الرأي

اخلعوا‮ ‬عصام‮ ‬الشوالي‮!‬

قادة بن عمار
  • 9405
  • 0

من أكثر الدعوات إثارة للغرابة، تلك التي أطلقها عدد كبير من رواد الفايبسوك ومنتديات الأنترنت لمطالبة المعلق الرياضي التونسي، عصام الشوالي، بتنفيذ وعده واعتزال مهمة التعليق الرياضي نهائيا، بعدما حلف بأغلظ الأيمان أنه سيعتزل وظيفته إذا ما سجل فريق دورتموند الألماني‮ ‬في‮ ‬شباك‮ ‬ملقا‮ ‬الإسباني‮ ‬وتأهل‮ ‬على‮ ‬حسابه‮ ‬إلى‮ ‬نصف‮ ‬نهائي‮ ‬أبطال‮ ‬أوروبا‮… ‬وطبعا‮ ‬سجل‮ ‬الألمان‮ ‬وانهار‮ ‬الإسبان،‮ ‬ولم‮ ‬يعتزل‮ ‬الشوالي‮ ‬ولا‮ ‬هم‮ ‬يحزنون‮!‬

مصدر الغرابة، أن العديد من الأصوات التي انطلقت في مواقع ومنتديات الأنترنت هي لشعوب عربية متهمة بأنها نائمة على طول الخط، ومشهود لها بالاستسلام لعهود مظلمة في الدكتاتورية والاستبداد، وبعضها انطلق في أوطانه ثورات عربية للمطالبة بالحرية والعدالة. صحيح، لكنها انتهت‮ ‬إلى‮ “‬لا‮ ‬شيء‮ ‬من‮ ‬وعود‮ ‬البناء‮ ‬الجديد‮” ‬بل‮ ‬إلى‮ ‬سيناريوهات‮ ‬مظلمة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬شعوب‮ ‬تحتاج‮ ‬إلى‮ ‬تدريب‮ ‬واسع‮ ‬على‮ ‬ممارسة‮ ‬الديمقراطية‮ ‬وضبط‮ ‬الأولويات‮ ‬وإعادة‮ ‬ترتيب‮ ‬الشعارات‮ ‬مرة‮ ‬أخرى‮!‬

 

أحيانا نقول: “لو” تعاملت هذه الشعوب بنفس الحماسة الرياضية الفياضة في مطالبة معلق مباراة كرة قدم بالاستقالة، لتوجّه ذلك الجهد نحو سياسي فاشل أو حاكم مستبد، أو حتى وزير خائن، لكانت بلداننا جميعا قد نظفت من أولئك العابثين بمصيرها والمتلاعبين بمستقبلها، لكن هيهات،‮ ‬فـ‮”‬لو‮” ‬لا‮ ‬مكان‮ ‬لها‮ ‬في‮ ‬قاموس‮ ‬العرب،‮ ‬بل‮ ‬ينظر‮ ‬البعض‮ ‬إليها‮ ‬بتشكيك‮ ‬مستمر،‮ ‬أليست‮ “‬لو‮” ‬تفتح‮ ‬عمل‮ ‬الشيطان‮!‬

يعني: هل بات معلق رياضي مهما كان حجمه أو أهميته بالنسبة إلى الشارع العربي أكثر أهمية من جميع أولئك المستبدين الجالسين على كراسي المسؤولية، والذين أعطونا بدلا من الوعد الواحد بالتخلي عن السلطة، عشرات بل مئات الوعود، لكن لم يتجسد منها حتى الآن أيّ وعد، مهما كان بسيطا، فما بالك بوعود ترك المسؤولية لمن هم أجدر بها أو أصغر عمرا لتسلمها من ذلك الجيل الذي لا يفارق المنصب، بعدما حكمنا لعقود باسم الشرعية التاريخية والثورية، وها هو اليوم يحكمنا باسم الخبرة الطويلة والحفاظ على نعمة الاستقرار!

الواقع أنه مثلما هذا المعلق الرياضي وغيره من ممارسي المهن المختلفة، لا يريدون ترك مناصبهم لغيرهم ولا يؤمنون حقا بالاستمرارية والتداول على السلطة، مهما كانت نوعية أو درجة تلك السلطة، فإن الجميع هنا يتعامل وفقا للمنطق العربي الأصيل: “من القصر إلى القبر”، أو كما‮ ‬يقول‮ ‬المثل‮ ‬الشعبي‮ ‬الجزائري‮:” ‬هنا‮ ‬يموت‮ ‬قاسي‮”!!‬

كان ملفتا للجميع أننا لا نستطيع تنفيذ وعودنا حتى ولو كانت تافهة وعابرة، في مباراة كرة قدم، كما أن العديد من الشعوب العربية التي تتعامل بحماسة زائدة حين يتعلق الأمر بأشياء لا وزن لها، على غرار المنافسات الرياضية، هي ذاتها الشعوب التي تحركت في الشوارع للثورة على أنظمة استبداد فاشية، لكن من دون قيادة، أو من دون رؤوس محددة، لتجد نفسها بعد ذلك في مواجهة مصير أسود، يهلل له البعض بالقول إنه أسوأ من سابقه، وبأن تلك الشعوب فرّطت في نعمة الاستقرار التي كانت تعيش تحت ظلالها، أو مثلما يتناقل البعض هنا وهنالك بنوع من الاستغباء والضحك على الذقون” “مستبدّ عادل أفضل من ديمقراطي ظالم”! وكأنّ هذه الشعوب لا يمكنها أن تحصل على حاكم ديمقراطي وعادل في الآن ذاته، حاكم يمكن محاسبته وخلعه وحتى سجنه لو اقتضت الضرورة، لكن هيهات، ذلك أن شعوبا لا تستطيع أن تخلع معلقا رياضيا لا يمكنها أن‮ ‬تصنع‮ ‬ديمقراطية‮ ‬نظيفة،‮ ‬وليس‮ ‬بوسعها‮ ‬أن‮ ‬تجعل‮ ‬من‮ ‬الكرامة‮ ‬خبزها‮ ‬اليومي‮ ‬بدلا‮ ‬من‮ ‬الجلد‮ ‬المنفوخ‮ ‬وأخبار‮ ‬الكرة‮!‬

مقالات ذات صلة