الرأي

احمل هاتفك.. ونعشك

إياك أن تعتبر ما قام به الصهاينة في لبنان، بتفجير الهواتف المحمولة واللاسلكية، وإسقاط قتلى وجرحى عن بُعد، انتصارا تكنولوجيا كاسحا حققه الغرب على الذين يستهلكون “العلم والتكونولوجيا” كما يستهلكون القمح القادم من كندا وأوكرانيا وفرنسا، فما حدث هو قمة النذالة والخيانة للإنسانية، التي ساهمت جميعا، كل حسب مقدرته، في بناء العلوم التي وصلنا إليها، ولكن الأشرار يزعمون دائما بأنهم أصحاب الابتكار وأصحاب الحق، فيعيثون في الدنيا فسادا وتفجيرا.
بإمكان الصينيين أن يدسّوا إشعاعات نووية وفيروسات غير مرئية، في الأرز الذي يسوّقونه للعالم، ومتفجرات في الأجهزة الحساسة التي يصدّرونها للقارات الخمس، وبإمكان الدول العربية والإسلامية أن تحوّل الغاز الذي تبيعه إلى مادة تصيب مستهلكيه من بلاد الغرب بالأوبئة والأمراض القاتلة، وبإمكان أي دولة أن تصيب جارتها في مقتل، عبر بضاعتها، كما يفعل تاجرٌ شرّير بزبونه، لكن الأمم والدول، تمسّكت بقليل من الأخلاق في تبادلاتها التجارية، من عصر سوق عكاظ إلى أكبر معرض تجاري في شنغهاي، وتركوا التفجيرات والخداع القاتل، لساحات الوغى فقط.
إلى غاية بداية شهر سبتمبر من سنة 2024 اتفق العالم على أن الصهاينة، ما تركوا خصلة منبوذة، إلا واقترفوها، في حربهم القذرة على أبناء غزة، فقد وصفوها بـ”الوجودية”، وجعلوها كذلك، سعيا منهم لمحو وجود الآخرين، فكانوا لا ينتهون من إجرام إلا وأتوا بما يفوقه دموية ووحشية، حتى أعجزوا الأنذال والحقيرين والخبيثين من بعدهم.
وما حدث في لبنان، يقدّم لمزيد من الخبث مستقبلا، لأن الذي اخترع الهاتف المحمول، ما كان يظن قطّ أنه اخترع قنبلة لا يقلُّ مفعولها عن “ديناميت” ألفريد نوبل، وهو العالم مارتن كوبر الذي عندما أجرى أول مكالمة هاتفية عبر المحمول لأول مرة في التاريخ، قال حينها إنّ بإمكان أي إنسان الآن أن يتصل بحبيب ليطمئن على صحته، وليخبره بأن البعيد عن العين، ليس بالضرورة بعيدا عن القلب.
ولحسن الحظ وسوئه أيضا، أن العالم مارتن كوبر مازال على قيد الحياة يجرّ سنواته الست والتسعين، كما يئن أبناء لبنان في المستشفيات، من اختراعه المتفجِّر.
وللأسف أيضا، أن مخترع الهاتف المحمول، مارتن كوبر الأوكراني الأصل، ولد سنة 1928 في شيكاغو الأمريكية، وهي المدينة التي انطلق منها أشهر مافيا في التاريخ، “آل كابوني”، فقتل “آل كبوني” مع سبق الإصرار والترصد، وقتل اختراع “مارتن كوبر” أيضا مع سبق إصرار وترصّد من نازيي العصر، بعد نصف قرن من أول مكالمة هاتفية بجهاز الهاتف المحمول.
ما غاب عن الصهاينة والأمريكان، أن المقاومة شربت من شعر المبدع الفلسطيني سميح القاسم، ومن رفاقه، وهم يغرّدون من دون هواتف:
“منتصبَ القامةِ أمشي.. مرفوع الهامة أمشي
في كفّي قصفة زيتونٍ.. وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي”.
و”نرتدي الأكفان حتى كل دنيانا تحرّر”.

مقالات ذات صلة