-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كَفانا فتاوَى المستشارين والأحزاب: التربية للمجلس الأعلى!

كَفانا فتاوَى المستشارين والأحزاب: التربية للمجلس الأعلى!

في مطلع الألفية وضعت لجنة إصلاح المنظومة التربوية خطتها لإنقاذ “المدرسة المنكوبة” كما كانوا يقولون، وشُكلت لجان إعادة النظر في المناهج لكل الاختصاصات بمراعاة تعليمات الخطة. وكان “الخبراء” الفرنسيون يصولون ويجولون في وزارة التربية، وكانت فرنسا تغدق الأموال لترتيب أمور التربية عندنا، ببعثاتها المتوالية واستقبالها لوفود من المكوّنين الجزائريين لتدريبهم على حسابها.
كان قد طُلب منا آنذاك الانتماء إلى لجنة مناهج الرياضيات، لكننا انسحبنا منها بعد بضعة أشهر، لِما شهدناه من نشاط مُهين لهؤلاء “الخبراء” وندّدنا بأفعالهم. كنا ننادي بالاطلاع على تجارب أخرى غير الفرنسية أيضا، مثل المناهج البلجيكية والكندية على الأقل، إذا ما اقتصرنا على الفرنكفونية منها، ونذكر آنذاك ردّ أحد كبار المسؤولين في وزارة التربية على هذا النداء، قائلا بالفرنسية دون ارتباك أو تلعثم ”البلجيكيون ليسوا أسخياء” ! بمعنى أنهم لا يدفعون أموالا مثل الفرنسيين تغطي تكاليف السفر والإقامات من الجانبين. هكذا كانت تُدار شؤون إصلاح التربية.

1. الخبراء الفرنسيون ومن والاهم
آنذاك، كانت رئيسة الوفد الفرنسي، المختصة حسب زعمهم في الرياضيات -لكن تبيّن بعد ذلك أنها مختصة أيضا في أمور أخرى تُعدّ أهم بالنسبة لفرنسا- تقود وفدها كما يفعل الضباط العسكريون، وتأمر الجزائريين كما لو كانوا تحت إمرتها. وبعد أن أنهت مهمتها مع وزارة التربية، أرادت مواصلة نفس المهمة بــ”إصلاح المدراس العليا للأساتذة”. وفي هذا السياق، زارت ووفدها مدرسة القبة، وفي جلسة مع الزملاء صرحتْ بوقاحة: “اليوم الذي استطعنا التقدم في عملنا بوزارة التربية هو عندما لم يعد يحضر معنا السيد رشيد أمقران بسبب مرضه”.
والواقع أن المفتش رشيد أمقران كان يتسم بسعة معارفه الرياضياتية وطول تجربته في مجال التدريس والتعليمية، فكان يحاجج على دراية الوفد الفرنسي وهذه “الخبيرة” التي لا تتقبل النقد. ولإرضائها قامت الوزارة بإبعاد رشيد أمقران من هذا النشاط، وزعمت أنه كان مريضا. تلك هي الطريقة التي سار عليها إصلاح المنظومة التربوية الذي لا يزال يتباهى بها أكثر من واحد وواحدة من أذناب “الخبراء” الفرنسيين لتلك الفترة.
نحن الآن نعيش تداعيات تلك الفترة، ومناهجنا مليئة بالثغرات المتعددة الأشكال وكذلك حال الكتب المدرسية. والعيب ليس في وجود تلك الثغرات بل العيب في عدم الاهتمام بإصلاحها بطرية سليمة. والإصلاح لا بد أن يكون عملية متواصلة من قِبل مجلس دائم بلجان متفرعة تراعي الكثير من العوامل العلمية والاجتماعية والتربوية التي أُهمِلت أو ظهرت آثارها حديثا. لكن الوزارة مهما فعلت في هذا الباب، وفي أي زمان، ستجد انتقادات ومواجهات من هنا وهناك لأسباب مختلفة. وهذا ما حصل عندما أعلنت قبل أسبوعين هذه الوزارة عن جملة من التعديلات في بعض المواد والامتحانات والحجم الساعي لكل مادة.

2. أقوال المستشار التربوي
وفي هذا السياق، استمعنا لمستشار تربوي قديم لا يلمّ بلغة بلاده، وهذا مؤسف عندما يتعلق الأمر بمستشار بهذا المستوى في وزارة التربية التي تبنت اللغة العربية كلغة تدريس منذ الاستقلال، وكان يندّد بزحزحة الفرنسية إلى السنة الرابعة قائلا بدارجتنا “يا عَجَبَا” ومواصلا باللغة الفرنسية أن “سويسرا لها 4 لغات وطنية ولا يدرس التلميذ في كل منطقة (كَانتون) إلا لغتين”! ورأيه أن الآنكليزية لا محلّ لها في الابتدائي ولا يحق لها مزاحمة الفرنسية في مدرستنا. في حين أن المطلع على أحوال سويسرا سيجد أن ما قاله المستشار كان صحيحا قبل عقدين، وليس الآن ! فمنذ ذلك الحين، أصبح إجباريا في كل مناطق سويسرا أن يدرس كل تلميذ في المرحلة الابتدائية اللغة الإنكليزية ولغة منطقته ولغة منطقة أخرى (أي 3 لغات وليس لغتين).
ولعل المستشار التربوي لا يعلم أيضا أن في هذه الأونة بالذات هناك مشكلا قائما في التربية السويسرية ويحاولون على قدم وساق معالجته بعد أن قررت المنطقة المتحدثة بالألمانية في البلاد إلغاء تدريس اللغة الفرنسية والاكتفاء بتدريس الألمانية والأنكليزية لتلاميذ الابتدائي. وهذا القرار أجبر السلطات الفيدرالية على التدخل، وهي تدير الآن مناقشات ستتواصل حتى الخامس من أكتوبر القادم واستشارات واسعة في البلاد للبت في الأمر باعتبار هذا القرار المحلي الذي اتخذته منطقة يضر في نظر السلطة بتوازن اللغات في المدرسة السويسرية.
ثم إن هذا المستشار التربوي يتكلم بلغة الواثق من نفسه ويؤكد أن الحجم الساعي للغة العربية لا ينبغي أن يتجاوز 20% من الحجم الزمني الإجمالي! إنه حكم غريب أن نحدد بهذه الدقة أمرا كهذا… ولِمَ لا 15% أو 25%…؟ ! وقد اطلعنا على الأحجام الساعية لعديد البلدان الغربية والمنظمات التربوية الدولية، وهذه النسبة المخصصة للغة الوطنية في تلك البلدان لم نجد أحدا ملتزما بها كقاعدة تربوية.

3. وماذا عن مادة الفلسفة؟
أما قضية مادة الفلسفة وإزالة امتحانها من بعض الشعب في الباكلوريا التي ندد بها المستشار، ومعه العديد من الأساتذة ورجال الإعلام… وحتى حزب العمال ذكّر بأنه كان يساند إصلاحات الوزيرة بن غبريط، وأنه يرى بأن الفلسفة ضرورة.
بغض النظر عن رأينا الخاص المساند للحفاظ على مادة الفلسفة وامتحانها -لكن بعد أن يُعاد النظر في مناهجها وسبل تدريسها وطريقة تقييم تحصيل التلميذ في هذه المادة- نذكر جميع هؤلاء “الفلاسفة” أن في وقت مضى، كانت وزارة التربية الفرنسية قد سمحت لأصحاب الشعب العلمية أن يحصلوا على البكالوريا دون أي اجتياز امتحان في مادة الفلسفة. لعل المستشار يذكر أن ذاك هو القرار الذي طبقته وزارة التربية الفرنسية عام 1969 وما بعده. وفضلا عن ذلك، عندما بحثنا عن تدريس مادة الفلسفة والامتحان فيها خلال المرحلة الثانوية للدول الأوروبية وجدنا أن أزيد من 20 دولة في هذه القارة يستطيع التلميذ في بعض الشعب الحصول على البكالوريا أو ما يعادلها دون أن يجري امتحانا في نهاية دراسته في مادة الفلسفة… بما فيها سويسرا، “يا عَجَبَا”!
ومع كل هذه الحقائق نجد العديد من وسائل الأعلام وخاصة المعارضة الجزائرية المفرنسة ينشرون عديد المقالات يوميا تنديدا بتعديلات وزارة التربية الأخيرة، ومطالبين رئيس الجمهورية بإلغائها في مقال عنوانه يتساءل عما إن كان الرئيس في هذا الموضوع “حكما أو فاعلا”!
والغريب أن الإشادة برأي المستشار السابق الذكر والدفاع عنه لا تنقطع في إعلام هذه المعارضة رغم علمهم أن هذا المستشار ليس الوحيد الذي له رأي في التربية، بل إن المستشارين كثر، ولكل رأيه. وأنه يخطئ ويصيب كما أثبتنا. وهذا ليس عيبا لأن التربية والتعليم ليست علما دقيقا بلهو علم يتطلب المتابعة الحثيثة والعديد من التجارب يعالجها خبراء متعددو الاختصاصات بتأنِِّ.
على سبيل المثال، كانت هناك إصلاحات لتدريس الرياضيات في فرنسا أشرف عليها أحد كبار علماء الرياضيات وتدريسها في فرنسا، وهو أندريه ليشنوروفيتش Lichnerowicz (1915-1998) بدءا من عام 1966، وتم التركيز على الرياضيات الحديثة وإهمال الهندسة، وكان معه عالم آخر من مشاهير فرنسا جون ديودونيه Dieudonné (1906-1992) الذي صرخ ذات يوم بقولته المدوّية “ليسقط أقليدس” (ويقصد بذلك ضرورة التخلي عن الهندسة الأقليدية). ورغم هذه العبقرية لدى هؤلاء العلماء، ظهرت فيما بعد التداعيات السلبية -حتى لا نصفها بالكارثية- لذلك الإصلاح الذي لم ينتبه لبعض العوامل الاجتماعية. وسلبياته لا زالت تؤثر على المستوى العام للتلاميذ الفرنسيين في مادة الرياضيات إلى اليوم.

4. دَعُونا من التشويش والتضليل
كل هذا لنقول إن التشويش على التربية والتعليم في البلاد بالضجيج والتهويل ودق الطبول لا يفيد أحدا سوى المغرضين وأصحاب النوايا الخبيثة، لأن أصحاب النوايا الحسنة يحاولون معالجة مثل هذه القضيا والحديث عنها بهدوء وبالحجة المتوفرة.
نتمنى، بعد أن يمرّ الدخول المدرسي بسلام، أن تبادر الحكومة إلى تفعيل دور المجلس الأعلى للتربية وإسناد مهمة الإصلاح التربوي إليه، ليكون الإطار المؤسساتي الذي يختار المقاربات والمناهج الكفيلة ببناء مدرسة تواكب حاجات الجيل الصاعد وتحديات المستقبل. إن إصلاح التربية والتعليم قضية وطنية تتجاوز الأشخاص والحكومات والأحزاب، ولا يجوز أن تُترك لاجتهادات من هبّ ودبّ، سواء حمل لقب مستشار أو رجل سياسة أو كان من المتابعين لقضايا التربية. فمستقبل المدرسة لا ينبغي أن يُصَمَّم في مكاتب المستشارين على وقع أبواق الإعلام ولا في دهاليز الأحزاب، وإنما داخل مؤسسة وطنية مختصة، تكون بوصلتها هي العلم والخبرة والمصلحة العليا للأجيال القادمة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!