-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

احتيال ازدواجي

صالح عوض
  • 3147
  • 0
احتيال ازدواجي

عمليات الخداع التي يمارسها البعض لتمرير فكرة أو رؤية ليست فقط محصورة على كيفية التمرير.. بمعنى أن المقصود ليس هو التمرير بعينه مع كل ما يمارس من احتيال لتمريره، إنما المقصود أثار هذا التمرير من زوايا أخرى أو صرف الانتباه عن فكرة قوية أخرى يراد إخفاؤها أو تشويهها.

في علم السياسة وفنون الثقافة تمارس عملية الاحتيال الإزدواجي كثيرا، وهي نتيجة طبيعية للسلوك البشري في لحظات الضعف الإنساني والهزيمة الروحية وافتقاد عناصر القوة الداخلية، وكلما تعقدت الضغوط وتشابكت مفاعيلها كانت الفرصة مواتية أكثر لاستفحال نشاط الدوافع التي تسكن النوايا ويصبح كل ما هو ظاهر ليس إلا غطاء تضليلي أو تشويهي لما هو في العمق.

داهمتني هذه الأفكار فيما كنت أحاول فهم موقف أناس باعوا الكرامة وسوّقوا للرذيلة وحملوا الناس عليها وفجأة ينتخون للمعاني والقيم والمبادئ.. بالتأكيد المسألة لا علاقة لها بصحوة ضمير أو بتوبة التوبات أو بكشف المجهول وازدياد المعلومات، فهي لو كانت كذلك لما وجدنا من ردة فعل سوى الانتحار أو الانسحاب من مشهد الحياة.. إنما هي بالتأكيد محاولة جديدة للاحتيال المزدوج فهم يتحركون في الهوامش المسموح لها وعندما تغلق عليهم الهوامش ينزاحون لموقف آخر لعلهم يمررون أفكارهم وتثبيت ضمانات مصالحهم في شقوق واقع منشغل عن المصالح الشخصية.

الاحتيال المزدوج بوضوح شديد هو التقاء منطق وفلسفة وأسلوب ليس من فلك تسبح فيه إلا المصلحة الأنانية المتضخمة، والتي تحول الدين والوطن والشعب والكون كله خدمة لها ولديها استعداد أن تبيع الدين والوطن والشعب لتحقيق مصلحتها.

الاحتيال الإزدواجي هو الصراخ الموضوعي والمنشود في اتجاه معين خداعا للمهتمين والمتحرقين فيما العين الأخرى على اتجاه أخر هو المقصود فيه ضمانات الوجود وتدفق المصالح.. إننا إزاء عقدة نفسية مستشرسة ندما نرى البعض في مواقع الثقافة والأدب والسياسة قد أصبحوا أسرى لمثل هذه الحالة، فهم حينذاك لا ينفع معهم نقاش ولا تستوي معهم الحكمة، لأنهم في حقيقة الأمر فاقدي الشخصية وغير قادرين على محاسبة النفس ومراجعتها فهم دوما في ظنهم أنهم على الحق المبين، وأن العالم لا يفهمهم وأنهم يمتلكون الحقيقة والصواب فهم يصلحون في ظنهم أن يكونوا أنبياء أو أنصاف آلهة، وهم فعلا يتصرفون على هذا الأساس ولا يرعوون في محاولة قطع الأعناق وقطع الأرزاق.

لتحرير الثقافة والسياسة من أمثال هؤلاء المتمترسين في مفاصل الثقافة والدين والسياسة أي في مفاصل الفكر والإدارة في بلداننا العربية ينبغي أن تبرز قيمة النضال والتضحية والعطاء والإيثار والكرامة والعزة والتعفف من المكاسب وتجنب ساحات الغنائم والتركيز على الواجب.. في ظل هذه المعاني تصبح الرؤية أفضل محددة كما إنها تصبح منظومة القيم المتصرفة في مشاعرنا.

الاحتيال المزدوج هو عملية معقدة من التيه الروحي والالتواء النفسي والاضطراب المسلكي.. وفي مقابل ذلك يكون للثوار الأحرار النبلاء الشرفاء كلمتهم وفعلهم وحضورهم الذي يكون مستهدفا دوما من تلك الفئة البغيضة..تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!