تل أبيب أطعمتنا بطيخا وطماطم !
كلما مرّ يوم جديد، من ألم الأمة في الشرق الأوسط، كلما كشفت الأحداث وأبطالها، أننا نواجه “تفاهة”، تمتلك القوة والمال والجرأة على المرعوبين من المجهول.
ما قاله السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هابي، عن ابتكارات الاسرائيليين الذين يجب على اللبنانيين وكل العالم شكرهم عليها، من الطماطم إلى البطيخ من دون بذور، هو دليل على أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي تطلق حاليا بوارجها وتبني قواعدها في كل المحيطات والقارات، إنما لأنها ترى بأن ما قدمته للعالم من اختراعات واكتشافات – وهي حقيقة فعلا – وَجَب على العالم شكرها عليه، ودفع المال والتنازل عن الأرض والعرض، إن طلبت ذلك.
السفير الأمريكي وهو برتبة ديبلوماسي وسياسي محنك، طلب من اللبناني، كلما حمل هاتفا نقالا أو تناول الطماطم الكرزية أو البطيخ الخالي من البذور، أن يشكر “إسرائيل”، لأنها هي من ابتكرت هذه الأشياء.
وإذا سرنا بنصيحة السفير الأمريكي، فسنتخلى عن لغتنا وتتعطل لغة الكلام فينا، وسنسبّح ليل نهار، شكرا لمبتكر الباب والنافذة والساعة والفنجان والقمح والكمبيوتر.. على حد تقدير هذا السفير، الذي قال ما لم يقله أبناء الكيان ولا خطر ببالهم.
ولو بحثنا في إحصائيات منظمة الفاو ومواقع التغذية العالمية وغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية، ما وجدنا لا بطيخ ولا طماطم الكيان، بل إن البطيخ المذكور في القرآن باسم “القثاء” في سورة البقرة، تحتل الجزائر به، في جدول أكبر منتجي هذه الفاكهة المركز الخامس عالميا، ولا ذكر للكيان ضمن المائة ولا نقول العشرة، وحتى البطيخ الذي يأكله الأمريكيون غالبيته من تركيا، ثاني منتج للبطيخ في العالم، أما عن الطماطم فمصر سادسة العالم هي من تعطي بثمرها طعما للأكلات الأمريكية، ولا كيان ولا شكر ولا هم يكذبون.
هناك بلاد كثيرة وحضارات عريقة قدمت للبشرية الكثير من الاختراعات والاكتشافات من علوم ومعارف وفكر وفلسفة، من الحضارة اليونانية إلى الثورات الصناعية في أوروبا، مرورا بالحضارة البابلية والعربية الإسلامية وحتى الأمريكية، ولم نسمع أبدا عن طلب شكر وامتنان من هذا البلد أو ذاك.
لم تعد للديبلوماسية وفن السياسة، قواعد، لدى رجالات الولايات المتحدة الأمريكية، فهم لا يقولون ما في قلوبهم، بل ما لا تستوعبه حتى أمعاءهم.
مطلوب الآن من فيروز وماجدة الرومي ووديع سعادة وطلال حيدر ونعيم قاسم ونبيه برّي وسامي كليب وجورج قرداحي وغسان بن جدو، أن يشكروا الكيان، كلما أرادو التحدث عبر “الموبايل” أو اشتهوا البطيخ أو الطماطم.
الشكر والامتنان هو من عقيدة الأمريكيين، فقد ابتدع للشكر الرئيس الامريكي “أبراهام لينكولن”، عيدا وطنيا في سنة 1863، وقال الرئيس الأمريكي جون كينيدي: “يجب أن نجد الوقت الكافي للتوقف وشكر الأشخاص الذين يُحْدِثون فرقا في حياتنا”.
ولكن أن تنسى المآسي والخراب الذي حدث في غزة ولبنان، لتشكر من أنتج بطيخا بلا بذور وطماطم في شكل الكرز، فذاك أشبه بالجنون.. بل إنه الجنون بعينه وقلبه وطبعا بلا عقله.