الرأي

ابن نبي: “تقدمي” أم “رجعي”؟

في 3 نوفمبر 1993 نشرت جريدة المساء حوارا أجرته مع الروائي طاهر وطار، رئيس جمعية الجاحظية، ومما جاء فيه قوله عن المفكر الكبير مالك ابن نبي إنه كان “تقدميا”، وكان من أكثر مثقفي عهده يسارية واشتراكية. وقد رددت أيامئذ على الأخ وطار بكلمة نشرت في الشروق العربي تحت عنوان: “ما كان ابن نبي تقدميا ولا يساريا، ولكن كان حنيفا مسلما”. وقد أعادت جريدة الشروق نشرها في 3/11/2016.

وفي 28-7-2025 أذاعت قناة الوطنية في حصة “مسارات” حوارا مع الروائي بوجدرة، جاء فيه عن المفكر الكبير ابن نبي أنه “رجعي”، وكان سلبيا بالمعنى الديني، وأنه كان مع الإسلام المادي (!) وأنه له منظور ضيق للإسلام (!!).

الروائيان يعدان نفسيهما من “أصحاب الشِّمال” (بكسر الشين)، ولا أقول اليسار، لأن أصل كلمة اليسار عندنا طيب، ولو امتد العمر بالإمام الإبراهيمي لأضاف هذه الكلمة “اليسار” بالمعنى غير الإسلامي إلى ما سماه “الكلمات المظلومة” كالاستعمار، والقياد، والمقدم عند إخواننا الطرقيين، والديمقراطية عند الغربيين وأتباعهم هنا وهناك وهنالك.

إن الذين عرفوا مالك ابن نبي مباشرة، أو عن طريق كتبه، يستيقنون أنه لم يكن “تقدميا” بالمعنى “الوطّاري”، ولم يكن “رجعيا” بالمعنى “البوجدري”، وما عرفوه إلا حنيفا مسلما ولم يكن لا من الضالين ولا من المضلين. وقد عاش منذ وعى وعقل مؤمنا بالإسلام، داعيا إليه، مهموما بقضايا أمته الإسلامية، مجادلا عن الإسلام بالحكمة البالغة والحجة الدامغة حتى لقي ربه، وما بدل، وما غيّر كمن يلبسون لكل حال لبوسها.. وقد قدره أولو النهى، وأكبره أهل الحجى في المشارق والمغارب إلا بعض أصحاب “الفكر المسطح”، والسابحين في شواطئ البحار لا في أعماقها.

ولو كان ابن نبي “تقدميا” كما زعم وطار لصنّمه “التقدميون” ولأضافوه إلى أصنامهم البشرية ابتداء من كبيرهم “ماركس”، ولو كان ابن نبي “رجعيا” كما زعم بوجدرة لاستحوذ عليه المبذرون من إخوان الشياطين، ولرفعوا به خسيستهم، وقد حاولوا فما أفلحوا واستعصى عليهم.

أكاد أجزم أن وطار – رحمه الله – وبوجدرة – هداه الله – لم يقرآ ابن نبي قراءة جادة، واكتفيا بما يقوله عنه “علماء القهاوي” بلغة الشيخ أبي يعلى الزواوي.

إن ابن نبي لا يقرأ كما تقرأ الروايات استلقاء في الأسرة على الظهر أو على البطن..

إن ابن نبي بشر كالبشر، ولكنه ليس كأحد من البشر. وفكره هو الذي عصم كثيرا من الشبان من أن يجرفهم تيار الضلال الذي ساد وطننا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأشهد أن فكره كان هو سلاحنا في “صراعنا الفكري” مع أصحاب “الشمال” في الجامعة المركزية.

رحم الله مالك ابن نبي على جهاده الفكري، وأرضاه، وهدى جميع الضالين من مواطنينا إلى صراطه المستقيم، وقد شهد “الأخ” بوجدرة أن منظومة “الشمال” قد انهارت في العالم كله، فلماذا يتشبث بها؟

مقالات ذات صلة