الشروق العربي
أصغر أسيرة في العالم تروي تجربة الاعتقال.. ملاك الخطيب

اخذوني من المدرسة الى السجن بأدواتي ومئزري

الشروق أونلاين
  • 8434
  • 0

لم تغفر طفولة “ملاك الخطيب” لها أمام جنود الاحتلال الاسرائيلي المدججين بالسلاح، ولم تتمكن أثناء غيابها عن المدرسة من اقناع قاض ارتدى ملابس العدالة ليخفي الذئب الذي أظهره حكمه ضد طفلة، معتمدا على شهادة الجنود، وتعاليم القتل التي كونت عقله.

 كما أن الحرية هي قدر فلسطين وشعبها، تنفست “ملاك” (14 عاما) عبيرها بعد شهرين تحت ظلام السجن، وكثيرا من الخوف في الليالي الباردة بعيدا عن حضن الأم ودفء حضور الأب، بعيدا عن الدرس والطريق الزراعي الجميل وألعاب الأشقاء في البيت البسيط بقرية بيتن شرق رام الله.

 يوم الجمعة 13 فبراير استقبل الأهل والكثير من الفلسطينيين مسؤولين ومواطنين، الطفلة ملاك التي خرجت من قبضة السجان الاسرائيلي موشحة بالكوفية، ليصبح السجن تعليما مكثفا للوطنية التي كانت لديها فطرة فأصبحت وعيا وتجربة.

ملاك ليست أول أطفال فلسطين الأسرى وليست آخرهم، بعد ما تركت خلف قضبان الأسر نحو (220) طفل موزع على سجون عدة، منها “هشارون” و”عوفر” و”مجدو”، ضمن ظروف حياة صعبة للغاية، إذ أن عددًا من الأسرى الأطفال في “عوفر” هم من الحالات المرضية، ولا يقدم لهم الاحتلال حتى الرعاية الصحية الأولية.

يقول الباحث في شئون الأسرى عبد الناصر فروانة، أن اعتقال “ملاك” لم يكن حالة استثنائية، وإنما يندرج في سياق سياسة ممنهجة تستهدف الطفولة الفلسطينية وتدمير مستقبلهم.

 وأوضح فروانة لـ”الشروق العربي” أن الاحتلال الإسرائيلي صعد من اعتقال الأطفال الفلسطينيين خلال السنوات الأربع الماضية باعتقال (3755) طفل، بمعدل يزيد عن (900) حالة سنويا، وهي أرقام خطيرة ومؤلمة، علاوة على ما يتعرض له الأطفال من تعذيب ومعاملة لا إنسانية وحرمان من أبسط حقوقهم الأساسية أثناء الاعتقال.

 وتعود قضية اعتقال أصغر أسيرة في العالم لشهر ديسمبر من العام المنصرم، عندما اعتقلها جنود الاحتلال وهي ترتدي ملابس المدرسة الخضراء عائدة إلى بيتها، ثم حكمت عليها محكمة “عوفر” العسكرية بالسجن الفعلي لمدة شهرين وغرامة مالية قدرها (6000) شيكل، أو ما يعادل (1500) دولار أمريكي.

 ويقول يوسف الخطيب والد ملاك وهو يتذكر يوم اعتقالها، أن طفلته ذهبت صباحا إلى المدرسة لتأدية اختبار اللغة الانجليزية، وأثناء عودتها اعتقلتها قوت الاحتلال بالقرب من طريق التفافي “مخصص ليهود المستوطنات”، حيث تبعد أقرب مستوطنة عن منزلها بنحو ثلاثة كيلومترات.

وتفاجأ حينها الوالد أن الاحتلال وجه لـ “ملاك” ثلاث تهم، وهي القاء الحجارة على دوريات الاحتلال وسيارات المستوطنين، وقطع طريق خاص بالمستوطنين،  وحيازة سكين ومحاولة طعن جندي، وعبر الوالد عن استغرابه من كل هذه التهم لطفلة في المرحلة المتوسطة ذهبت للامتحان، وتساءل: كيف يمكن أن تطعن جنديا مدربا ومدججا بالسلاح بأيديها الناعمة؟ وكيف يمكن أن تقطع طريقا سريعا، لا يخلو من دوريات الجيش؟

وأضاف الوالد أنه أثناء حديثه مع المحقق الاسرائيلي، ومحاولة دحض التهم، أصر الضابط على تهمه، ومنح العائلة دقيقتين لمقابلة الطفلة التي أكدت أنها لم تحمل سكينا ولم تلق الحجارة أو تقطع الطريق، لأن تركيزها كان منصبا على تأدية الاختبار.

وكانت المفاجأة هي صدور حكم باعتقال لمدة شهرين ومبلغ مقداره 1550 دولار، الأب القروي البسيط اعتبر الحكم وصمة عار على جبين حكومة الاحتلال، والقضاء الاسرائيلي العنصري الذي جعل من طفلته أصغر أسيرة في العالم.

وبين عشرات الزوار لتهنئة العائلة من أقارب وسياسيين وصحفيين، تحدثت “الشروق العربي” مع ملاك التي بدا عليها النضج المبكر والهدوء، ليتضح للجميع أن تجربة السجن مع مناضلات فلسطينيات كانت تدريبا مكثفا على ما لا يجيده الكثير من الكبار.

“ملاك” روت تجربة شاقة مع خمس جلسات تحقيق، استخدم خلالها ضباط الاحتلال التهديد والصراخ المتواصل ولوي الحقائق، وقالت أنها تحملت التجربة الصعبة بفضل الأسيرات ودعمهن.

وقالت أن اعتقالها كان بعنف وتقييد يديها وتغميض عينيها، ثم معاناة المعاملة مع جنود يملؤهم الحقد، واستخدموا ألفاظا نابية، واستغرقت أول جلسة تحقيق ساعتين، ثم تم توقيعها على ورق باللغة العبرية دون معرفة محتواها، وتم نقلها إلى سجن هشارون مع الأسيرات.

 وتقول ملاك أن أول أيامها كنت صعبة، تتذكر الأهل والمدرسة، وقسوة الاحتلال، الذي لا يميز بين الصغير والكبير، ثم تعرفت على طفلات أسيرات مثل ديما ويثرب وهالة، وأسيرات أكبر سنا، وانشغلت في الحياكة، وتصفيف الخرز والتطريز، وجلسات حوار مع الأسيرات عن تجاربهن، وذكريات المدرسة، وتشجيع بعضهن لبعض ورفع المعنويات المتبادل.

وأوضحت أن الاحتلال وضع معهم الكلاب أثناء نقلهن إلى المحكمة أو إلى سجن هشارون المخصص للأسيرات الفلسطينيات، ومعاملتهن بشكل فض فضلا عن ضرب الأسرى الشباب أمام أعينهن بشكل عنيف.

 وتدخلت الأم لتتحدث عن أوقات نقل ملاك إلى المحكمة باعتبارها كانت معاناة للأسرة وخصوصا لها كأم وهي ترى ابنتها أمامها في قفص السجان مقيدة الأيدي والأقدام بدون ملابس تقيها برد الشتاء، على حد قولها.

ملاك أصغر محررة أكدت أنها استفادت من تجربة السجن، حيث أصبحت أقوى وأن هدف الاحتلال إرغام الفلسطينيين على الصمت وعدم الدفاع عن حقوقهم.

وأوضحت ملاك أن الاحتلال أصبح لا يخيفها، بعد التجربة، وتمنت إنهاء الانقسام بين الفصائل، موضحة أن الوحدة التي رأتها في السجون بين الأسيرات يجب أن تكون بين كل القوى الفلسطينية لمواجهة الاحتلال.

 الأم التي حمدت الله كثيرا على عودة طفلتها إلى البيت، تمنت الحرية لكل الأسيرات، وأن تفرح أسرهن كما فرحت هي، واعتبرت أن الوقفة الكبيرة من المجتمع مع ملاك يجب أن تستمر حتى تحرير كل الأسرى والأسيرات.

توجهنا إلى أسامة الوحيدي مدير العلاقات العامة والإعلام في جمعية الأسرى والمحررين وسألناه عن عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فأجاب: “عددهم (20) أسيرة بعد أن أفرج الاحتلال مؤخرا عن الأسيرتين فداء الشيباني والطفلة ملاك الخطيب”.

وقال الوحيدي أن من بين الأسيرات 3 قاصرات دون سن (18عاما) و7 أسيرات محررات من بينهن 4 أسيرات أعاد الاحتلال اعتقالهن بعد الإفراج عنهن ضمن صفقة شاليط.

وأفاد الوحيدي أن عدد حالات الاعتقال التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال شهر يناير من العام الحالي على سبيل المثال بلغ نحو (369) حالة اعتقال، من بينها (40) حالة اعتقال لأطفال قاصرين تقل أعمارهم عن 18 عاما و(17) امرأة منهن11 من مدينة القدس، وهذا أمر يتكرر كل شهر تقريبا.

وذكر أن الأسيرات هن: لينا جربوني، منى قعدان، ، فداء سلمان، ديما سواحرة، دنيا واكد، نهيل أبو عيشة، فلسطين نجم، ، ياسمين شعبان، إحسان دبابسة، بشرى الطويل، وئام عصيدة، ثريا طه، شيرين عيساوي، سماهر زين الدين، هالة أبو سل، لينا خطاب، أمل طقاطقة، يثرب ريان، هنية ناصر، عائشة دعامسة.

بدوره اعتبر عيسى قراقع رئيس هيئة شؤون الأسرى أن سياسة اعتقال الأطفال تهدف إلى تحطيم الحصانة لأطفال فلسطين، ضمن منهجية رسمية تستهدف تدمير الأجيال الفلسطينية ومستقبلها وتدمير المجتمع الفلسطيني.

وقال قراقع أن اعتقال الطفلة ملاك فتح ملف الأسرى الأطفال الذين بلغت حالات الاعتقال في صفوفهم منذ عام 2000 أكثر من عشرة آلاف حالة، مما يخالف القوانين والمواثيق الدولية.


واعتبر أن ملاك كأصغر طفلة تقبع داخل السجون في العالم، تستنفر الآباء والأمهات والمسؤولين والقانون الدولي، وتستنفر العدالة الإنسانية العاجزة عن إطلاق سراح طفلة تشتاق أن تظل طفلة ولا تكبر بين القضبان والجدران.

 وأكد أن اعتقال ملاك شاهد على الممارسات والانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الأطفال منذ لحظة اعتقالهم، من ضرب وتنكيل وتعذيب وإهانات وتخويف وتهديد وانتزاع اعترافات منهم بالقوة، وهي شاهد على دولة تخشى الطفولة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة