-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إذا علمت المقاومة أنها ستسلّم سلاحها… لماذا خاضت الحرب؟‎!‎

بقلم: ياسين إعمران
  • 98
  • 0
إذا علمت المقاومة أنها ستسلّم سلاحها… لماذا خاضت الحرب؟‎!‎

إن أخطر ما يمكن أن يقع للمقاوم… للمجاهد… ليس أن يُنتزع سلاحه بل أن تُنتزع الكرامة من ‏قلوب شعبه وأمته… ويسكنها الوهن… حب الدنيا وكراهية الموت… حين يتحول العجز إلى ‏سياسة… والخذلان إلى حكمة… والهزيمة اتهاما لمن ظل يقاوم إلى آخر رمق‎!‎

إذا كانت المقاومة تعلم أنها ستسلم سلاحها، فلماذا خاضت الحرب منذ البداية؟‎!‎

هذا السؤال الذي يردده أصحاب الإفك… ضحايا تجريف الوعي… فمنذ عقود والمنظومات ‏التعليمية والإعلامية والسياسية لأنظمة الاستعمار بالوكالة تمارس تجريف الوعي للشعوب وتستثمر في ‏جهلها… طرحُ هذا السؤال لا ينمّ سوى عن جهل بتاريخ وطبيعة الصراع البشري… إن حركات ‏المقاومة لا تدخل المعارك وهي تحمل صكوك النصر… لقد جاهد الأمير عبد القادر الجزائري سبعة ‏عشر عاما ضد الفرنسيين أذاقهم فيها سوء العذاب… ثم تسبّب الخذلان في هزيمته واستسلامه… ‏وقامت الثورات الشعبية على امتداد قرن في الجزائر من دون أن تحقق الغاية الكبرى التي قامت لأجلها ‏وهي دحر المحتل الصليبي… ولكن كانت مسارا تراكميا سُنَنِيا انتهى إلى الثورة التحريرية المجيدة… ‏كان الجنرال جياب قائد المقاومة الفيتنامية يقول: “اجمع ألف انتصار صغير لتصنع نصرا كبيرا!”.

‏إن حركات المقاومة عبر التاريخ لم تدخل الحروب والمعارك لأنها ضمنت النصر بل لأنها كانت تدرك ‏أن الاستسلام قبل القتال هو عين الموت الذي ترومه قوى الطغيان، وأن الموت في طريق مقاومة ‏الظلم أشرف بكثير من حياة المذلة والمهانة تحت رحمة العدو… ولو كان ضمان النصر شرطا ‏للمقاومة لما قامت ثورة في تاريخ البشرية… ولو كان النصر معيارا وحيدا للبطولة لما بقي في التاريخ ‏بطلٌ واحد‎!‎

السؤال الحقيقي والأصح لا يكون عن سبب تسليم المقاومة سلاحها بل عمّن أوصلها ودفعها ‏واضطرها إلى هذا القرار المؤلم… من الذي كان يرقص في الحفلات بينما غزة تواجه أعنف وأشرس ‏حملة عسكرية عالمية؟!… من الذي اكتفى ببيانات الرفض والتنديد والشجب والخطب الرنانة ‏والمرافعات الفارغة؟!… من الذي صفّق لحكمة السيسي الذي ظلّ يُحكم غلق المعابر في وجوه ‏الفلسطينيين ليموتوا حصارا وقصفا وجوعا؟!… من الذي سارع لنجدة الكيان الصهيوني من الحصار ‏البحري بينما كان الفلسطينيون يموتون جوعا بين أحضان أمة ترقد على 70 بالمائة من نفط العالم؟‎!‎

لا يحق لأحد اليوم أن يدين المقاومة… لا يحق لأحد أن يحاسبها على قراراتها لأن الجميع ظل واقفا ‏بعيدا عن ساحة المعركة… لا يحق لنا التقييم ولا المراجعة فضلا عن المزايدة… لا لشيء سوى لأننا ‏فضّلنا أن نجلس على كراسي الجمهور المُشاهِد بدل أن نكون مع من يصنع التاريخ والحدث… ‏ظللنا نستمتع بفيديوهات المقاومة وهي تنكّل بآليات العدو وتعبث بها وتحوِّلها إلى أكوام من الحديد… ‏ظننا أن تلك المشاهد لن تنتهي وكذلك متعتنا بهذا “الأكشن” المثير… نسينا أو تناسينا أن تلك ‏المشاهد والملاحقات كانت تكلف آلاف الدولارات… نسينا أو تناسينا أن تلك القذائف كانت ‏تُطلق من قوت المجاهدين وشعبهم… نسينا أو تناسينا أنه بين التمرة والرصاصة لم يكن للمقاومة ‏رفاهية الاختيار… كل ما طلبه الراحل أبو إبراهيم من الإيرانيين كان 500 مليون دولار لتغيير وجه ‏الشرق الأوسط… فلم يستجيبوا له… هاهم جميعا اليوم يتكبدون مئات الملايير لإعادة الوضع ‏للحال التي كان عليها قبل 7 من أكتوبر‎!‎

إن المقاومة ليست بندقية… فالسلاح مجرد وسيلة‎… ‎والذي بدأ من الحجارة ووصل إلى صناعة ‏صواريخ عياش لا يُعجزه أن يصنع سلاحه مرة أخرى… والمقاومة ليست شخصا… فكم من شهيد ‏سقت دماؤه شجرة المقاومة فأثمرت آلاف المجاهدين والأبطال… تسليم السلاح ليس نهاية القضية ‏… ومن يقرأ التاريخ لن يصيبه اليأس… المقاومة فكرة… والأفكار والقناعات لا تُسلّم في ‏المعاهدات والاتفاقيات… ولا تصادَر في المعابر والحدود… ولا تدفَن تحت الركام والأنقاض‎!‎

لقد ظل الاحتلال يحارب صناعة الإنسان المقاوم أكثر مما حارب السلاح… تدخّل الأمريكان ‏ومعهم الأوروبيون لتغيير مناهج التعليم لتدجين الأجيال القادمة وتخنيثها… انتزعوا حتى الآيات ‏والأحاديث التي تتحدث عن الجهاد… أرادونا أمة منزوعة الكرامة تنافسهم في الحرص على حياة… أيّ حياة… ولو كانت كلها ذلا وهوانا… ظل الغرب الصهيوني يحارب المدرسة كما يحارب ‏الخندق… وظل يحارب الذاكرة كما يحارب المقاوم… وظل يشوه التاريخ كما يشوه الوجوه ‏والأجساد… لأن الغرب الصهيوني يعلم أنه إذا بقيت الفكرة عاد السلاح، ولكن إذا غابت الفكرة ‏فلن يصنع السلاحُ أمة‎!‎

والآن أراك تفكر في السؤال الصحيح: هل هُزمت المقاومة أم هُزمت الأمة التي خذلتها؟!… ولعل ‏السؤال الأخطر من هذا هو: كيف سيروي التاريخ هذه المعركة؟… إن التاريخ لن ‏يتحدث فقط عن أولئك الأبطال الأشاوس الذين ظلوا مقاومين حتى بالعصيّ، التاريخ سيتحدث ‏أيضا عن أمة آثرت الحياة الدنيا على الآخرة، وسيتحدث عن ذلك السائق الذي لم يكن يملك ‏سوى شاحنته ليقتل بها صهاينة مشاركا أمته همَّها، وسيتحدث عن ماهر الجازي الذي أطلق النار ‏على صهاينة في معبر الكرامة‎‎، وسيتحدث عن حفلات الساحل الشمالي وشرم الشيخ بينما ‏الفلسطينيون الذين يبعدون بضعة عشرات الكيلومترات كانوا يموتون جوعا على عتبات الحدود ‏المدنّسة… سيتحدث أن ترندا عربيا كان حول شوكولاطة دُبي بينما كان الفلسطيني يربط الحجارة ‏على بطنه، وسيتحدث عن حكّام عرب كانوا صهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم… سيتحدث ‏عن إعلام “عربي” صهيوني امتهن تشويه المقاومة ورجالها في عزِّ حربهم ضد تحالف صهيوني عالمي… ‏ومن سيقرأ هذا السياق لن يتوقف مطولا عند: لماذا سلّمت المقاومة سلاحها؟‎ …‎

المشهد قاسٍ لا محالة… ومرارة الألم طافحة… ولكن هذا لا يجعلنا نطمس الحقيقة… لن نسمح ‏بظلم أبطال المقاومة… غزة المحاصَرة والتي من الجنون أن نقارن قدراتها وإمكاناتها بقُدرات ‏ الكيان الصهيوني وإمكاناته، مع ذلك احتاج الكيان لأحدث الأسلحة الأمريكية ليمده بها البيت ‏الأبيض، واحتاج للدعم العسكري واللوجيستي الأوروبي، واحتاج للمرتزقة عبر العالم ليواجه غزة ‏المحاصَرة المنكوبة، هذا لتعلموا مدى ضعف هذا الكيان ومدى هواننا لأننا لا نحرِّك ساكنا تجاه نمر ‏من ورق… لقد وقف أهل غزة أمام أعتى وأبطش آلة حرب في العالم… وقفوا مثقلين بالخيانة ‏والخذلان والجوع والحصار… وقفوا بأبسط الوسائل وحققوا انتصارات ومرّغوا سمعة الميركافا وأخواتها ‏من آليات الجيش الصهيوني… وحولوها إلى هياكل محترقة يعبث بها الصبية والولدان… قاتلوا بأمعاء ‏خاوية… قاتلوا ولم يطلبوا مالا أو سلاحا أو تدخُّلَ جيوش… كل ما قالوه: اكفونا في أهالينا واتركوا ‏لنا العدو… لم يطلبوا مجدا ولا ثناءً ولا سلطة… كل ما أرادوه هو الدفاع عن مقدسات المسلمين ‏ورفع الضيم عن شعبهم وتحرير أرضهم… فأقلُّ الوفاء أن نخلّد ذكراهم، وأن لا نجعل دماءهم ‏موضوعا للسجال السياسي والنقاش المترف المنعَّم تحت المكيفات بينما شعبنا لا يزال يعاني في ‏الخيام، لقد كتبوا بدمائهم فصلا من فصول الفخر ومجد التاريخ، واستبسلوا إلى آخر رمق، وأثبتوا ‏أنهم أحبُّوا كرامة دينهم وشعبهم أكثر من حبهم للحياة‎!‎

حركات ‏المقاومة لا تدخل المعارك وهي تحمل صكوك النصر… لقد جاهد الأمير عبد القادر الجزائري سبعة ‏عشر عاما ضد الفرنسيين أذاقهم فيها سوء العذاب… ثم تسبّب الخذلان في هزيمته واستسلامه… ‏وقامت الثورات الشعبية على امتداد قرن في الجزائر من دون أن تحقق الغاية الكبرى التي قامت لأجلها ‏وهي دحر المحتل الصليبي… ولكن كانت مسارا تراكميا سُنَنِيا انتهى إلى الثورة التحريرية المجيدة… ‏كان الجنرال جياب قائد المقاومة الفيتنامية يقول: “اجمع ألف انتصار صغير لتصنع نصرا كبيرا!”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!