عصابة الفرنْكُوفيل: أذرعٌ في الداخل والخارج !
نسمع في الجزائر كثيرا عن العصابات: عصابات المال، وعصابات الفساد، وعصابات المصالح، وعصابات تتخفّى وراء السياسة والإدارة والاقتصاد. لكن هناك عصابة أخرى، أشد مراوغة: إنها عصابة الفرنكوفويليين؛ أولئك الذين لا يشكلون تنظيمًا معلنًا ولا يحملون بطاقة عضوية، وإنما تتعدد أذنابهم وتشعباتهم وأدواتهم وألوانهم. قد يظهر أحدهم في ثوب المثقف المدافع عن الحداثة، وآخر في هيئة الخبير التربوي، وثالث في صورة الفيلسوف أو المدافع عن الحريات، ورابع متحدثًا باسم العلم والعقلانية،إلخ.. بينما يجمع بينهم، في العمق، هاجس واحد: إبقاء الفرنسية في موقع الهيمنة، وإجهاض كل محاولة جادة لترتيب الوضع اللغوي والثقافي في الجزائر، سيما في المدرسة.
- 1.بين التقرّب من السلطة والانقلاب عليها
وما يثير الانتباه أكثر في هذه العصابة أنها لا تسير على خط مستقيم؛ فهي تتقرب من السلطة حين تخدمها، ثم تنقلب عليها حين تتعارض حساباتها معها، وتصفق لقرار اليوم ثم تقصفه غدًا بأقلامها ومنابرها وتحليلاتها. تهاجم شخصًا فتفتح الطريق لآخر، وتنتقد مسؤولًا لا لأنها ترفض سياسته، وإنما لأنها تريد إزاحته لصالح من تراه أقرب إلى توجهاتها. تتحدث طويلًا عن الفلسفة والعقل والحرية والتنوير، ثم تتضايق وتهتز عند أي مساس بموقع الفرنسية أو امتيازاتها التاريخية. وقد تجدها في القضية نفسها تتخذ مواقف متناقضة بحسب الأشخاص والظروف وموازين القوة. وهنا تكمن خطورة الظاهرة: لسنا أمام دفاع بريء عن لغة، وإنما أمام شبكة مصالح وخطابات تتغير أقنعتها بينما يبقى الهدف ثابتًا.
ولذلك آن الأوان أن يستفيق المواطن إلى هذه الأبواق الاستعمارية التي تُقدَّم في بعض وسائل الإعلام على أنها صوت الخبرة والرأي الرشيد، بينما لا تعدو في كثير من الأحيان أن تكون أصواتًا فردية تخدم مشاريع معلومة. ولذا عندما نقرأ لهؤلاء ونستمع إليهم، يحق لنا أن نسأل: من المستفيد من إبقاء الجزائر أسيرة صراع لغوي وثقافي لم يُحسم منذ عقود؟
- 2.من أذرع العصابة
دعنا نشير أولا إلى دقّ طبول الفرنكفونية في قناتهم المتخصصة TV5Monde (قناة الفرانكفونية) حيث استضافوا في نشرة الأخبار أحد الجزائريين، قالوا إنه كاتب من الواضح أنه يعيش في أوروبا،، وقدّموه على أنه رئيس “فريق تفكير في أحوال الجزائر”(!!). جاء ليقرأ “نداءً إلى المحافظة على اللغة الفرنسية في الجزائر”، مؤكدًا أن المساس بها سيضر بالجزائر في جانبين أساسيين: علاقتها بالجالية الجزائرية وعلاقة الجزائر مع إفريقيا. وهنا صحّح له مقدم الأخبار العبارة قائلًا: “إفريقيا الفرانكفونية”، وليس إفريقيا! ومن سوء حظه أن له مشكل تأتأة أضاع كثيرا من الوقت لتبعير بسرعة عن ندائه وداهم الصحفي الوقت فاضطر إلى تجاوزه.
لكننا نريد هنا التركيز على ما يصدر من مقالات لهذه العصابة، ونخص بالذكر أدهم الذي يحمل الاسم المستعار “قاسم مدني” ودرّس الفيزياء في جامعة فرنسية حتى تقاعد وصار كاتبا منذ 15 سنة إعلاميا وبوقا من أبواق عصابة الفرنكوفيل في الصحافة ومؤلفاته التي تهتم بالجانب الاجتماعي.
في سياق الحملة ضد زحزحة الفرنسية، ضاعف هذا الكاتب عدد مقالاته هذه الأيام ضد وزارة التربية وما جاءت به من تعديلات في المجال اللغوي. ومما نشره مقال قبل بضعة أيام عرض فيه نحو 15 نقطة رئيسية ينبغي مراعاتها في الإصلاح الجاد للمنظومة التربوية. ها هي البعض من هذه التعليمات (المسلمات) التي يراها ستنقذ مدرستنا المنكوبة لأنها تعرّف معنى “التربية” ننقلها حرفيا ليرى القارئ إلى أي مدى تصل همجية العصابة في التجريح والإساءة لمعتقدات الشعب الدينية:
1) التربية هي قيادة الطفل أو المراهق أو البالغ نحو تفكير خاص به، وليس نحو ترديد “قال الله قال الرسول” الخالية من المعنى، والمتناقضة، والعقيمة!
2) التربية هي تعلّم محبة ذويه والآخرين، وعدم تخصيص قدرته العاطفية كلها لذلك الخالق الشرير، الانتقامي، والمُبيد الذي يقدمه كتاب “أشرف المرسلين”، من سورة الفاتحة إلى سورة الخِتْم (كذا)!
3) التربية هي تعلّم الوعي بأن عالمنا، عالمي وعالمكم، ليس له سوى أصل واحد: المرأة؛ الكائن الوحيد الجدير بالتبجيل، من الأم إلى الزوجة، ومن الزوجة إلى الابنة!
4) التربية هي تعلّم الابتسام والضحك، وليس الانغماس في الحزن الدائم للخضوع الصوفي!
5) التربية هي جعل الذكاء يركب إيقاع سباقات القرن الحادي والعشرين، وليس التضحية به على مذبح الخرافات وغيرها من الهمجيات التي تعود إلى القرن السابع!
6) التربية هي تعلّم بناء نظرة داخلية إلى الحياة، وليس الاكتفاء بإعادة إنتاج نموذج الجاهلية كما يُلقَّن في مدارسنا على أيدي مدرسين لا يتجاوز معدل ذكائهم معدل ذكاء برلمانيينا.
- 3.في الصراحة راحة
ويختم بالقول: “فهل اتبعت المدرسة الجزائرية هذه الخيوط الموجِّهة البسيطة والكونية؟ بالطبع لا! وبدلًا من ذلك، جرى تشكيل عقول غضة تخضع للأوامر، أقل ما يقال عنها إنها عنيفة، من قبيل: « قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ». بدون تعليق، أليس كذلك؟” (انتهى كلام قاسم مدني).
وبدون مقدمات، يطرح قاسم مدني هذا السؤال في مقاله، ويجيب عنه دون انتظار: “أيّ لغة قادرة على تكوين مواطن الغد وتشكيله بما يتوافق مع هذه المسلّمات وغيرها الكثير؟ أهي لغة الجاحظ والمتنبي وغيرهما؟ كلا، وألف كلا! أم لهجاتنا المتعددة التي تختلف من منطقة إلى أخرى؟ لا أيضًا! لم يبقَ سوى لغة واحدة، هي الغنيمة الحقيقية للحرب، تلك التي أيقظت الوعي لقول “لا” للمستعمر: لغة فولتير وموليير!”. وبصراحته هذه يعلن الكاتب عما تطلبه عصابة الفرنْكُوفيل من وزارة التربية في مجال اللغات.
- 4.وفي مقال آخر
وفي مقال آخر نشره نفس الكاتب يوم أمس بعنوان “أهوال سلطة في مأزق”، تعلوه صورة وزير التربية، كتب تحتها: “وزير محافظ يرهن مستقبل ملايين التلاميذ” جاء فيه: “ومنذ أزمنة، نقوم نحن، الأساتذة والأكاديميين بتشريح وتحليل الأوضاع من مختلف الزوايا الممكنة، في هذه الصفحات، بهدف الكشف عن برامج وإصلاحات نراها غير ملائمة وغير مقبولة”. وفي هذا السياق، يرى أن “استبدال اللغة الفرنسية بالإنكليزية مهزلة سيئة الذوق”. ولتجنب تفاقم الكوارث التي تهدد أبناءنا ومستقبل البلاد، فالحل يكمن في القضاء على “الفيض الزائد(le trop plein) في مادة “التربية الإسلامية”، وهي، حسب تعبيره، “تشكل سلاحًا فتاكا لتدمير المادة الرمادية لأطفالنا، بشكل لا يمكن تداركه”.
ثم يضيف: “نحن على أتم الاستعداد للمشاركة في أي مشروع جاد لإصلاح منظومتنا التربوية، إذا كان ذلك يمثل رغبة مسؤولينا”… وهم ينتظرون بفارغ الصبر -حسب ما نُشر اليوم في مقال لأحد أفراد هذه العصابة- ما إذا كان مجلس الوزراء سيلغي تعديلات وزارة التربية.. وذاك ما يسعون إليه بكل الوسائل.
إن ما يقدمه قاسم مدني ورفاقه في هذه العصابة ليس مشروعًا تربويًا بقدر ما هو خليط مضطرب من الشعارات الأيديولوجية والأحكام المسبقة والاستفزازات اللغوية. فبعد أن يبدأ بتعريف للتربية، ينتهي مع رفاقه بتحويلها إلى منصة لتصفية حسابات فكرية مع الدين والهوية والتعريب، وكأن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يتحقق إلا بإدانة موروث الأمة وبتمكين لغة موليير في البلاد باعتبارها المنقذ السحري للمدرسة الجزائرية.
إن إصلاح التعليم لا يحتاج إلى معركة شعارات بين “لغة والمتنبي” و”لغة فولتير” ولا إلى شيطنة الدين أو تمجيد الفرنسية، فاللغة في جوهرها أداة للمعرفة، لا راية للإيديولوجيا… والعقل التربوي الرشيد هو الذي يميّز بين هذا وذاك.