احذروا.. وهج الإسلام السياسي ينطفئ
الأخوان المسلمون في مصر يوجدون في وضع لا يحسدون عليه الآن، حيث أصبح فوزهم بالحكم في مصر أشبه بالسم في العسل، يهدد بضرب مصداقية فكر الجماعة، وشعار “الإسلام هو الحل”، بعد نجاح الغرب في إغراق “الجهاد” في شبهة الإرهاب، وبضرب تماسك المجتمع المصري الموحد منذ فتوحات عمرو بن العاص، رغم اختلاف معتقداته الدينية والعرقية، وفي الأخير تلاشي الفكر الأخواني الناشط في مختلف الدول كما تتهاوى أحجار الدومينو المصطفة بشكل مرتب.
إن مسؤولية إخوان مصر في ترقية مشروع الإسلام السياسي أو قبر وهجه كبيرة جدا، تمتد ظلالها، وبشكل تلقائي، إلى محيطها العربي والإسلامي، والتي يفوق تعدادها السبعين حركة، بحكم نضجها وتجاربها المتتالية منذ تأسيسها في 1928، ومن ثمة أبوتها لمختلف الجماعات الأخوانية القطرية، ومنها حركة حمس في الجزائر، قبل أن ترفع عنها شرعية تمثيلها بسبب “انحراف” أدائها، وتشتتها إلى حزيبات متناحرة، تتنافس على تركة الشيخ نحناح، ليتقرر نقلها إلى مجموعة أخرى هي بصدد التأسيس. وفي حالة فشل المشروع في مصر، والذي يتحمل تبعاته الإخوان مهما كانت الأسباب، فإن المشاريع المماثلة المطروحة ستتراجع، والكثير من الشكوك والريبة ستطبع تعامل المحيط معها، في حين يتحول الفشل إلى عصا في أيدي المنافسين تحت رايات وشعارات أخرى.
فكل العالم، وفي مقدمته الشعوب العربية، يتابع ويراقب تطورات المشهد السياسي الخطيرة في مصر، وخاصة طريقة تعامل الرئيس المصري، محمد مرسي، ومن ورائه مؤسسة الإخوان المسلمين، وعلى رأسها المرشد العام، مع تسارع الأحداث واستعجال الرأي العام لإنجاز بعض الوعود، ومع “تنكر” بعض الساسة لشرعية مرسي الشعبية، في أول مواجهة سياسية بين الإخوان وباقي المنافسين السياسيين، بدل أن يتجه حكم الإخوان إلى احتواء نصف المجتمع الذي تحفظ عن التصويت له بحكمة وتروّ.
وقد أدى هذا التعامل “الإخواني” إلى ردات فعل معاكسة وعنيفة، بلغت حد تظاهر بعض نعرات المجتمع المصري الدينية والعرقية لأول مرة والمدفونة منذ قرون، فهذا يصيح “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”، وذاك يطالب باستقلال بعض المناطق، وآخر يتحدث عن شعب الدولة وشعب الإخوان، وغيرهم أبدى قلقا من زرع الهوة بين المصريين كمسلمين ومسيحيين، مسلمين ومتأسلمين… وهي كلها نعرات تهدد بضرب تماسك الشعب المصري واستقرار البلاد، بدل أن يكون الإسلام عامل قوة توحد الوجدان والهدف.
وصول إخوان مصر إلى السلطة بعد 80 سنة من النضالات والمعاناة، ومعهم مشروع الإسلام السياسي، أثار في المجتمع مخاوف جمة، انطلاقا من مخاوف تسييس الإسلام، انطلاقا من أن الإخوان هم جماعة من الجماعات الناشطة، وكما تصيب فقد تخطئ، وخطؤها عندئذ هو انحراف لمقاصد الإسلام وبمثابة ارتكاب خطيئة، ولعل هذا الذي دفع بالكثير من المواقع الفكرية والسياسية إلى رفض المادة المتعلقة باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا للتشريع في مصر، الواردة في مشروع الدستور الجديد، رغم أن المادة كانت موجودة من قبل، حيث ألحوا على ضرورة توضيح تطبيقاتها بالتفصيل حتى لا تترك الأمور تحت رحمة التأويل ونسج أحكام على المقاس.
وتنبع هذه المخاوف من مظاهر ممارسات الحكم في مصر من قبل الإخوان، وتشابك العلاقة بين الرئيس المنتخب من قبل الشعب، ومؤسسة الجماعة، وظاهرة اصطفاف الولاءات السياسية، حيث لم يستطع محمد مرسي الخروج من عباءة المرشد العام، رغم إعلان قطع التبعية الوظيفية بينهما، دون قطع حبل السرة، بما أن الرئيس المصري رئيس لمصر ولكل المصريين، بينما مؤسسة المرشد العام تخص كل من ينتمي إلى الجماعة في مصر أو في كل الدول العربية والإسلامية وغيرها، التي تمارس عليهم وصايتها بناء على ولاء فكري وعقدي انطلاقا من مجلس الشورى العام العالمي، شأنها في ذلك شأن نظام المرشد الأعلى في إيران، ما يجعل من قيادة الجماعة حكومة ظل فعلية أو علبة حكم سوداء، ومن مرسي الرئيس مجرد واجهة، ومن باقي قوى المجتمع ليس سوى رديف.