حبلُ الحصار سيلتفّ على رقبة ترامب
أثبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرة أخرى، أنّه رئيس متهوّر، نزِق، غير عقلاني، لا يتردّد في اتخاذ أخطر القرارات ولو كان لها تداعيات وخيمة على السلم العالمي، أو ألحقت أبلغ الأضرار باقتصادات حلفائه ودولِ العالم جميعا.
بالأمس شنّ حربا عدوانية مدمّرة على إيران لا مبرّر لها على الإطلاق كان من نتائجها إغراق المنطقة في فوضى كبيرة، وإغلاق مضيق هرمز الذي كان مفتوحا قبل الحرب، ما أفضى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية والإضرار باقتصادات حلفائه قبل أعدائه، واليوم يعلن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لمنع تصدير نفطها، ردّا على غلق مضيق هرمز، فيزيد أزمة الطاقة العالمية تفاقما!
المفارقة أنّ ترامب يعين بذلك إيران على غلق المضيق في وجه الملاحة العالمية بدل السعي إلى إيجاد حلّ وسط يفضي إلى فتح المضيق الذي يمرّ منه 20 بالمائة من النفط العالمي والغاز المُسال وسلع أخرى ضرورية لمختلف الدول؛ فهو يمنع السفن وناقلات النفط المتجهة إلى الموانئ الإيرانية من دخول مضيق هرمز، وإيران توعّدت بمنع ناقلات حلفاء أمريكا من الاتجاه إلى دول الخليج ردّا على هذا الإجراء، وهذا ما يعني شللا كاملا لحركة الملاحة بالمضيق، ومن ثمّ استمرار أزمة الطاقة العالمية، والارتفاع المتواصل لأسعار النفط والغاز والوقود والمواد الغذائية في العالم…
ومع تهديد ترامب للسفن التجارية وناقلات النفط التي تدفع رسوم مرور لإيران بأنها لن تستفيد من ممر آمن في أعالي البحار، فإنّ الأسئلة التي يطرحها أيّ متتبّع هنا هي: ما الذي يمكن أن تفعله البحرية الأمريكية في هذه الحالة، هل تقرْصِنُ ناقلاتِ حلفائه الغربيين المحمّلة بالنفط الخليجي إذا دفعت رسوما لإيران وتقودها إلى السواحل الأمريكية كما فعلت مع الناقلات الفنزويلية مرارا في عهد الرئيس مادورو؟
أمريكا تحاصر حلفاءها الخليجيين والغربيين بهذه الطريقة، فلا استيراد ولا تصدير للنفط في هذه الحالة؛ إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها للصين والهند ودول أخرى، فلن تقبل بأن تخرج قطرة نفط خليجية واحدة من مضيق هرمز باتجاه دول العالم مهما كان الثمن، ومن ثمّ فستواصل الأسعارُ صعودها الصاروخي لتصل إلى مستويات تاريخية وتُحدث أزمة عالمية لم يسبق لها مثيل، فماذا يستفيد ترامب من ذلك غير الإضرار بحلفائه قبل إيران التي تعوّدت على الحصار طيلة 47 سنة كاملة؟ وهل بإمكان أمريكا تحمّل التكاليف الاقتصادية لوجود 15 قطعة عسكرية بحرية قرب مضيق هرمز إذا طال الحصارُ أشهرا وسنوات؟ أم أنّها ستفرض على حلفائها الخليجيين دفع تكاليف الحصار أيضا؟
الحصارُ الأمريكي البحري لإيران فكرة متهوّرة وغير واقعية، ولا حظّ له في النجاح، ولن يجبر إيران على فتح مضيق هرمز من دون اتفاق شامل بين الطرفين يشمل شتى قضايا الخلاف، ويُنهي الحرب بينهما ويمنح ضمانات لإيران بعدم استئنافها وكذا الاعتراف بحقوقها النووية… مضيقُ هرمز ورقة قويّة بيدها ولن تتنازل عنها بالسهولة التي يتوقّعها ترامب، والأفضل له البحث عن تسوية سلمية للأزمة من خلال العودة إلى مفاوضات جادة قائمة على المرونة والاستعداد للتخلي عن إملاءاته المُجحفة والمهينة التي يقف وراءها الكيانُ الصهيوني، وفي مقدِّمتها وقف تخصيب اليورانيوم نهائيا وتسليم 460 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب لأمريكا. وإذا لم يتراجع ترامب خطوة إلى الخلف، فلن يجني إلا الخيبة وسيرتدّ عليه الحصارُ سلبا بمرور الوقت؛ فكلّما طال أمدُه ارتفعت تكاليفُه وتصاعدت أسعارُ الطاقة والوقود والغذاء أكثر وازداد تذمّر شعوب العالم وفي مقدّمتها الشعب الأمريكي من تضخّم الأسعار… ولا نستبعد أن يستنجد ترامب بالقادة الباكستانيين مجددا للتوسّط مع الإيرانيين لإيجاد مخرج مشرّف له من هذه الورطة التي أوقع نفسه فيها، كالعودة إلى المفاوضات وتوقيع اتفاق سلام، ثم فكّ الحصار البحري والانسحاب، تماما مثلما فعل مع الحوثيين في 6 ماي 2025 بعد توسيط سلطنة عُمان للتوصّل إلى اتفاق معهم وسحب قواته البحرية من البحر الأحمر وبحر العرب.
نختم بملاحظة لافتة للانتباه: دولٌ كثيرة ثارت حينما أغلقت إيران مضيق هرمز، وحاولت الضغط عليها لفتحه بلا شروط، وذكّرتها بقانون البحار الذي يضمن حرية الملاحة العالمية، وذهبت الإمارات إلى حدّ محاولة حشد حلف عسكري بحري من 44 دولة لـ”تحرير المضيق من الاحتلال الإيراني”، كما وصفه “الأكاديمي” عبد الله عبد الخالق.. ولكنّ عندما قرّرت الولايات المتحدة حصار المضيق وغلقه في وجه السفن وناقلات النفط المتّجهة إلى الموانئ الإيرانية، سكت الجميع جبنا وخوفا وبلعوا ألسنتهم ونسوا قانون البحار وحرية الملاحة الدولية.. هذا العالم المنافِق ذو المعايير المزدوجة لا يؤمن إلا بالقوة.