الرأي

ادعموا‮ “‬أمّ‮ ‬الجمعيات‮”.. ‬فإنها الرأسمال الأخلاقي‮ ‬والقيمي‮ ‬للوطن‮ ‬

الشروق أونلاين
  • 1423
  • 7

جمعية العلماء هي‮ ‬الخيمة الكبيرة التي‮ ‬يمكن لها أن تستوعب كل الحساسيات والفصائل والتجمعات والتوجهات،‮ ‬في‮ ‬هذا الوطن المهدد بأخطار شتى،‮ ‬والذي‮ ‬تتربص به دوائر شر ومكر وفساد متعددة،‮ ‬في‮ ‬الداخل كما في‮ ‬الخارج‮. ‬وقد برهنت الجمعية على ذلك فيما مضى قديما،‮ ‬وبرهنت عليه في‮ ‬لقاءاتها ومؤتمراتها وفعالياتها في‮ ‬الوقت الحاضر؛ حيث جمعت الأشتات المتضادين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى الوسط‮ .. ‬رأينا ذلك في‮ ‬الاستجابة الواسعة لدعوتها لحضور جمعياتها العامة ـ المؤتمر ـ كما رأيناه،‮ ‬واضحا ناصعا،‮ ‬في‮ ‬حملاتها لمساعدة أبناء فلسطين المظلومين في‮ ‬غزة‮ (‬حملات التبرع لصالح‮ ‬غزة‮ ‬1،2،3‮…).. ‬ونراه في‮ ‬فعالياتها الفكرية الكثيرة والمتنوعة،‮ ‬في‮ ‬شعبها النشطة هنا وهناك في‮ ‬المدن الكبيرة كما في‮ ‬الجزائر العميقة؛ حيث‮ ‬يُقبل الأساتذة والباحثون والدعاة وأهل العلم والفضل،‮ ‬وهم من رؤى متعددة ومن ذوي‮ ‬القناعات المتنوعة؛ لكنهم‮ ‬يُجمعون قولا وفعلا أن العلاقة مع الجمعية والتعاون معها ثابت ومكون رئيس لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتطرق إليه الشك،‮ ‬وأنهم لا‮ ‬يترددون البتّة عندما‮ ‬يتعلق الأمر بالجمعية،‮ ‬في‮ ‬الوفاء بالالتزامات ومد‮ ‬يد التعاون والتناصح والإسهام بجد في‮ ‬أي‮ ‬نشاط أو حراك‮. ‬وبقدر ما‮ ‬يُبهج هذا الأمر ويثلج الصدر،‮ ‬فإنه‮ ‬يدعو إلى الاستفسار‮: ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬من حيث دلالاته؟

والجواب‮:‬

1‭ ‬ـ إنه‮ ‬يعني‮ ‬الاعتراف الصريح بأن الجمعية‮ “‬مكوّن جامع‮ ” ‬يستطيع أن‮ ‬يجمع المتباعدين فكرا ورؤية،‮ ‬فما بالك بالمتقاربين،‮ ‬ممن تجمعهم،‮ ‬أو‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تجمعهم‮ “‬الثوابت‮ ” ‬المعروفة‮.‬

2ـ إنه‮ ‬يعني‮ ‬أن الجمعية ذات مصداقية في‮ ‬أرض الواقع،‮ ‬ليس من حيث تاريخها الضارب في‮ ‬العمق والامتداد عقودا كثيرة فحسبُ،‮ ‬ولكن أيضا المصداقية التي‮ ‬رسمتها في‮ ‬أطوارها الجديدة،‮ ‬منذ أعيد بعثُها قبل أكثر من عشرين سنة‮.‬

3‭- ‬إنه‮ ‬يعني‮ ‬الثقة،‮ ‬والثقة كما‮ ‬يعرف الجميع عُملة نادرة،‮ ‬خاصة في‮ ‬الأزمنة المتأخرة؛ حيث أضرت السياسة بسمعة الكثير من الأحزاب والجمعيات والشخصيات‮. ‬والثقة تقود إلى القَبول والقَبول‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى الاهتمام والدعم‮. ‬وذلك هو المبتغى في‮ ‬النهاية لكل تجمع عامل ومنتظم دائب‮ ‬يشتغل لصناعة المستقبل وزرع الأمل والرجاء والخير والحق والجمال وباقي‮ ‬القيم الإنسانية الشامخة‮.‬

4‭-  ‬كما‮ ‬يعني‮ ‬أن الجمعية تحمل ـ على نحو ما ـ شرفَ‮ ‬هذا الوطن،‮ ‬وتمثل مبادئه المضيئة،‮ ‬وتعبر عن كونها‮ “‬ملتقى‮ ” ‬اجتماع وإجماع من قبل المكونات الرئيسة الفاعلة في‮ ‬الوطن‭.‬‮ ‬ومن ثم‮ ‬يمكن لها أن تكون فضاء تلاق وتواصل وحوار‮… ‬بين تلك المكونات في‮ ‬حالات عامة أو خاصة‮.‬

وما أكثر الحاجة في‮ ‬الوقت الحاضر إلى مثل هذا الإجماع في‮ ‬شؤون كثيرة،‮ ‬ومنها مشروع المجتمع الجزائري‮ ‬بملامحه الثوابتية وإشراقه التاريخي‮ ‬وانتمائه الإنساني‮ ‬الإسلامي‮ ‬الناصع الرائع‮.‬

5‭- ‬إنه‮ ‬يعني‮ ‬أن العمل الثقافي‮ ‬والفكري‮ ‬والمعنوي‮ ‬والأخلاقي‮ ‬لا‮ ‬يقل أهمية عن أي‮ ‬عمل بنائي،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك العمل السياسي،‮ ‬إن لم‮ ‬يكن العمل الثقافي‮ ‬أحرى بالاهتمام وأقدر على تبوأ مقام الصدارة‮. ‬وهذا ما تشتغل عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،‮ ‬بناء الإنسان وتربيته وإعداده للصلاح والخير والتقوى،‮ ‬أي‮ ‬إعداده ليكون مواطنا مستقيما شريفا كريما راشدا‮.‬

6ـ إنه‮ ‬يعني‮ ‬أن الجمعية قامت على أسس سليمة صحيحة سامية،‮ ‬بدليل أنها مازالت ـ على مدار أكثر من سبعين عاما،‮ ‬تمثل‮ “‬نقطة الضوء‮ ” ‬المشعة في‮ ‬فضاء الوطن،‮ ‬بالرغم من كل ما مر،‮ ‬وبالرغم من كل التشويه القبيح الذي‮ ‬حاول البعض إلحاقها به،‮ ‬وما‮ ‬يزال،‮ ‬ومن ذلك بعض الحصار‮ ‬غير المُعلن والمضايقة المستترة،‮ ‬فضلا عن الجهر بعدم الدعم من أكثر من جهة للأسف الشديد‮.‬

7‭ ‬ـ إنه‮ ‬يعني‮ ‬أيضا‮ .. ‬بل‮ ‬يؤكد أن الجمعية هي‮ “‬الخيمة‮ ” ‬الكبيرة الجامعة لأشتات الأفكار والعقول والرؤى في‮ ‬هذه البلاد،‮ ‬وفي‮ ‬الحق فإن هذا شيء‮ ‬يستوجب الاهتمام به،‮ ‬ويتيح لنا أن نتحدث بصراحة كبيرة عن الموقف السليم،‮ ‬من مختلف الأطراف،‮ ‬إزاء الجمعية‮.‬

‭* ‬تستحق هذه الجمعية أن تُعان بكل السبل على أداء واجباتها الوطنية الكبيرة الضخمة،‮ ‬وورشاتها المفتوحة في‮ ‬كل مجال؛ خاصة مجال التربية والتعليم،‮ ‬والصحة،‮ ‬والإعلام الراشد المستنير،‮ ‬والسياحة الشعبية،‮ ‬والاقتصاد الرسالي‮.‬

إن جميعة بهذا الثقل،‮ ‬وبهذا الألق،‮ ‬وبهذا الإجماع الصريح الواضح المنعقد حولها،‮ ‬فضلا عن تاريخها المشعّ‮ ‬بالفَخَار والكفاح الدائب المستمر لترسيخ هُوية هذا الوطن وتعميق مبادئه وثوابته‮.. ‬إن جمعية بذلك كله تستحق من الجميع أيضا‮:‬

أولا‮: ‬أن تُدعم على أوسع وكبر نطاق،‮ ‬وأن تيسر لها ولأبنائها وبناتها ومحبيها وأنصارها سبُل تفعيل الخير وتحقيق المراد الشريف من أعمالها وأنشطتها،‮ ‬في‮ ‬كل موقع وفي‮ ‬كل فضاء إنساني‮ ‬لا أن‮ ‬يُضيق عليها وتُغلق الأبواب في‮ ‬وجهها،‮ ‬لأسباب ـ مهما كانت ـ فهي‮ ‬أسباب واهية وضعيفة ومردودة الحُجة،‮ ‬بل إنها من بعض الأوجه‮ “‬جناية‮” ‬على الوطن وأخلاق الوطن ورأسمال الوطن‮.‬

ثانيا ـ ومن سبل الدعم التحاق أهل الخير من أصحاب العقول والأفكار،‮ ‬كما من أصحاب الفضل والمال‮ .. ‬بركبها الوضيء النقي‮ ‬وانخراط الجميع في‮ ‬البناء والتأسيس وصناعة الفضل والخير‮. ‬وأبواب الجمعية مفتوحة على الآخر،‮ ‬ولديها من حقول النشاط والعَمل النبيل ما‮ ‬يتسع للجميع في‮ ‬أي‮ ‬اختصاص أو ميدان‮. ‬فمرحبا‮ ..‬مرحبا بأهل الفكر والفعل والخير‮.‬

ثالثا ـ كما تستحق هذه الجمعية أن تُعان بكل السبل على أداء واجباتها الوطنية الكبيرة الضخمة،‮ ‬وورشاتها المفتوحة في‮ ‬كل مجال؛ خاصة مجال التربية والتعليم،‮ ‬والصحة،‮ ‬والإعلام الراشد المستنير،‮ ‬السياحة الشعبية،‮ ‬الاقتصاد الرسالي‮ ‬ممثلا في‮ “‬مركز ولجنة المشاريع الاقتصادية الرسالية‮” ‬التي‮ ‬أقامت حتى الآن نحو ثمانية ملتقيات جهوية،‮ ‬وتستعد لعقد الملتقى الوطني‮/ ‬الدولي‮ ‬في‮ ‬مجال المشاريع الرسالية في‮ ‬الأشهر القادمة بحول الله‮. ‬وهو نشاط متخصص،‮ ‬تسعى فيه لبيان موقف الإسلام العظيم في‮ ‬مجال النشاط الاقتصادي،‮ ‬والعمل على أخلَقَته وأنسنته قدر المستطاع،‮ ‬بعد أن تعمقت الأنانية والغش و”الهف‮” ‬في‮ ‬النشاط الاقتصادي‮ ‬الوطني‮ ‬بشكل مرعب،‮ ‬في‮ ‬الأزمنة المتأخرة‮.‬

‭* ‬الأصوب هو أن تُعان الجمعية من كل الأطراف ـ أقول كل الأطراف ـ ويسعى الجميع لدعمها وتقوية بنيانها،‮ ‬وييُسر لها أمر النشاط والعمل والاجتهاد،‮ ‬وتُفتح لها الأبواب؛ لأنها من الجميع،‮ ‬ولصالح الجميع،‮ ‬لصالح الوطن في‮ ‬أخلاقه،‮ ‬وأبنائه وبناته‮.‬

د ـ كما تستحق أيضا أن‮ ‬يتضامن معها الكل في‮ ‬كل ماتقوم به من حملات،‮ ‬وما تطرحه من برامج،‮ ‬وما تدعو إليه من أعمال وأنشطة‮: ‬كالحملة ضد الكلام البذيء الفاحش،‮ ‬والحملات والتظاهرات المختلفة لأخلَقة المجتمع،‮ ‬والعمل من أجل الرقي‮ ‬بمستوى منظوماتنا التعليمية التربوية،‮ ‬والسعي‮ ‬لإطلاق القنوات الإعلامية الدعوية الخيرية‮ ..‬الخ‮. ‬

إذن‮… ‬ادعموا الجمعية بكل ما‮ ‬يمكن من أجل أن تكون أقوى وأوسع وأفضل لاستيعاب الجميع،‮ ‬والمساهمة في‮ ‬قيادة سفينة الوطن معنويا؛ بأخلاقية ووطنية وإيمان واحتساب ووعي‮ ‬وجدية وصدق وإخلاص‮. ‬إن الأصوب هو أن تُعان الجمعية من كل الأطراف ـ أقول كل الأطراف ـ ويسعى الجميع لدعمها وتقوية بنيانها،‮ ‬وييُسر لها أمر النشاط والعمل والاجتهاد،‮ ‬وتُفتح لها الأبواب؛ لأنها من الجميع،‮ ‬ولصالح الجميع،‮ ‬لصالح الوطن في‮ ‬أخلاقه،‮ ‬وأبنائه وبناته،‮ ‬لصالح المستقبل النقي‮ ‬الواعد؛ ولأنها‮ ‬‭-‬‮ ‬باختصار‮ – ‬رأسمال الوطن أخلاقيا وقيميا‮.‬

Khelifa4@yahoo.fr

مقالات ذات صلة