-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر … واقتصاد الجالية

الجزائر … واقتصاد الجالية

مما لا شك فيه أن أكبر الأصول التي تملكها الجزائر خارج حدودها ليست حقولا ولا موانئ ولا مصانع، بل ملايين الجزائريين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم؛ علماء وأطباء ومهندسون ورجال أعمال ومستثمرون وتقنيون وطلبة وأصحاب شركات، يعيشون داخل اقتصادات عالمية متقدمة، ويتصلون بالجامعات ومراكز البحث والأسواق وسلاسل الإنتاج والتمويل، بحيث يمثلون رأسمالا بشريا وعلميا وماليا وشبكيا يتجاوز بكثير قيمة التحويلات التي تصل إلى الجزائر سنويا، لأن القيمة الحقيقية للجالية لا تكمن فقط فيما ترسله من أموال، وإنما أيضا فيما تمتلكه من معرفة وتكنولوجيا وعلاقات وأسواق وقدرة على الاستثمار وفتح الأبواب أمام الاقتصاد الوطني.

والقضية هنا ليست في حجم هذا الرصيد فقط، وإنما في قدرة الجزائر على تنظيمه وربطه باقتصادها وتحويل الانتشار الجغرافي لمواطنيها في العالم إلى امتداد عالمي لقوتها الاقتصادية، ومن هنا وجب أن نتساءل، لماذا لا يزال هذا الرصيد الوطني الضخم يعمل في معظمه خارج منظومة الاقتصاد الجزائري، وكيف يمكن تحويله من جالية منتشرة في العالم إلى شبكة عالمية تساهم في بناء مستقبل الجزائر؟

وفي هذا الشأن، تكفي مقارنة أولية لإظهار حجم الفجوة بين دخول بعض الجاليات والجالية الجزائرية، فقد حول الهنود المهاجرون ما يعادل ميزانية الجزائر خلال عام 2026 بحوالي 135 مليار دولار في عام 2025، بينما حول المصريون نحو 41.5 مليار دولار (ما يقارب صادرات الجزائر من المحروقات)، والمغاربة نحو 14 مليار دولار، بينما سجل البنك الدولي نحو 1.8 مليار دولار فقط من تحويلات الجالية في عام 2024، وهو رقم متواضع، مع الأخذ في الاعتبار أن الأرقام المتداولة بشأن حجم الجالية الجزائرية في الخارج غير دقيقة، إذ تتراوح التقديرات بين 5 و8 ملايين جزائري حول العالم، وهذا لا يعني ببساطة أن الجزائريين في الخارج أقل قدرة على دعم الاقتصاد الوطني، بل يطرح سؤالا أكبر يتعلق بالمنظومة البنيوية التي تربط الجالية بالاقتصاد الوطني، وبمدى توفير الهيئات المعنية للقنوات المالية المناسبة لاستيعاب التحويلات وتوجيهها نحو الاقتصاد الرسمي والاستثمار المنتج. وهل جعلت تحويل الأموال والاستثمار وتمويل المشاريع أكثر جاذبية وأقل كلفة؟ والأهم هل جرى إنشاء هيئات ديناميكية للاستفادة من الكفاءات الجزائرية في الخارج في كافة الميادين؟ وهل استطاعت تحويل الجالية من مجرد مصدر محتمل للتحويلات إلى شريك في الاستثمار ونقل التكنولوجيا والمعرفة وبناء شبكات الأعمال الدولية؟

 ومن هذا المبدأ، فان حديثنا عن اقتصاد الجالية لا ينبغي أن نختزله فقط في قيمة الأموال التي تدخل من الخارج، بل نود التأكيد على ضرورة بناء منظومة متكاملة كلية وشاملة تستثمر المال والكفاءة والمعرفة والشبكات والعلاقات والأسواق التي خبرتها الجالية الجزائرية في العالم وتمكنت منها، وقبل أن نتحدث أساسا عن المنظومة علينا أن نتساءل سؤال أكثر إلحاحا، هل تمتلك الجزائر أصلا منظومة مؤسسية متكاملة لاستيعاب جاليتها وحمايتها وربطها بالاقتصاد الوطني؟

في هذا الجانب تتجلى فجوات كثيرة ومتعددة، من بينها عدم ميل الجالية للتحويل عبر القنوات الرسمية والآمنة، بينما يتم تحويل أموالها عبر القنوات غير الرسمية التي تتضمن مخاطر متعددة نتيجة مشكلة سعر الصرف التي تجعل الاقتصاد الجزائري يعاني من ازدواجية أسعار الصرف، مما دفع غالبية المهاجرين إلى تحويل أموالهم عبر قنوات غير رسمية، مما جعلهم أكثر عرضة للاحتيال أو غسيل الأموال أو تمويل أنشطة غير مشروعة، ولا يتعلق الأمر هنا بالجالية وحدها، بل بظهور اقتصاد رقمي ومواز جديد ترتبط به بعض الأنشطة ومصادر التمويل التي يصعب تتبعها، بما في ذلك شبكة المؤثرين المهاجرين وأصحاب الثروات السريعة، مما يستدعي بناء منظومة شفافة لتتبع الأموال وحماية الجالية من الاحتيال وتمكينها من الاستثمار الرسمي كمسألة اقتصادية وأمنية ومالية في آن واحد، من خلال إيجاد حل نهائي لمشكلة الصرف، أو تقنين التحويلات المالية الفردية المتدفقة حاليا إلى السوق الموازية كحل أولي لإصلاح سوق الصرف ومراقبتها وتتبعها، مع ضرورة مراجعة سعر الصرف وأسعار السلع، لأن الاختلالات المرتبطة بهما من بين أهم التشوهات التي تعيق عمل اقتصاد السوق بشكل ديناميكي ومنتج.

غير أن القضية الجوهرية في هذا الشأن كذلك هي: هل لدينا أرقام دقيقة حول الجالية؟ فنحن بحاجة ملحة إلى قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة حول حجمها وتوزيعها الجغرافي والمهني، ومستويات تعليمها ودخلها ومجالات نشاطها واحتياجاتها ومشكلاتها، فضلا عن حصر رجال الأعمال وأصحاب المشاريع والكفاءات العلمية والتقنية المنتشرين في مختلف بقاع العالم. فالجالية التي لا نعرف حجمها وتركيبتها واحتياجاتها بدقة يصعب وضع سياسة عمومية فعالة تجاهها، وبالتالي ينبغي إنشاء منظومة إحصائية خاصة بالجالية واقتصادها، تقيس سنويا حجم التحويلات والاستثمارات والودائع والعقارات والشركات والتجارة والسياحة ونقل التكنولوجيا والمشاريع البحثية ومشاركة الكفاءات، وصولا إلى تطوير قاعدة بيانات ومؤشرات دقيقة لقياس مساهمة الجالية في الاقتصاد الوطني.

وبالتوازي مع ذلك، تحتاج الجزائر إلى سجل وطني اختياري وآمن للكفاءات والقدرات الجزائرية في الخارج، لا يهدف إلى الإحصاء فقط، وإنما إلى التعرف على الكفاءات وربطها بالمؤسسات والفرص والمشاريع الوطنية، ورسم خريطة لرأس المال الوطني المنتشر عالميا، ولا سيما في المجالات الاستراتيجية، ومن خلاله يمكن بلورة علاقة مؤسسية حديثة وديناميكية تحفظ للجالية ارتباطها بالوطن، وتمنحها قنوات رسمية للمشاركة والاستثمار ونقل المعرفة، وتحميها في الوقت نفسه من محاولات استغلال بعض حالات الانفصال عن واقع الوطن وتحدياته، ولا سيما خلال الأزمات الاجتماعية والجهوية والهوياتية، من قبل شبكات أو جماعات تسعى إلى توظيف الجالية في مشاريع سياسية أو انفصالية أو تخريبية، وتتمثل المقاربة في بناء علاقة ثقة وتكامل مؤسسية بين المهاجرين ووطنهم، تجعل الانتماء إلى الجزائر قيمة عملية وليست مجرد رابطة عاطفية، وفق القواعد والمبادئ المتعارف عليها دوليا.

بالمقابل، تحتاج الجزائر إلى مراجعة شاملة لفلسفة تعاملها مع الجالية، فعلاقتها بالوطن لا يجب أن تختزل في الدعم الاجتماعي أو الموسمي من خلال تخفيضات في تذاكر السفر وغيرها، وإنما تحتاج إلى سياسة دولة مستدامة من خلال وكالة متخصصة للجالية والمهاجرين تعالج مشكلاتها التقنية في دول المهجر، وتستوعب مصالحها الاقتصادية والعلمية والقانونية والاستثمارية والاستراتيجية، ولا يعني ذلك أن تخفيض تكلفة السفر غير مهم، خصوصا بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود، وإنما ينبغي ألا يتحول ذلك إلى جوهر سياسة الدولة تجاه ملايين الجزائريين المقيمين في الخارج، حيث تكشف الأرقام حجم الفارق الاقتصادي الذي يجب أخذه في الاعتبار؛ فقد بلغ نصيب الفرد الجزائري من الناتج المحلي الإجمالي في الجزائر نحو 6 ألاف دولار في 2025، مقابل نحو 49 ألف دولار في فرنسا التي تتواجد بها أغلب الجالية الوطنية بالخارج، ونحو 90 ألف دولار في الولايات المتحدة، أي أن نصيب الفرد من الناتج في فرنسا يزيد على ثمانية أضعاف المستوى الجزائري، وفي الولايات المتحدة يقارب خمسة عشر ضعفا.

وعليه فإن السؤال الأهم ليس فقط كم تبلغ نسبة التخفيض التي تمنح للجالية على تذكرة السفر في موسم معين، وإنما كم نخسر سنويا من الاستثمارات والتحويلات والشراكات العلمية والتكنولوجية والأسواق بسبب غياب منظومة فعالة للجالية؟ فالتخفيض الذي يوفر منفعة آنية للأسرة ينتهي بانتهاء الرحلة، بينما إنشاء قناة بنكية فعالة أو حماية استثمار أو تمويل مصنع، أو إنشاء شراكة علمية أو فتح سوق تصديرية أو تمويل طالب في تخصص استراتيجي ثم ربطه بمشروع وطني، يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية تمتد لسنوات وعقود، لذلك ينبغي أن تبقى التسهيلات الاجتماعية المتعلقة بالجالية أداة لتيسير علاقة الجالية بالوطن، لا بديلا عن سياسة اقتصادية متكاملة تجاهها، كما أن هذه السياسة تبدأ بإعادة بناء الثقة، فالمغترب لا يحتاج إلى خطاب عاطفي حتى يستثمر في الجزائر، وإنما يحتاج إلى أسس تنظيمية وقوانين واضحة، بحيث تكون الجالية جزءا من الإصلاح العام لبيئة الأعمال الكلية، لا أن تنشأ لها منظومة منفصلة تحاول معالجة آثار اختلالات البيئة الاقتصادية نفسها.

وهنا تبرز الحاجة إلى بنك أو مؤسسة مالية متخصصة في اقتصاد الجالية، لا ينبغي أن تكون مجرد بنك لتحويل الأموال، وإنما منصة مالية متكاملة تفتح حسابات لغير المقيمين، وخدمات تحويل وتمويل المشاريع والتمويل العقاري وإدارة الاستثمارات، وتمويل الشركات الناشئة وصناديق الاستثمار، والخدمات الاستشارية من مدخرات الجالية، وتربط مدخرات الجالية بالاقتصاد المنتج، بحيث تتحول إلى رأسمال يمول المصانع والمزارع والخدمات والتكنولوجيا والبنية التحتية والمؤسسات القابلة للتصدير.

وينبغي كذلك تشجيع الجالية على الاستثمار المنتج من خلال المشاريع الإنتاجية الصناعية والفلاحية والتصديرية، وربط برامج استثمار الجالية ببرامج إحلال الواردات وتنمية الصادرات الجارية حاليا، من خلال الاستثمار في الشبكات التي كونتها والخبرات التي راكمتها، من معرفة بالأسواق واللغات والقوانين والشركات وسلاسل التوريد العالمية والمؤسسات المالية والجامعات ومراكز البحث، وعليه فانه ينبغي التفكير في جدوى إنشاء رابطة رجال الأعمال الجزائريين المهاجرين في العالم، تربط رجال الأعمال والمستثمرين والكفاءات في الخارج بالمؤسسات الجزائرية، بحيث يصبح الجزائري في الخارج بوابة لسياسة الدولة في الأسواق الخارجية، وقوة انتاج محلية وشريكا في التفكير الاقتصادي والتصدير، ومساعدا في إدماج الشركات الجزائرية في الأسواق العالمية.

ولا يقل عن ذلك أهمية الاستيعاب السياحي والعقاري، فملايين الجزائريين المقيمين بالخارج تحدوهم رغبة في قضاء عطلات أفضل وأطول في الجزائر، وليس مجرد زيارة عابرة للأهل والأقارب، وهذا يتطلب تطوير مناطق عمرانية وسياحية موجهة جزئيا لهذه الفئة، بمواصفات حديثة وأسعار وآليات تمويل تنافسية، وربطها بالمطارات وشبكات النقل والخدمات، وتوفير منتجات عقارية عمومية وخاصة بجودة عالمية تكون آلية لجذب العملة الصعبة، بحيث يصبح شراء عقار أو إنشاء مشروع أو قضاء فترة طويلة في الجزائر قرارا اقتصاديا جذابا ومستداما، مريحا للمهاجرين ومفيدا للاقتصاد الوطني.

أما الجالية العلمية، فهي تمثل طبقة أخرى من رأس المال الاستراتيجي الذي لا يجوز اختزاله في فكرة العودة النهائية إلى الوطن هي وغيرها من الكفاءات، فالجزائر ليست بحاجة بالضرورة إلى إعادة جميع الباحثين والأساتذة والمهندسين إلى الداخل، وإنما تحتاج إلى بناء آليات تسمح لها بالاستفادة منهم أينما كانوا، بحيث يمكن إنشاء برنامج وطني للأساتذة والباحثين الجزائريين في الخارج يتيح لهم العمل كأساتذة زائرين، والإشراف المشترك على الدكتوراه، وتأسيس مختبرات مشتركة، والمشاركة في المشاريع البحثية، وتقييم البرامج الجامعية، وتقديم الاستشارات، وربط الجامعات الجزائرية بالمراكز العلمية الدولية، وتحويل نتائج البحث إلى شراكات ومشاريع اقتصادية. فقد يكون الباحث الجزائري الموجود في جامعة عالمية أكثر فائدة للجزائر وهو في موقعه الخارجي إذا كان قادرا على نقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء الشراكات العلمية، كما قد يكون المهندس الجزائري العامل في شركة صناعية عالمية أكثر فائدة للاقتصاد الجزائري إذا استطاع ربط مؤسسة جزائرية بسلسلة توريد دولية، ومن هنا يجب أن ننتقل من مفهوم استعادة الأشخاص إلى مفهوم استعادة المعرفة، ومن مقاربة عودة الكفاءات جغرافيا إلى ربط الكفاءات بالاقتصاد الوطني أينما كانت.

وينطبق المنطق نفسه على الهجرات العلمية، فالجزائر لا ينبغي أن تمنع أفضل طلبتها من الذهاب إلى أفضل جامعات العالم، وإنما ينبغي أن تدعم ذلك وتحول هذا المسار إلى سياسة استثمار في رأس المال البشري، عبر تشجيع دراسة التخصصات الاستراتيجية التي تحتاجها البلاد مستقبلا، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية والطيران وغيرها…، مع بناء قنوات مؤسسية تربط هؤلاء الطلبة بالمشاريع الوطنية وبالجامعات والشركات ومراكز البحث الجزائرية، وبذلك يمكن تحويل هجرة الكفاءات من ظاهرة ينظر إليها باعتبارها استنزافا لرأس المال البشري إلى دورة تراكمية للمعرفة والخبرة ، وعليه فإن المشكلة ليست دائما في أن يدرس أو يعمل الجزائري في الخارج، وإنما في أن ينقطع تماما عن المنظومة الوطنية، ولا تتحول قدراته التي راكمها علميا وعلميا إلى دافع لتقدم الجزائر.

وبالمقابل، وجب ربط الجالية الجزائرية بهويتها الوطنية بكل الآليات والسبل الممكنة، لأن ذوبانها الكامل عبر الأجيال في مجتمعات الإقامة يعني في النهاية فقدان الجزائر جزءا من رصيدها البشري والثقافي والاقتصادي، وتقليص قدرتها على التعويل على هذه الكتلة البشرية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم. وتقدم تجارب التهجير القسري للجزائريين، ومنها تجربة الجزائريين في كاليدونيا الجديدة، مؤشرات واضحة على خطورة الانقطاع التدريجي عن اللغة والتاريخ والذاكرة الجماعية؛ فكلما ابتعدت الأجيال عن مصادر هويتها الوطنية، أصبح ارتباطها بالجزائر أضعف، وأصبحت إعادة بناء هذا الارتباط أكثر صعوبة، ولذلك لا ينبغي النظر إلى الهوية باعتبارها مسألة ثقافية أو عاطفية فقط، وإنما باعتبارها أيضا رصيدا استراتيجيا يمكن أن يحافظ على الصلة بين الجزائر وأجيالها المنتشرة في الخارج.

وهنا ينبغي أن تتجاوز السياسة الجزائرية منطق المناسبات إلى بناء منظومة مستدامة لتكوين الأجيال الجديدة في اللغة العربية والأمازيغية، وتعريفها بتاريخ الجزائر وجغرافيتها وثقافتها وتراثها، وإتاحة برامج للتعليم الديني لمن يرغب فيها، إلى جانب المدارس الصيفية والجامعات والملتقيات الثقافية والزيارات المنظمة والبرامج الشبابية والرحلات التعليمية والتبادل الطلابي، بما يجعل معرفة الجزائر وتجربتها التاريخية والثقافية جزءا طبيعيا من تكوين أبناء الجالية، كما يمكن الاستفادة من التجارب الدولية التي حافظت فيها جماعات مهاجرة مختلفة على روابطها الثقافية واللغوية والاجتماعية عبر أجيال متعاقبة، من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية وشبكات الأعمال والجمعيات والبرامج الموجهة للشباب، دون أن يعني ذلك الانفصال عن مجتمعات الإقامة أو رفض الاندماج فيها.

ولا ينبغي أن تتوقف هذه السياسة عند الجيل الأول من المهاجرين، فالجيل الثاني والثالث والرابع يمثلون بدورهم رصيدا استراتيجيا ينبغي الحفاظ على صلته بالجزائر بطريقة حديثة وطوعية، فهؤلاء ولدوا ونشأوا في مجتمعات أخرى، وبعضهم يمتلك تعليما نوعيا وشبكات مهنية وعلمية وتجارية وثقافية واسعة، وقد يكون أكثر قدرة من الجيل الأول على الوصول إلى المؤسسات والأسواق ومراكز البحث والشركات في البلدان التي يعيش فيها، ولذلك تحتاج الجزائر إلى برامج جامعية وعلمية وتدريبية وريادية وسياحية وثقافية تستهدف هذه الأجيال، وتتيح لهم اكتشاف الجزائر والدراسة أو العمل فيها والاستثمار بها والمشاركة في البحث العلمي ونقل التكنولوجيا وبناء العلاقات المهنية معها، بحيث يتحول الارتباط بالجزائر من مجرد ذاكرة عائلية إلى علاقة حية ومتجددة ذات قيمة علمية واقتصادية وثقافية.

وعليه، فإن جزائر اليوم والغد، وهي تحاول تجديد مؤسساتها وتحقيق انتصارات بنيوية داخل منظومتها، بحاجة إلى أن تعتبر الجالية ليس فقط جزءا أصيلا من الشعب، أو فئة اجتماعية تحتاج إلى الدعم الاجتماعي، بل باعتبارها جزءا من الرأسمال الوطني المنتشر خارج الحدود الوطنية، وأداة لبناء تراكم استراتيجي يتزاوج فيه رأس المال المالي مع رأس المال العلمي والتكنولوجي والبشري، بما يعود بالنفع على الجالية ومستقبل الجزائر، من خلال ترابط القدرات وتشبيك العلاقات وتعزيز الممارسات التنظيمية والاستراتيجية، فنحن اليوم أمام تحولات عالمية حادة تستلزم منا تجنيد كافة قدراتنا لتحقيق تحول شامل في مستقبل الجزائر ومسار الشعب الجزائري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!