-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الذكاء والغباوة

عمار يزلي
  • 34
  • 0
الذكاء والغباوة

بدأت في الغرب والعالم بعض الألسنة تتحدث عن خطر تفاقم تطوير الذكاء الاصطناعي وانتشاره في كل الحقول مخافة تطوير الذكاء الاصطناعي على حساب الذكاء الطبيعي، واحتمال كبير في سيطرة مستقبلية للشركات الكبرى المصنعة للغول الذي سيلتهم العقل البشري وأيديه وأرجله، ويعيقه في مسار تطوره البشري الطبيعي لصالح مجتمع آلي بذكاء اصناعي غبي.

هذه الصرخات ولو المبحوحة، التي لا يكاد يسمع له صوت، إلا ضمن المؤسسات الأكاديمية الجامعية والخبراء المستقلين، دعمها مؤخرا موقف وتصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء “أوراسيا” قبل يومين، حيث حذر من مغبة تطوير التخلف عبر آلية الذكاء الاصطناعي في الغرب وفي العالم وخطر ذلك على تطور معدل البطالة وسوق العمل.

هذا التخوف، تجسد قبل نحو قرن ونصف في صرخة كارل ماركس في “رأس المال” ضمن رؤيته لمستقبل العالم الرأسمالي الذي ستطيح به قوة العمل بسبب التطور الهائل التقني والميكانيكي خلال القرن الـ19، ثم القرن الذي يليه.

تحدث ماركس عن الطفرة الاجتماعية الاقتصادية ضمن ما يسميه بالتشكيلات الاقتصادية الاجتماعية التي عرفها المجتمع الأوروبي منذ تاريخه الأول، من المجتمع البدائي، مرورا بالمرحلة العبودية، ثم الإقطاعية فالرأسمالية.

التطور التقني والميكانيكي خلال القرن الـ19 ما وبعده، رأى فيه ماركس نذير شؤم وتفاؤل في نفس الوقت، كونه سيؤدي ذلك إلى تكوين جيش من العاطلين عن العمل، كما يسميه، وهذا من شأنه أن يفجر ثورة غضب وقلب الطاولة على النظام الرأسمالي وأرباب العمل، الذين سيجبرون على تقليص عدد العمال لصالح الآلات والأدوات الميكانيكية.

كان هذا خلال عصر تطور الميكانيكا، أي قبل ما نسميه اليوم بعصر التكنولوجيا الذي سبق عصر الذكاء الاصطناعي. هو مسار تطوري بدأ باكتشاف الآلة والطاقة البخارية، ثم الكهربائية، وانتهى “بصناعة الذكاء الصانع للذكاء”، والذي بدروه يتطور باستمرار وبسرعة كبيرة، قد تجبرنا أن نرى في المستقبل المنظور عالما مقلوبا رأسا على عقب: عالم يتحكم في الذكاء الاصطناعي شبه البشري، وإحالة كثير من المهن والتخصصات على التقاعد الدائم والموت السريري المحقق.

هذا التخوف بدا اليوم قائما في ظل تنافس الشركات السحابية على تسهيل العمل والتفكير لدى الانسان قبل أن تسلبه خاصية التفكير أصلا. فالبيولوجيا تتحدث عن انقراض الأعضاء التي لا تشتغل مع مرور الوقت والزمن، واستبدالها بأعضاء بأشكال متغيرة متحولة لا نعرف تماما مداها وقوتها وقدرة هيمنتها، غير أنه من المؤكد، أن عالم المستقبل القريب، لن يكون كسابقه، وأن سوق العمل والمهن والجامعات والطب والهندسة وحتى الفن وباقي القطاعات ستعرف تحولات خطيرة، إن لم يستوعب العالم هذه الخطورة ويحد من تغول الذكاء الاصطناعي ويضبطه، لما لهذا التطوير من خطر وجودي على الإنسان وإنسانيته.

الذكاء الاصطناعي هو شكل جديد من أشكال التطوير الذي حدث تباعا عبر آلاف السنين مع تطور الإنسان ضمن بيئته الاجتماعية منذ ظهور الانسان العامل الـ”هومو فابر”، وإلى اليوم، ولن يتوقف ذلك غدا، غير أنه في مراحل تطور الإنسان وتطويره لأدوات العمل، كانت الأداة لمساعدة للإنسان: هو من يصنعها ويتحكم فيها، وإلى اليوم، لا يزال الأمر كذلك، لكن الوتيرة التي تسير بها تنافسية تطوير الذكاء الاصطناعي اليوم في العالم، تنذر باحتمال أن ينقلب السحر على الساحر وباحتمال حدوث اضطرابات في سوق العمل العالمي، وبالنتيجة، قد نرى نظامنا الاقتصادي العالمي ينهار ويغرق في الفوضى جراء فقدان السيطرة على “الأبناء الأشقياء”، أو انتشار الفوضى في سوق البطالة.

احتمالات، قد تكون واقعية في المستقبل المنظور.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!