-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

احتلالُ المفاهيم والتلاعب بالمصطلحات

ناصر حمدادوش
  • 404
  • 0
احتلالُ المفاهيم والتلاعب بالمصطلحات

من المؤكَّد أنه من السَّاحات الخطيرة للصِّراع الحضاري هو احتلال المفاهيم واختطافها، والتشويش على دلالاتها الأصلية، وإخراجها عن سياقاتها الفكرية والمعرفية، بما يَؤُول إلى إفراغها من مضمونها الأصلي. وكانت معركة المفاهيم من الاستحقاقات الأولى للصراع الحضاري لهذه الأمة، وذلك بالتأكيد على المفاهيم الإسلامية الأصيلة، والتحذير من مخاطر التلاعب بها من طرف الخصوم والمناوئين، والذين كان “اليهود” – كأهلِ علمٍ وكتاب – مَنْ تولَّى كِبْرَها.

جاء التنبيه القرآني إلى خطورة هذه المعركة في السَّاحات التصوُّرية والعَقَدية، فيقول مثلاً، فاضحًا اليهود في تزييف الحقائق والتلاعب بالمصطلحات والمساس بالمفاهيم الأصلية، في قوله تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ، وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ”(البقرة:104).

وهذه الآية جاءت في سياق كشف دسائس اليهود، وعِظم كيدهم للإسلام والمسلمين، لتحذير الجماعة المؤمنة مما تُكِنُّه نُفُوسُهم، ومن ذلك: الكيد المرتبط بالمفاهيم عن طريق التلاعب بالمصطلحات.

وتذْكُر الرِّوايات أنَّ السَّبب في النَّهي: “لا تقولوا رَاعِنا” أنَّ اليهود كانوا يميلون في نطق هذا اللَّفظ- وهم يوجِّهونه للنبي صلى الله عليه وسلَّم- حتى يؤدِّي معنًى سِلبيًّا، وهو مشتقٌّ عندهم من: الرُّعونة، فقد كانوا يخشون شتمه مباشرة، فيحتالون على سبِّه بهذه الطُّرُق الملتوية.

ولذلك لم تكن هذه المعركة بخافية عن المرافقة القرآنية للتجربة النبوية الشَّريفة في الدعوة الإسلامية الأولى، فكان القرآن الكريم يحْمِل عقول الصَّحابة على الانتباه واليقظة من تغيير المصطلحات، والتحذير من خطورة تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وهي من أعظم الفِتن التي يتعرَّض لها المؤمن في هذا الصِّراع المرير.

ومن الأمثلة على ظاهرة التلاعب بالمصطلحات للتشويش على المفاهيم والأحكام، ما ورَد في الحديث النبوي الشَّريف: “لَيَشْرِبَنَّ أناسٌ من أمَّتي الخَمرَ، يُسمُّونَها بغير اسمها”، في محاولةٍ خبيثة لتغيير حكمها من الحرام إلى الحلال، من خلال التلاعب بالألفاظ والأسماء.

ولذلك كان مما هو مقرَّرٌ عندنا شرعًا أنَّ العبرة بالمسمَّيات لا بالأسماء، وفق قاعدة: “العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني”.

ومعركة المفاهيم إحدى ميادين الجهاد في سبيل الله على المستوى السياسي والإعلامي والمدني، والتي تكون باللِّسان في قوله صلى الله عليه وسلَّم: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم”.

ومن الأدوار في ذلك: تصحيح المفاهيم، وضبط المصطلحات، والتدقيق في المعاني، والوقوف على ثغرة الدلالات، حتى لا يجري التلاعب بها، ومن ثم مقاومة هذا النَّوع من احتلال العقول، وغزو النفوس، والهيمنة على الأفكار.

ولشراسة هذه المواجهة الدائمة، فقد وجدنا هذا التأكيد القرآني على التنبيه بقوة إلى خطورة معركة المفاهيم، فقد جاء التعبير القرآني متنوِّعًا وثريًّا وموزَّعًا على مواضع مختلفة، حتى تملأ ساحة المعركة يقظةً وحضورًا وفاعلية، بعدم الانخداع بكلِّ تلك الأساليب الخبيثة في التلاعب بالدلالات والمعاني والمصطلحات والمفاهيم، وخاصة من طرف اليهود، الذين اشتهروا عبر كلِّ الأزمنة بالتفنُّن في هذه المعركة وريّادتهم فيها، فنجده ينبِّه إلى خطورة ذلك، وأنَّ من أساليبهم فيها:

1/ تحريف الكَلِم عن مواضعه، فيقول تعالى: “..يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن موَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًّا ممَّا ذُكِّرُواْ بِهِ، وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ منْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا منْهُمْ..” (المائدة:13)، وهذا التحريف للكَلِم إمَّا أنْ يكون بالتلاعب بالألفاظ، أو باللجوء إلى تأويل المعاني، وتمييع المفاهيم.

ولذلك تكفَّل ربُّنا سبحانه وتعالى بحفظ هذا الدِّين، ضمن “معركة الوعي”، على يد رجالٍ يحملون هذا العلم الصحيح، فجاء في الحديث النبوي الشَّريف: “يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عُدُولُه: ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ”.

2/ الإلحاد في آيات الله: فيقول تعالى: “إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَٰاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا..” (فصِّلت:40).

ومعنى “الإلحاد”، كما وَرَد عن ابن عباس رضي الله عنهما: “الإلحاد: وضع الكلام على غير مواضعه”.

وهو كذلك نوعٌ من التلاعب بالمصطلحات، من أجل تغيير المعاني، وتزييف الحقائق، وتمييع المفاهيم، ويكون الغرض من ذلك: الانحراف عن الحقِّ إلى الباطل بهذه الوسيلة الخبيثة.

3/ الإيحاء بزخرف القول: كما قال تعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا، شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا..” (الأنعام: 112)، والزُّخرف هو الذي يكون باطنه باطلًا، وظاهره مزيَّنًا كأنه حقّ.

وكلمة “وكذلك” توحي بأنَّ هذه المعركة في المفاهيم ماضية ومستمرة ومتجدِّدة، وهي لا تتوقَّف عند حدود الزمان والمكان والإنسان، بل هي مطَّردة في الاجتماع البشري، ضمن الصِّراع الأزلي بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان.

4/  التلبيس: يقول تعالى: “وَلَا تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة:42)، واللَّبسُ: الخَلْط، فيكون المعنى: لا تخلطوا ما عندكم من الحقِّ في الكتاب، بالباطل الذي تبتدعونه من عندكم، فهو بمعنى: التغيير والتبديل. وقيل: هو من اللِّباس، أي لا تُغطُّوا الحقَّ بالباطل.

والسِّياق القرآني يلاحق هؤلاء اليهود في معركتهم المستمرة ضدَّ المفاهيم الصَّحيحة، فيحذِّرهم من مزاولة هذه الحِرفة المفضوحة، وهي تلبيس الحقَّ بالباطل، مع سبق الإصرار على ذلك، بكتمان الحقِّ وهم يعلمون، وأنَّ القصد من ذلك هو زعزعة الأفكار، والمساس بالمفاهيم، وإشاعة الشكِّ، وهزِّ الثقة في الحق.

ومن الأمثلة المعاصرة التي تُخاض فيها معركة المفاهيم، على يد الجنس البشري ذاته الذي خلَّد القرآن الكريم صفاتهم التي لا تزال ماثلةً أمامنا، ما يقوده الكيان الصهيوني، ضمن المعركة التي لا تقلُّ شراسة عن المعركة العسكرية على الأرض، ومن ذلك:

– مقولة: “حقُّ إسرائيل في الدِّفاع عن النفس”، وهي المقولة التي يردِّدها ببّغاوات الحكومات الغربية، لتبرير حجم التوحُّش الذي يقوم به هذا الكيان الصهيوني النازي، إذ أنَّ الأصل أنَّ الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة هي مَن تملك “حقَّ الدفاع عن النفس”، لأنها هي مَنْ  تتعرَّض يوميًّا إلى الاحتلال والعدوان والإجرام منذ أكثر من 77 سنة.

– مفهوم “المعصية” و”البدعة”: فقد اتَّضح حجم التلاعب بالمفاهيم في زعم التيار المدخلي أنَّ “البدعة أخطرُ من المعصية”، مع أنه لا أصل لهذه الموازنة إلا في خلفياتهم الإيديولوجية الضيِّقة، في فهمهم السقيم للإسلام، فنجدهم الآن يبرِّرون لوليِّ أمرهم “التطبيع”، وهذا التوجُّه نحو الانحلال في بلاد الحرمين، وهو ما يتجلَّى في الانتشار المذهل لحفلات المجون والميوعة، والتي تُستحلُّ فيها كلُّ الموبقات والكبائر، إلا أنها في نظرهم: أخفُّ من “البدعة” و”المبتدعة”، وعلى رأسهم: المقاومة الفلسطينية مثلاً، التي يشنُّون عليها كلَّ أنواع الشُّبهات والتلاعب بالمفاهيم، في تَمَاهٍ تامٍّ مع أوليائهم من الصَّهاينة في الهجوم على الأمة.

– مفهوم الإرهاب: أصبحت المقاومة إرهابًا، مع أنها حقٌّ مشروعٌ وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ضدَّ أيِّ قوةِ احتلال، لكن شراسة معركة الوعي والمفاهيم لا تزال تدفع بعنفٍ نحو تشويه صورة الجهاد في وجه الاحتلال، وهو ما اشتغل عليه الاحتلال الفرنسي في الجزائر، والاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق، والاحتلال الصهيوني في فلسطين، ومنها: محاولة تغيير المناهج الدراسية في المنظومات التربوية، وحذف كلِّ ما له علاقة باليهود وبالجهاد، بينما يُربُّون أجيالهم على الأساطير الدينية التلمودية والتوراتية والصهيونية، ويمكن الاطّلاع على نشيدهم لتكتشف حجم العنصرية والتطرُّف ضدَّ الآخر، وخاصة العرب والمسلمين.

– مفهوم “السَّلام” عند ترامب: فأمريكا هي مَن تتحمَّل حجم جرائم الحرب والإبادة التي تعرَّض لها الشعب الفلسطينيطيلة سنتين كاملتين من الوحشية التي لا حدود لها، فهي التي تقف على الدعم المالي والعسكري والاستخباراتي والديبلوماسي المطلق للكيان الصهيوني، ومع ذلك يطلُّ العالم المنافق علينا بما سُمِّي “خطة ترامب للسلام”، لإنهاء صراعٍ دام ثلاثة آلاف سنة! ضمن جنون العظمة والشخصية النرجسية التي حلمت بجائزة نوبل للسلام، ومع ذلك فهو يغظُّ الطرف عن الانتهاكات الصهيونية اليومية لهذا الاتفاق منذ دخوله حيِّز التنفيذ يوم 10 أكتوبر الماضي، إذ ارتكب 80 خرقًا، أسفر عن 97 شهيدًا، وأكثر من 230 جريحٍ، وفوق ذلك تُحمَّل المقاومة الفلسطينية أسباب هذه الخروق من دون دليل.

معركة المفاهيم إحدى ميادين الجهاد في سبيل الله على المستوى السياسي والإعلامي والمدني، والتي تكون باللِّسان في قوله صلى الله عليه وسلَّم: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم”.

ومن الأدوار في ذلك: تصحيح المفاهيم، وضبط المصطلحات، والتدقيق في المعاني، والوقوف على ثغرة الدلالات، حتى لا يجري التلاعب بها، ومن ثم مقاومة هذا النَّوع من احتلال العقول، وغزو النفوس، والهيمنة على الأفكار.

إنَّ سُنَّة التدافع بين الحقِّ والباطل سُنَّةٌ ثابتة ومطَّردة ودائمة، ومن ساحات هذا التدافع معركة الوعي والمفاهيم، وهي إحدى أدوات المعركة الفكرية الخطيرة على النفوس والعقول، وهي امتدادٌ كذلك لمعركة القيم والتقاليد والأعراف المتحكِّمة في نمط حياة الأفراد والشُّعوب والأمم، وهو ما يجب الانتباه إليه ضمن هذه المعركة الطاحنة عبر صراع المعلومة والصورة والسردية والوعي، في ظلِّ هذه الحروب السيبرانية التي لا ترحم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!