إسرائيل لا تريد سلاما في غزة بل استسلاما
لا أشك في نية الوسطاء لوقف الحرب ووقف التصعيد في غزة، كما لا أشك في نية بعض الأطراف الدولية المشاركة في “مجلس السلام”، فنيةُ هؤلاء تحقيق السلام في غزة وتمكين ساكنتها من العيش في كنف الاستقرار بعيدا عن أصوات المدافع والمسيّرات والطائرات مثلهم مثل كل شعوب العالم. لكن الشك كل الشك في نية إسرائيل التعاطي مع مشروع السلام ووقف العدوان على غزة حتى ولو استجابت قيادة حماس لكل الشروط بما فيها نزع السلاح والانتقال من فصيل مقاوم إلى فصيل سياسي واجتماعي مجرد من كل سلاح.
إن التحفظات التي أبداها رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو على وثيقة الاتفاق ومسار المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار في غزة، تحفظات بطعم الإملاءات تلوّح بها إسرائيل للتملص كعادتها من أي اتفاق وفرض منطقها على “مجلس السلام” ليستجيب لكل مطالبها حتى ولو كانت تعجيزية، فإسرائيل على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تريد إيصال رسالة إلى مجلس السلام بأن إسرائيل لا تريد سلاما، يسوي بينها وبين حركة حماس، بل تريد سلاما على مقاسها، لا يلزمها بأي التزام قانوني أو أخلاقي، بل يحررها ويجعلها في حل منه متى أرادت وكيفما أرادت لأنها إسرائيل الآمرة الناهية التي لا تُسأل عما تفعل ويُسألون عما يفعلون!
أبدت إسرائيل تحفظها على ثلاثة نقاط في وثيقة الاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، تتعلق بسلاح حماس، وآليات التحقق، وحرية التحرك العسكري للجيش الإسرائيلي حتى بعد الاتفاق بذريعة حماية حدودها الشمالية وأمنها القومي، وكأنها قومية سيدة وغيرها أقوام مسودون لا رأي لهم يطاع ولا قرار لهم يؤخذ بعين الاعتبار. فيما يتعلق بسلاح حماس ومعها سلاح الفصائل الفلسطينية الأخرى، ترفض إسرائيل الاكتفاء بتخزين السلاح وحصره وتجميعه ووضعه تحت رقابة ووصاية جهة فلسطينية أو عربية، بل تدعو لتدميره بالكامل بما يجرد حماس من أي سلاح يمكن أن يمثل مستقبلا –كما تدعي إسرائيل- تهديدا لأمنها.
وهذا التحفظ يمكن القبول به وفقا لمبدأ السلام وما يفرضه من التزام على جميع الأطراف لكن بشرط أن يسري ذلك عليها وعلى خصمها، لكن إسرائيل لا تريد هذا بل تريد أن تملي شروطها على خصومها وكأنها الخصم والحكم، وهذه دعوة للاستسلام وليس رغبة في السلام، فمن ذا الذي يقبل الاستسلام ويستجيب لكل ما يملى عليه تحت شعار كاذب مخادع، ظاهره السلام وباطنه إرغام الخصم على الاستسلام؟!
إن إسرائيل تريد أن تفتكَّ ورقة نزع سلاح حماس وباقي الفصائل الفلسطينية بتدميره كاملا يتسنى لها مستقبلا فعل ما تريد إذا أرادت العودة إلى الحرب، وهو أمرٌ وارد في أي لحظة بناء على السلوك التاريخي للكيان الإسرائيلي في اختلاق الأعذار للتصعيد وشن عنوان جديد على غزة ومعها الضفة الغربية وما وراءهما. إن قبول حماس والفصائل الفلسطينية بنزع سلاحها وتسليمه لجهة غير الجهة التي حددها “مجلس السلام” بالضمانات الكافية من الأطراف الضامنة يعد –في نظري- انتحارا حقيقيا ينبغي أن لا تُقدم عليه حماس والفصائل الفلسطينية إلا بسقف عال من الضمانات من قبل مجلس السلام ومن المجتمع الدولي والأمم المتحدة، فإسرائيل تريد مخادعة الجميع لتحصل على صك على بياض لتحقق بالاتفاق –إذا جاز لنا أن نسميه اتفاقا- ما عجزت عن تحقيقه في الميدان. إن قبول حماس والفصائل الفلسطينية بنزع سلاحها كما تشترط إسرائيل سيكون بالنسبة لهذه الأخيرة هدية ثمينة مجانية ستقيم لها إسرائيل احتفالا صاخبا غير مسبق في الأرض المحتلة، فلتحذر حماس والفصائل الفلسطينية أن تقع ضحية الخداع الصهيوني الذي لا يحرص على أمن غزة بل يحرص على محوها من الوجود وتأمين الوجود والحدود لما يسمى “دولة إسرائيل الكبرى”.
لقد ورد في الباب الثاني عشر (المادة 12) لميثاق مجلس السلام أنه لا يجوز إبداء أي تحفظات على هذا الميثاق، فكيف نفسِّر تحفظات إسرائيل على مصير سلاح حماس وآليات التطبيق وحرية العمل العسكري للجيش الإسلامي وهي مسائل محسومة في هذا الميثاق ومحل اتفاق ولا يجوز خرقها بأي حال من الأحوال؟ لقد ورد في هذا الميثاق أنه: “تتولى لجنة وطنية وقوة دولية للاستقرار الإشراف على جمع الأسلحة وتخزينها دون نقلها إلى إسرائيل أو أطراف خارجية”، فكيف يجوز لإسرائيل التحفظ على ما لا تحفُّظَ عليه وذلك بإصرارها على ربط التوقيع على الاتفاق بالاقتصار على القوة الدولية وسحب البساط من تحت أي لجنة وطنية فلسطينية حتى ولو كانت السلطة الفلسطينية؟ أليس في هذا خرقا صارخا لميثاق مجلس السلام وخروجا عن بنوده حتى قبل أن يوضع موضع التنفيذ؟!.
وزيادة على ذلك فإن ميثاق مجلس السلام يربط عملية نزع سلاح حماس وسلاح المقاومة الفلسطينية بالانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي من الخطوط المبينة في هذا الميثاق، فكيف تريد إسرائيل نزع سلاح حماس وسلاح الفصائل الفلسطينية بينما ترجئ عملية الانسحاب إلى ما بعد التحقق من عملية النزع والتدمير الكلي لهذا السلاح؟ أي منطق هذا وأي اتفاق في ظل منطق: “أحاورك بشرط أن تسلم لي بما أريد ويكون لي ما أريد ولا يكون لك ما تريد” هذا منطق معوجّ وقسمة ضيزى لا يرضى بها أحد.
ومن تحفظات إسرائيل على وثيقة الاتفاق تمهيدا لوقف إطلاق النار في غزة، إصرارها على حرية الحركة والعمل العسكري للجيش الإسرائيلي، وعلى بقاء الوجود العسكري في مواضع محددة بما فيها الخط الأصفر، وكل هذا تحت ذريعة توفير الحماية اللازمة لقواتها وحماية مواطنيها في الشمال ضد أي هجوم عدائي محتمل. تصر إسرائيل على كل هذا حتى بعد تسليم الصلاحيات الإدارية والأمنية للجنة الوطنية الفلسطينية –المقصاة إسرائيليا– واللجنة الدولية المكلفة –حسب ميثاق مجلس السلام- بإدارة القطاع بعد الانتهاء من الاتفاق حول كل التفاهمات وحسم كل الخلافات وبدء التطبيق الفعلي لخارطة الطريق. منطق كهذا لا ينطلي على أحد ولا يرضى به أحد، فمن ذا الذي يقبل تسليم الجلاد السياط ليفعل به ما يشاء ويوقع شهادة وفاته؟!
وأختم هذا المقال بمنشور للمطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس والمعروف بحسه الفلسطيني والعربي والإنساني العالي وبمواقفه المشهودة التي تسعى لتحقيق السلام بين كل ساكنة المعمورة بغضّ النظر عن خلافاتهم الدينية و المذهبية. جاء في منشور عطا الله حنا الذي عنونه: “إسرائيل لا تريد السلام بل تريد الاستسلام وهذا لن يحدث على الإطلاق”: “ما حدث يدل على ان إسرائيل لا تريد السلام بل تريد استسلام العرب والفلسطينيين، وقد قال الفلسطينيون كلمتهم بأنهم لن يستسلموا ولن يتراجعوا الى الوراء قيد أنملة في الدفاع عن ثوابتهم وفي الدفاع عن حقوقهم وانتماءهم لهذه الأرض. أما نحن ككنيسة وكمسيحيين فنحن نرفض الحروب كل الحروب ونرفض الإرهاب والعنف كل الإرهاب وكل العنف، ونرفض امتهان الكرامة الإنسانية وما يحدث مع شعبنا الفلسطيني إنما هو امتهانٌ لكرامة شعب يريد أن يعيش بحرِّية وكرامة وسلام. كان الله في عون شعبنا أمام هذا الكم الهائل من المؤامرات ومشاريع تصفية القضية”.
إن قبول حماس والفصائل الفلسطينية بنزع سلاحها وتسليمه لجهة غير الجهة التي حددها “مجلس السلام” بالضمانات الكافية من الأطراف الضامنة يعدُّ انتحارا حقيقيا ينبغي أن لا تُقدم عليه حماس والفصائل الفلسطينية إلا بسقف عال من الضمانات من قبل مجلس السلام ومن المجتمع الدولي والأمم المتحدة، فإسرائيل تريد مخادعة الجميع لتحصل على صك على بياض لتحقق بالاتفاق –إذا جاز لنا أن نسميه اتفاقا- ما عجزت عن تحقيقه في الميدان.