-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التديّن المغشوش في خدمة العلمانية والإلحاد!

سلطان بركاني
  • 62
  • 0
التديّن المغشوش في خدمة العلمانية والإلحاد!

قبل أكثر من ستة عقود، وفي معرض ردّه على بعض الكُتّاب الذين عتبوا على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تقصيرها في مواجهة الإلحاد، قال الشيخ محمّد البشير الإبراهيميّ -رحمه الله-: “وإنّك لا تبعد إذا قلت إن لفشوّ الخرافات وأضاليل الطّرق بين الأمّة أثرًا كبيرًا في فشو الإلحاد بين أبنائها المتعلّمين تعلمًا أوروبيًا، الجاهلين بحقائق دينهم. لأنّهم يحملون من الصِّغر فكرة أنّ هذه الأضاليل الطّرقية هي الدّين، وأنّ أهلها هم حملة الدّين، فإذا تقدّم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقًا وعدلًا، وأنكروا معها الدّين ظلمًا وجهلًا! وهذه إحدى جنايات الطرقية على الدين. أرأيت أنّ القضاء على الطّرقية قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه”.

لقد صدق الشيخ الإبراهيمي –طيّب الله ثراه- في الإشارة إلى دور التديّن الطرقيّ –وهو نسخة مشوّهة من التديّن الصّوفيّ الصحيح- في تعبيد الطّريق أمام الإلحاد، لأنّ هذا النّوع من التديّن كان مغرقا في الخرافات التي تحرّمها الشريعة السّمحة، وترفضها العقول السويّة، وتمجّها الفطر السليمة. وقد كان محلّ اهتمام ودعم الاستعمار، ليس لإعجابه به، بل لأنّه يحقّق له مبتغاه في إبعاد الشّباب الجديد عن التدّين الصّحيح الذي يربطهم بقضايا دينهم وأمّتهم ويحثّهم على معالي الأمور وينفّرهم من سفاسفها، ويُعلي في نفوسهم من شأن العلم النّافع، ويغرس فيهم قيم الحرية والعدالة والانعتاق من الاستعمار.

لم يلبث التديّن الطرقيّ أن فقد تأثيره وانفضّ عنه أكثر معتنقيه، لصالح صحوة إسلاميّة أعلت من شأن العلم وحاصرت الخرافة، وشقّت طريقها بين شباب الأمّة المتحمّس لاستعادة أمجاد الأمّة بعد تحرّرها من أغلال الاستعمار. لكنّ هذه الصّحوة ما لبثت أن تعرّضت هي الأخرى لمكر كُبّار سعى سعيا حثيثا لحرفها عن طريقها وجرّها إلى إعادة ترتيب أولوياتها؛ فبعد أن كانت قضايا الدّين الكبرى وهموم الأمّة التي يفرضها التحول العالمي، تتربّع على سلّم أولويات الصّحوة، صارت هوامش العقيدة الجدليّة وقضايا الفقه الصغيرة هي القضايا التي تشغل كثيرا من الشّباب المتديّن، حتى أمسى يوالي ويعادي عليها ويعلن لأجلها المعارك الضارية، وما لبث حتى صار ينظر إلى عوامّ المسلمين من علٍ ويحاكمهم بكلّ قسوة ويغرف لهم من أوصاف الاحتقار والازدراء ما يكفي لجعلهم طبقة أدنى من طبقة “المتديّنين الجدد”، بل قد طال كِبْر بعض الشّباب العلماء والدّعاة، وصار أسهل شيء عليه أن يصنّف عالما بين “الضّالين” ويحشر داعية في عداد “المحذّر منهم”!

المفارقة أنّ أكثر معتنقي هذا التديّن هم من أصحاب المستويات الدراسية المتواضعة، لكنّهم تعلّموا أنّ بعض مظاهر التديّن يمكن أن تبوّئهم مكانة تخوّل لهم الحكم على النّاس، وأنّ لقب “طالب العلم” يمكن أن يسوّغ لهم تصنيف من أفنوا أعمارهم في طلب العلم وفي الدّعوة والإصلاح!

لقد تفطّن الشّيخ محمّد الغزالي لخطر هذا النّوع من التديّن في بداياته، وخصّه بحظّ وافر من كتاباته، وحذّر من جناياته على الدّعوة والدّين والأمّة، وتفرّس فيه أنّه سيكون معولا لهدم الدّين في يد دعاة الشرّ في هذا العالم، وكان –رحمه الله- يقول: “انتشار الكفر في العالم، يحمل نصف أوزاره متديّنون بغّضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم”.

لم يلتفت كثير من العلماء والدّعاة إلى صيحة النذير التي أطلقها الشيخ محمّد الغزالي –رحمه الله- ولم يستشعروا الخطر الدّاهم، حتّى شاع استخدام مواقع التواصل، ووجد أتباع هذا التديّن ميدانا رحبا لإشاعة جهالاتهم، وصار النّاس يصبحون ويُمسون على منشورات ومقاطع صادمة لمتديّنين يطعنون طعونا لاذعة في دعاة الأمّة وعلمائها ومصلحيها الذين يقفون بكلّ قوة وثبات في وجه الباطل والظّلم والفساد والاستبداد، ويقارعون المذاهب المادية والإلحادية، فما أن يلمع نجم داعية في ميدان الردّ على العلمانية والإلحاد والتخلّف والفساد، حتّى يفاجأ النّاس بهؤلاء المتديّنين يوجّهون إليه سهامهم، في حملة يدلّ توقيتها وتزامنها على أنّ وراء الأكمة ما وراءها!

كما لم يتوانَ هذا الصّنف من المتديّنين في تقريع عامّة المسلمين بزلاّتهم ومحاكمتهم محاكمات غاية في القسوة لأجل أخطاء كان يمكن إصلاحها بالحكمة والموعظة الحسنة، ما ولّد نقمة عارمة لدى العامّة والخاصّة ممّا يفعله هؤلاء المتديّنون… وهو ما سعى دعاة الإلحاد والعلمانية والمذاهب الهدّامة في استغلاله والاستثمار فيه!

ويلحظ كلّ مهتمّ بقضايا الدّعوة على مواقع التواصل، أنّ هناك موجة علمانية إلحادية تمخر أوساط الشّباب الذين لا يملكون مناعة ضدّ الشّبهات التي سهّلت رواجَها في المواقع، في الآونة الأخيرة، أوساطٌ بعضها ظاهر وبعضها الآخر يحيك مكره من خلف السّتار، تستغلّ جهل أكثر الشّباب بحقائق دينهم، وتستثمر في الغفلة والجرأة التي يتسم بها كثير من الشّباب المتديّنين الذين اقتحموا غمار الدّعوة من دون أن يكون لهم الحدّ الأدنى من العلم والحكمة!

لقد اهتبل دعاة العلمانية والإلحاد الأخطاء الكثيرة التي يقع فيها المتديّنون المتحمّسون، ليشوّهوا صورة التديّن، بله صورة الدّين، ويُروّجوا بكلّ جرأة لدعوتهم القائمة على عزل الدّين ليس عن السياسة فقط، ولكن عن شؤون الحياة العامّة كلّها، وحصره في الشأن الخاصّ داخل البيوت وبين أسوار المساجد!

وهي الدّعوة التي بدأ ينساق لها الشّباب النّاقم على سلوك بعض المتديّنين، ويُخشى إن استمرّ الأمر على هذه الوتيرة، أن تصبح العلمانية المذهب المفضّل لشباب الجيل الجديد، ويجد الإلحاد سوقا رائجة بينهم!

لقد أصبح لزاما على الدّعاة أن يرجعوا ليكملوا مسيرة الشيخ الغزالي في محاصرة التديّن المغشوش، وأضحى لزاما على العقلاء والحكماء أن يبذلوا جهودا أكبر، لوأد الفتنة التي يذكيها بعض المتدينين، وينفخ فيها العلمـانيون؛ قبل أن يستحرّ الإلحـاد في شباب المسلمين!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!