احتيالٌ لا رادع له
تنتشر الكثير من المؤسسات الطّفيلية التي تحتال على الناس بطرق وأساليب مختلفة، هذه الأخيرة تنظم دورات قصيرة ومتوسطة وتنتهي بتوزيع بطاقات على المشاركين يطلقون عليها “شهادة مدرِّب عالمي”، وفي غفلةٍ منّا أصبح كل من يفشل في الحصول على وظيفةٍ أو تأسيس نشاط تجاري أو خدماتي أو حِرفي يلجأ إلى مجالات التنمية البشرية والتّسويق الشبكي وما شابهها من دورات “الأكسس بار”، وغيرها من الأسماء الغريبة والتّخصصات الوهمية التي تتوالد يوما بعد آخر.
والغريب أنَّ نفس عملية الاحتيال التي قام بها المهاجر الإيطالي “تشارلز بونزي” في أمريكا سنة 1919، حين أقنع أقاربَه وأصدقاءَه بمضاعفة أموالهم في ظرف قياسي من خلال المضاربة في بطاقات البريد وهي وسيلة ذلك العصر في تحويل الأموال من بلد إلى بلد آخر… نفس هذه العملية الاحتيالية يقوم بها حاليا المئات من الذين ينشطون في التسويق الشبكي ويوقعون المئات من الضحايا يوميا من الراغبين بدورهم في الربح السريع.
هؤلاء “البونزيون” الجدد يباشرون عملهم الاحتيالي في شركات عالمية لها تواجدٌ رسمي في الجزائر، رغم أنها ممنوعة في الكثير من الدول، لأنها غطاء للاحتيال على الناس واستنزاف الاقتصاديات من خلال تحويل الأموال لاستيراد سلع تأخذ قيمتها من المضاربة لا من نوعيتها وقيمتها السّوقية، وكمثال على ذلك شركة تنشط في مجال بيع المكمِّلات الغذائية من خلال الترويج لخلطات عادية تباع بالملايين، والذين يقبلون عليها يفعلون ذلك بهدف الربح السريع، بسبب تلك الخلطات التي يصل سعر الواحدة منها إلى خمسة ملايين سنتيم!
احتيالٌ آخر انتشر بقوة خلال السّنوات الأخيرة هي دورات التنمية البشرية والعلاج بالطاقة والأكسس بار وغيرها من الخزعبلات التي تُسوَّق على أنها حلولٌ سحرية للأمراض الجسدية والنّفسية، ولا يكفي المقام لتعداد التخصُّصات التي غالبا ما تكون بأسماء انجليزية حتى يتم إيهام الضحايا بأنَّ الأمر يتعلق بعلوم قائمة بذاتها، دون الحديث عن الممارسات الدخيلة عن المجتمع والدين وبعضها مستمدٌّ من تجارب شعوب وثنية.
وتتنوع مظاهر الاحتيال إلى مجالات تبدو في ظاهرها جادة كدورات التّدريب في عديد المجالات، خاصة في الإعلام والصّحافة، وغالبا ما يتحوَّل مذيعون حديثو العهد بالعمل الإعلامي إلى “مدرِّبين” معتمدين في هذه المراكز، لا يحملون في جعبتهم سوى عدد المتابعين في حساباتهم على تيك توك وأنستغرام، ومع ذلك يقدّمون أنفسهم “خبراء” في كل فنون الصّحافة والإعلام من كتابة الخبر إلى الرّوبورتاج والتحقيق إلى الحوارات الإذاعية والتلفزيونية!