-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اتفاقية مكة: تغيير معادلة الردع في المنطقة!

اتفاقية مكة: تغيير معادلة الردع في المنطقة!

بعد سنوات من اتفاقيات التعاون المشترك في مجالات الدفاع والأمن بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، تم التوقيع أول أمس بمكة المكرمة على اتفاقية دفاع مشترك بين الدول الثلاث يبدو أنها ستغير معادلة الردع في المنطقة في السنوات القادمة لصالح أمن إقليمي قادر على الصمود من دون الحاجة للمظلة الأمريكية، وقادر على الدفاع عن النفس من دون الخوف من التهديد الاسرائيلي المستمر، أي قادر على امتلاك مقومات القوة الذاتية التي تدعم قراره السيادي في مجالي الدفاع والأمن.
يُعد هذا تغييرا جوهريا في معادلة الردع في المنطقة، إذ بدل أن تواصل الدول الرئيسة بها الاعتماد على المظلة الأمريكية قررت تطوير شراكاتها الثنائية إلى اتفاقية تقوم على ركائز ثلاث متكاملة: تكنولوجية – اقتصادية – عسكرية. تمثل تركيا القوة التكنولوجية الرئيسة، وباكستان النووية القوة العسكرية الرئيسة، والمملكة العربية السعودية القوة الاقتصادية الرئيسة. هذا التكامل الثلاثي من شأنه أن يؤدي إلى استقلالية شبه تامة عن منظومة العلاقات التقليدية السابقة التي كانت تحكم المنطقة.
وقد استفادت هذه الخطوة من الخيارات الجديدة التي أعلنتها الولايات المتحدة في عهد ترامب القائمة على ضرورة اعتماد الحلفاء – بما في ذلك دول الناتو – على أنفسهم في مجال الدفاع، وبهذا تكون قد حققت هدفين كبيرين: الأول، استبعدت التخوف الأمريكي من أن يتشكل “حلف” دفاعي خارج نطاق خيارات الولايات المتحدة الاستراتيجية. والثاني: سحبت المبادرة من الإسرائيليين الذين كانوا باستمرار يُقدِّمون أنفسهم كأفضل بديل موثوق للأمريكيين لضمان أمن المنطقة، باعتبارهم القوة العسكرية الوحيدة التي لا يمكن الاستغناء عنها في المنطقة.
بعد اتفاقية مكة كل هذا سيتغير: إذا ادَّعت “اسرائيل” أنها أول قوة تكنولوجية فهناك تركيا لتوازنها، وإذا ادعت أنها القوة النووية الوحيدة فهناك باكستان توازنها، وإذا ادعت أنها القوة الاقتصادية والمالية الأولى هناك المملكة العربية السعودية تتفوق عليها. وإذا ما شكَّكت في طبيعة التحالف وحاولت تخويف الحلف الأطلسي منه فإن أكبر جيش بري في الحلف الأطلسي هو الجيش التركي! كل المنافذ لمحاولة التشكيك في طبيعته تُصبح هكذا مُغَلقة!
لن يبقى لِصناعي استراتيجية الهيمنة الاسرائيلية في المنطقة سوى بديل واحد سَتعمل عليه بكافة الوسائل: محاولة تشويه هذا الاتفاق عبر مدخل: الطائفية، فتُسمِّيه اتفاقا سُنّيا ضد إيران، وتسعى من خلال ذلك إلى أن تكون طرفا فيه باعتبار “إيران” هي العدو “المشترك”! وقد انتبه موقعو هذا الاتفاق لهذا الفخ باستباق الإعلان صراحة أنه ليس موجها ضد أي من الدول ولا طائفية فيه، بل هو مفتوح لدول إسلامية أخرى.
ومن شأن هذا الاستباق أن يجعل معادلة الردع أكثر نُضجا، ويطرح أمام إيران بدائل مستقبلية أفضل من بديل إبقاء الصراع مفتوحا مع دول المنطقة إن في الخليج أو اليمن أو لبنان، خاصة وأن لإيران اتفاقيات تعاون ومصالح مشتركة مهمة مع البلدان الثلاثة: تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية يمكنها أن تكون أرضية صُلبة لتعزيز التعاون بدل الصراع مع مجموعة اتفاقية مكة.
ومن ناحية مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، فالاتفاقية تُوفِّر فرصة للقوات الأمريكية للشروع في الانسحاب “من دون خسارة” بعد أن تأكد فشلها في حماية المنطقة وحماية قواعدها العسكرية بها.
أما من ناحية مستقبل القضية الفلسطينية، فإن مثل هذه الاتفاقية، في حالة تمكنها من إفشال المخطط الاسرائيلي الذي لم يبق له سوى السعي لإعطائها طابعا طائفيا، فإنها تكون قد أعلنت موت ما يُسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية ومشروع “إسرائيل الكبرى”، وفتحت الباب واسعا أما حل عادل للقضية الفلسطينية على أساس المشروع العربي الذي يحظى بموافقة الغالبية الساحقة من دول العالم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!