اخلع نعليك إنك بساح القدس
امسح عن الأرض غبار الغزاة واقبض بيمينك بعضا من ترابها قبله وامسح وجهك به، فلعله ينزاح عنك تعب السنين وشحوب الألم.. هي القدس يا صديقي فخبئ زيتك إنها تشرق بروحك مشتعلة عشقا أبديا وهي من يزيدها اضطراما.. هي القدس يا رفيقي في رحلة شد الرحال هل رأيت كم هي الرحلة مضنية ينفخ فيك أبوك آدم مهمته لإعمار الأرض وإفشاء السلام فيها وتصافح أنفاسك أنفاس الأنبياء والرسل والكرام وهي تجوب الأرض المباركة تزرع في كل زاوية منها أو على قمة كل جبل وفي سفوحه وأسطح هضابه منارات للهدى والنور لتكون هذه الأرض ما يليق بالتواصل مع السماء نبلا وسموا وطهارة.
امسح عن الجدران عفار البارود ورماد النابالم وارسم لوحة القوافل وهي تسير من يثرب تحمل سر الرسالة وخطوات أمير المؤمنين ابن الخطاب رضي الله عنه يطأطئ رأسه خضوعا لربه ويفرد عباءته يحمل فيها ما تراكم من أوساخ على الصخرة المشرفة ويقبلها هنا كانت قدما محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتعانق مع صخرة نزلت من الجنة ليصعد من هنا حيث العلا والمجد والسمو والارتقاء الأعظم..
يا صحابة رسول الله أفتوني ماذا افعل؟ هكذا قال ابن الخطاب في جمع نخبة الصحابة الذين أشاروا عليه بأنه لابد من السير بجيش جحفل يليق بالقدس ليستردها بقوة السلاح القدس العربية التي كانت من فجر التاريخ عربية ومحط رسالات السماء.. إلا أن ابن الخطاب شعر بحسه الداخلي أن هناك شيئا آخر يليق بالقدس فأشاح بوجهه عن رأي الصحابة الكرام والتفت إلى علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه: وماذا تقول يا علي؟ فرد عليه ابن أبي طالب: يا عمر اذهب أنت وفقط إلى القدس بلا حرب بل بما يليق بالقدس ارض السلام فهي ستفتح إليك أبوابها.. فأشرق وجه عمر وتهللت روحه وقال: إني فاعل بأمر الله ولئن سألني الله لم فعلت ذلك لأجيبنّه بذلك أشار علي ابن عم رسولك.. أجل إنها الخطوة المحبة وإنها الخطوة الفرح وإنها الخطوة الأساس لتأريخ رحلة صعود الأمة ومسيرتها العظيمة.
ماذا كان يقول ابن الخطاب وهو يسير راجلا في الوديان والصحراء والجبال يحث الخطى إلى بيت المقدس؟ ما هي مشاعره وبماذا كان يجيب نفسه عن أسئلته الملحة؟ بالتأكيد لم يغب عنه وجه حبيبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولذا كان أول فعل فعله تنظيف الصخرة ثم ما كان عليه إلا أن أرسل خلف بلال وطلب منه أن يرفع الأذان في بيت المقدس فكان صوت بلال استحضارا لرسول الله فبكى المسلمون شوقا لرسولهم وفرحا بالنصر العظيم ووصولهم لبوابة السماء.