيّتك شيئًا، فإنّك مسؤول عنهم واللّه تعالى يُصلحك ويمدّك، ويوفّقك للعمل الصّالح والعدل في رعيّتك، وهو خليفتي عليك وعليهم!” إنّها مواقف وأفعال لم نرها إلاّ في ذلك الجيل الفريد، جيل المهاجرين والأنصار الّذي ربّاه الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم. فمن يكون يوسف بن تاشفين الّذي أوكل اليه ابن عمّه أمر دولة المرابطين الفتيّة.
يوسف بن تاشفين شخصيّة اسلاميّة متجرّدة للّه، مثال للفطرة السّليمة والرّوح النّقيّة والنّفس الورعة، كلّ ما جاء في سيرته أنّه وُلد بالصّحراء سنة 400ه ومات سنة 500ه.وأنّه كان حليمًا ديّنًا خيّرا يُحبّ أهل العلم ويحكّمهم في بلاده، يخشع عند سماع الموعظة، و يعفو ويصفح عن الذّنب، فلم يُرو عنه أنّه قتل أحدًا بيده مهما عظُم جُرمه. يقول ابن الصّيرفي يعدّد مناقب يوسف بن تاشفين أنّه كان” يواصل الفقهاء، ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها بآرائهم، ويقضي على نفسه وغيره بفتياهم، ويحض على العدل، ويصدع بالحق، ويعضد الشرع.” وأنّه لمّا دُعي بأمير المؤمنين أبى ذلك على نفسه وقال:” إنّ هذا حقّ لآل بيت رسول اللّه من بني العبّاس ” ثمّ أرسل الى بغداد ببيعته للخليفة، وسكّ النّقود بإسمه وجعل الدّعاء له في خطبة الجمعة. و يضيف صاحب روض القرطاس أنّ من شمائله أنّه كان ” بطلاً، نجدًا شجاعًا، حازمًا ومهابًا وضابطًا لمُلكه. كان زاهدًا في الدّنيا، لباسه الصّوف، لم يلبس قطّ غيره، أكله خبز الشّعير ولحوم الإبل وألبانها مقتصرًا عليها إلى أن توفّي على ما منحه اللّه من سعة الملك في الدّنيا وخوّله منها” وأنّه جاز الى الأندلس ثلاث مرّات برسم الجهاد، وأنّه بقي يرسل إليها الحملات دفعًا للصّليبيين ومحاولا استرجاعها حتّى توفّاه الأجل.
3ــ ابن تاشفين، الخلدونية، والإستثناء:
يقرر ابن خلدون أن كل دولة تنتقل بين خمسة أطوار هي:
الظفر، والانفراد بالمجد، ثم الفراغ والدّعة، ثم طور القنوع والمسالمة، ثم الإسراف والتبذير ويربط ابن خلدون أطوار الدولة الخمسة بثلاثة أجيال، فالجيل الأول يقوم بعمليّة البناء والعناية، والثاني يسير على خطا الأول من التقليد وعدم الحيد، أما الأخير فيمكن تسميته بالجيل الهادم الّذي تنتهي على يديه الدّولة ” فالدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”.
إنّنا نأبى في هذه الخاتمة إلاّ أن نذهب عكس ما ذهب إليه ابن خلدون فنستثني دولة المرابطين التي أكمل تأسيسها يوسف بن تاشفين من قوانين العمران التي ذكرها. فالّذي ميّز ابن تاشفين وبنيه الذين تولّوا الأمر من بعده أنّهم حافظوا على عهد البداوة والخشونة فلم يخرجوا عليه، كما لم يفقدوا حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ولم يبلغ فيهم الترف غايته بما تقلبوا فيه من النعيم وغضارة العيش، فلم يصيروا عالة على الدولة، ولم يفقدوا العصبية بالجملة، ولم ينسوا الحماية والمدافعة والمطالبة. ولم تعرف دولته في أيّامه ولا في أيام ابنه عليّ و حفيذه تاشفين نخبةً مترفةً، مثقلة بالمال والدّعة ،والقوّة المسلحة، و ولم ينفردوا بالمجد والإستبداد كمال جاء في كلام ابن خلدون عن سقوط الدّول. فهذه الدّولة لم يعصف بها إلاّ ثورات أهل الأندلس غير المبرّرة و ضربات المصامدة الّذين استجابوا لدعوة ابن تومرت الغامضة والّذي جاهر بخلافه مع المرابطين في مسائل عقائدية وسياسية حتى وصل به الأمر إلى تكفيرهم استنادًا إلى بعض الخلافات العقائدية كما في قضية أسماء الله وصفاته، ورماهم بالشّرك وتجسيم الله. وسمّى ابن تومرت لذلك أتباعه بالموحّدين دلالة على أنهم أصحاب العقيدة الصحيحة،ثمّ أعلن الحرب الشاملة عليهم، وأدخل المغرب الإسلامي في أتون حرب أهلية مدمّرة، اختلطت فيها الدوافع الدينية بالسياسية و بالقبائلية، وسقط ضحيتها عشرات أو مئات الآلاف.