لا تتركوا سعداوي وحيدًا في معركة المدرسة الوطنيّة!
فجأة انطلقت السهام الحاقدة من جهات متعددة المواقع، صوب وزير التربية الوطنية، الدكتور محمد الصغير سعداوي، لكن إنْ عُرف السبب بطُل العجب، فقد اقترب الرجل من عشّ الفرنسيّة المقدسة في عقيدة الفرنكوفيليّين، فهي عندهم قضيّة وجودية (حياة أو موت)، تستوجب الوقوف بالمرصاد لكل من يجرؤ على المضيّ في سياسة الانتقال اللغوي على حساب “غنيمة الحرب” المسمومة.
بداية ينبغي أن يكون واضحًا للجميع، أننا لا نقف ضد النقاش العقلانيّ التخصصي في كل شؤون التربية، وسواها من القطاعات الأخرى، ودفاعنا الآن عن الوزير المحترم، ليس تزكية مطلقة لكل ما يصدر عن مصالحه الإداريّة، ولا حتى مجاملة شخصية، بل هو مرافعة لصالح مشروعه الإصلاحيّ في اتجاهه العام، أمّا التفاصيل الفنيّة فتبقى دائمًا خاضعة للنظر، في إطار الأخذ والردّ، من دون أي حجْر على الرأي المؤسس من أهل الخبرة والاختصاص والميدان.
لكن ما نلاحظه حاليًّا منذ إعلان وزارة التربية عن دحرجة الفرنسية، في مستوى التعليم الابتدائي إلى السنة الرابعة، هو خروج منابر سياسيّة وإعلاميّة وأخرى محسوبة على البحث الأكاديميّ والاستشاريّين، لكن جميعها معروف التوجه الأيديولوجي والمواقف المتحيّزة من مكونات الهوية الوطنية.
الغريب أن هؤلاء يتكتلون تحت راية أيديولوجيّة واحدة، هي عبادة فرنسا، لغة وثقافة وانتماء، والتنكّر عمليًّا لأقوى مكونات هوية الأمة الجزائريّة، لكنهم في الوقت ذاته يحاربون مشروع الوزير سعداوي تحت شعار “حماية المدرسة من الأدلجة”، وهي مناورة مكشوفة، غايتها الإبقاء على المنظومة التربوية رهينة أيدولوجيّة الأقليّة.
من عجائب “الحياة الديمقراطية” في الجزائر أن الأقلية التغريبيّة التي لا تحوز في أي استحقاق انتخابيّ، منذ 1989، على شرعية التمثيل الشعبي، هي التي لا تتورع على رفع عقيرتها بالصياح، كلما أرادت الأغلبية المعبرة عن الإرادة الجماعية ممارسة حقوقها الطبيعية في تكريس الاستقلال الوطني، لغويًّا وثقافيًّا وحضاريًّا.
تخيّلوا أن قياديّة تروتوسكيّة، لم تتزحزح من على رأس حُزيْبها منذ سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، عندها 3 نواب فقط في برلمان 2026، تخاطب رئيس الجمهورية، باسم الشعب الجزائري، لإسقاط إصلاحات التربية حتى إشعار آخر، مختفية وراء الدعوة إلى فتح نقاش عام بشأنها.
بينما يوم كانت حليفتها الفكريّة، بن غبريط، تعبث بالمنظومة التربوية، إلى درجة التوجه نحو حذف البسملة من الكتب المدرسية واعتماد “العاميّة” في لغة التعليم، وتجسيد كوارث ما سميّ بـ”الجيل الثاني”، على سبيل المثال لا الحصر، لم نسمع منها صوتًا للحوار المجتمعي الموسّع.
بل إنها كانت تدافع بشراسة عن وزيرة القطاع، مع أنها منتحلة وقتها صفة المعارِضة للنظام، في تناقض صارخ مع الأخلاقيات السياسيّة.
من جهة أخرى، راحت تلك الأقليّة النافذة تستدعي خطابا بائدا من قاموس العشرية الحمراء لمواجهة الانتقال اللغوي الطبيعي جدا في مسار كل الشعوب، في محاولة لوصْم الوطنيّين الأصلاء بـ”التطرف والظلاميّة والوهابيّة”، فقط لمجرد تأييدهم لاعتماد الإنجليزية لغة أجنبية أولى في التعليم، لأجل مصلحة الأجيال القادمة، بينما يتشبث الرجعيّون الفرنكوفيليُّون باللغة الفرنسية حفاظًا على مزاياهم الخاصّة.
حتى أن أحدهم قال بنبرة الإنكار، كأنه اكتشف مؤامرة خطيرة: “إن هناك مخططا للتخلي عن الفرنسية في الطور الابتدائي بزحزحتها تدريجيًّا إلى مستوى الرابعة، ثم الخامسة، ثم دفعها نهائيّا إلى المرحلة الإكماليّة والثانوي”، مع أنّ ذلك ما يُفترض أن يكون من الناحية البيداغوجية المحضة.
إنهم يحاولون الاختفاء وراء الخوف عن مصير الفلسفة و”العقل النقدي” في الجزائر، بل لا تستغربوا إن وجدتموهم يتظاهرون هذه الأيام بالبكاء على وضع العربيّة في بعض الشعب العلميّة والتقنيّة، لأنّ الغاية عندهم، وهي تحصين الفرنسية ولا شيء سواها، ستبرر كل وسيلة تكتيكية مؤقتة، وتجنيد الآخرين في معركتهم الحقيقية، حتى يُجهض مشروع الإصلاح جملة وتفصيلاً.
هكذا هي الأقلية التغريبية النافذة تسعى دائمًا إلى فرض أجندتها ومشروعها على المجتمع بأدوات السلطة، لذلك وجب الآن على الأغلبية المسحوقة أن تدافع عن حقها في الوجود ولا تبقى في موقف المتفرج، خاصة أنّ الخيار التربوي القائم يكرّس إرادة رئيس الجمهوريّة وبرنامجه الانتخابي خلال العهدتين.
إن القضية اليوم لا تخصّ مصير “سي سعداوي”، بل تتعلق بضرورة التجند السياسي والشعبي لحماية مشروع وطني حضاري يجب أن يشق طريقه إلى النهاية. رجاءً منكم، ألقوا في أسماع الأحزاب والشخصيات حاملة لواء الهوية الوطنية، والجمعيات الجماهيرية والنقابات التي تدور في فلكها، أن المعركة حامية الوطيس هذه الأيام حول حمى المدرسة الجزائرية.
أبلغوهم بحساسيّة ما يدور في البلد من سجالات، لعلهم غافلون في عطلة استجمام على شواطئ البحار وضفاف الوديان!
أسمعوهم صراخ الحُزيبات الناطقة باسم الأقليات المجتمعية وهجومها اللاذع على وزير الإصلاح، أرسلوا لهم مقالات التيار الفرنكوفيلي على أعمدة منابره البالية، لعلهم يتحركون ويستفيقون للالتفاف حول مشروع “الجزائر الأصيلة”، فهذه فرصتهم للتطهر من آثار عهد بن غبريط ولجنة بن زاغو.
ختامًا احذروا… إذا كان الإصلاح التربوي حاليًّا هو مشروع دولة على أعلى مستوى، فإنّ القرار السياسي يخضع دائمًا إلى منطق التدافع الحضاري، محتكمًا في نهاية المطاف إلى محصلة “علاقات القوى”.