-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ملاحظات سوسيولوجية حول الازدواجية اللغوية في الجزائر!

جمال لعبيدي
  • 55
  • 0
ملاحظات سوسيولوجية حول الازدواجية اللغوية في الجزائر!
ح. م

أدّى الجدل الأخير حول تدريس اللغة الإنجليزية في المدرسة الجزائرية إلى إحياء الصراعات والمواجهات المزمنة حول المسألة اللغوية في الجزائر. وإن حدّة الطرح، والانفعالات بل وحتى العنف الذي يتم التعبير عنه أحياناً، تُظهر بوضوح أن هذه المسألة ما زالت تحتل مكانة معتبرة، بل ومركزية، في تطور الجزائر الراهن، وأنه لا ينبغي الاستهانة بها.

‏الأمة ليست كإنسان متعدد اللغات. والسبب في ذلك بسيط للغاية؛ إذ يجب التحدث بلغة واحدة لكي نفهم بعضنا البعض. ويجب أن نفهم بعضنا البعض لكي نعمل معاً، ونتبادل التجارة، ونعلم ونتعلم، ونتحاور، ونتناقش، ونتشارك، باختصار: لكي نعيش في مجتمع داخل أمة واحدة. وإذا كان هناك اثنتان أو أكثر في البلد نفسه، فمن الضروري أن تكون هناك واحدة منها هي التي تمثل، أو تصبح، صلة الوصل ولغة التواصل للأمة.

الفرد شيء، والمجتمع شيء آخر. والمجتمع ليس مجرد مجموع الأفراد. ومثلما أنه من الممكن والمفيد للفرد أن يعرف ويتحدث عدة لغات، فبالنسبة للمجتمع والأمة لا معنى لذلك، بل إنه يؤدي إلى الفوضى. وعلى هذا الخلط بين المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي لاستخدام اللغات، ارتكزت كل الدعاية المروّجة للفرنسية باعتبارها لغة شبه وطنية.

كنت أتحدث عن الفوضى، وفي هذا السياق يعود إلى ذكرياتي موقف معين؛ كان ذلك في مايو 2000، في مستهل فترة رئاسة الراحل عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله . كنت عضواً في لجنة إصلاح التعليم التي أنشأها. وكانت اللجنة، المؤلفة من عشرات الأشخاص، تضم أقلية صغيرة من “المعَرّبين” وأغلبية واسعة من “المفرَنْسين” كما كان يقال آنذاك، وهي تعبيرات مقيتة ورثناها عن الحقبة الاستعمارية وبقيت قيد الاستخدام. لقد كانت الفوضى عارمة: جزء يمثل الأقلية يتحدث باللغة العربية، والجزء الآخر الذي يمثل الأغلبية الساحقة يتحدث بالفرنسية. وكان أحد أعضاء اللجنة الجالسين بجانبي يقرأ كتاباً أثناء المداخلات باللغة العربية. وعندما عبّرت له عن دهشتي، أجابني قائلاً: “أنا لا أفهم”. وكان الجدل حول ترجمة الوثائق إلى العربية – والتي كانت بطبيعة الحال كلها بالفرنسية – يتجدد بلا توقف. أما بالنسبة للمداخلات الشفوية، فلم يكن هناك نظام ترجمة، لأن ذلك كان سيُعتبر اعترافاً بأننا لا نتحدث نفس اللغة على الرغم من أننا ننتمي إلى بلد واحد. كانت الأجواء سريالية تماماً. وتلك كانت اللجنة التي أُريد لها أن تصلح التعليم! لقد استقلتُ من اللجنة بعد أن وضّحت رفضي حضور مثل هذه المهزلة، وأنها تُجسّد بوضوح أن المسألة المركزية هي لغة التعليم، وهو الأمر الذي كانت اللجنة ترفض مواجهته وجهاً لوجه. ويُقال إن أعمال هذه اللجنة هي التي شكلت دليلاً لعمل وزارة التربية الوطنية بدءاً من عام 2014.

عند الخروج من المطار

من سمات البلد “المتخلف” أو النامي أنه يستخدم لغة أجنبية في علاقاته الداخلية: الاقتصادية، والتجارية، والإدارية، وحتى في المناسبات الرسميّة.

المسافر الأجنبي الذي يخرج من مطار بلد ما يدرك ذلك من النظرة الأولى: فإذا وُجدت، منذ الطريق الخارجي، لغتان (واحدة محلية والأخرى أوروبية) على اللوحات الإرشادية، واللافتات، والمباني العامة وغيرها، فمن الواضح أنها اللغة الاستعمارية؛ لأنه لو كان الهدف سياحياً، لكانت اللغة الثانية على اللوحات هي الإنجليزية، كما هو معتاد في كل أنحاء العالم. لا يوجد أي بلد متطور – حتى تلك الأكثر استقطاباً للسياحة – يتبنى لغة أجنبية غير وطنية بشكل منهجي في محيطه. إن الحجة القائلة بأن اللغة الأجنبية مخصصة للأجانب هي نفاق صريح، إذ إنها مخصصة في الواقع لأولئك المواطنين الذين أصبحت تلك اللغة لغتهم المعتادة في الاستعمال. والأمر المثير للفضول هو أن أولئك الذين ينظرون لضرورة معرفة “لغة أو عدة لغات”، قد لا يعرفون سوى لغة واحدة وتكون فوق ذلك أجنبية، ليصبحوا بذلك أحاديي اللغة بحكم الواقع، مع خطر ضياع طريقهم من دونها في عقر دارهم.

مواقف مضللة، وحالة من الارتباك، وأوضاع خطيرة على التماسك الوطني، تتمثل في حرب لغوية خفية قابلة للانفجار أو الاشتعال في أي لحظة.

وبات معلومًا، من خلال تجربة العقود الأخيرة من التمزقات الداخلية التي شهدتها العديد من الأمم، أن الصراعات الثقافية والهوياتية هي الأكثر فظاعة وخطورة. وإن القادة والمسؤولين القادرين على حماية أمتهم منها، والوقاية منها، وتجاوزها، سيحظون بفضل تاريخي عظيم.

الازدواجية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإعادة إنتاجها

ما يراه المسافر عند خروجه من المطار يحمل اسمًا واحدًا: الازدواجية. إنها مزدوجة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وتعود جذور هذه الازدواجية التاريخية إلى الاستعمار. فأينما هيمن الاستعمار، قام بتقسيم وفصل المجتمع إلى قطاعين: قطاع حديث بتقنياته وأساليب إنتاجه وتسييره وخدماته، وقطاع تقليدي محافظ سواء من حيث أساليب إنتاجه أو تكنولوجيته أو ثقافته، وذلك في مجالات الزراعة، والتجارة الصغرى، والحرف اليدوية أين عاش ونجا جميع السكان الأصليين. وعادةً ما يكون القطاع الحديث موجهاً ومستقطباً نحو القوة الاستعمارية، وقد يظل كذلك لفترة طويلة بعد الاستقلال.

من الاقتصاد، امتدت الازدواجية لتشمل كافة قطاعات النشاط الاجتماعي: التعليم والتربية، والفضاء الحضري، والنخب، والإدارة. لقد خلقت الازدواجية مجتمعين اثنين في الحقبة الاستعمارية. ولم ينجُ أي بلد في العالم من هذه الازدواجية – بدرجات متفاوتة – التي أوجدتها الهيمنة الغربية نظراً لطابعها العالمي. وهذا ما يفسر أنه في كل بلدان العالم، وحتى الأقوى منها، ما زال هناك حتى يومنا هذا تيار تغريبي متأثر بالغرب، بدرجة أو بأخرى من حيث التأثير أو التراجع، كما هو الحال مثلاً في الصين، وروسيا، والهند، وإيران والعديد من البلدان الآسيوية. ولا يمكن فهم الحرب الحالية في أوكرانيا بشكل كامل من دون وجود تيار تغريبي قوي داخل أوكرانيا.

مُجتمعان في أمة واحدة

لكن لنُعَد إلى الجزائر. تُعد اللغة هناك مؤشراً سوسيولوجياً جيداً لهذه الازدواجية. وهكذا، سيلاحظ مسافرنا طوال فترة إقامته في الجزائر ظاهرة غريبة ومذهلة في نفس الوقت: فكل شيء يبدو مزدوجاً تماماً كما هو الحال على اللوحات في بداية رحلته؛ فسيكتشف وجود جامعتين، إحداهما باللغة العربية والأخرى بالفرنسية، وصحافتين، إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية، وحتى أحزاب سياسية فرنكوفونية وأخرى عربية اللسان. وسيرى أيضاً أن الإدارات نفسها تختلف باختلاف اللغة المستخدمة فيها: الإدارة الشعبية والبلديات ومختلف الخدمات الأساسية تُسيَّر بالعربية، بينما تعمل الإدارة العليا للدولة ومؤسسات الشركات الاقتصادية الكبرى والخدمات المصرفية باللغة الفرنسية. وإذا كان سائحاً، فسيرى أن اللغة المستعملة تتغير أيضاً بحسب المكان؛ فالفرنسية ستكون غالباً هي اللغة السائدة في الأحياء الراقية، والمطاعم والفنادق الفخمة، بينما تكون العربية لغة الأحياء الشعبية وما يُعرف بـ “المطاعم الشعبية” أو الأكشاك البسيطة”. وسيلاحظ أن الحضور اللغوي العربي يزداد في البيئة المحيطة كلما توغل أكثر داخل البلاد.

كما سيلحظ وجود شفرة أو رمز دقيق وخفي في استخدام هاتين اللغتين. فإذا مكث طويلاً بما فيه الكفاية، سيتعلم – مثل الجزائريين تماماً – كيف يُميز مسبقاً ومع من يستخدم إحدى اللغتين، مستعيناً بألف إشارة صغيرة وخفية تظهر في المظهر الخارجي، والهيئة، واللباس، وأسلوب الاقتراب. فالمرء يعرف بالفطرة مع من يتحدث بالعربية ومع من يتحدث بالفرنسية، لمن يقول “بردون” في الطريق ولمن يقول “أسمح لي”، ولمن يقول “ميرسي” ولمن يقول “صحّة”. وسيحكي لك كبار السن أن الناس في العهد الاستعماري فصاعداً كانوا يغيرون لغتهم (فرنسية أم عربية) بناءً على السحنة أو ملامح الوجه أو غيرها من التفاصيل التي تفرق بين الجزائري والأوروبي. فهل يا ترى ما زال الأمر كذلك بأشكال أخرى؟

لذا، سيتكون لدى المسافر انطباع بوجود مجتمعين في بلد واحد .لا يخفي ذلك الا على الأعمى لكي لا يرى أن المسألة اللغوية تتغلغل في الحياة اليومية، والحياة النشطة، في كل مكان يذهب إليه. ومثل بقية الناس، سيتعلم كيف يبحر بلا توقف بين هذين القطاعين: أحدهما ذو نشاط حديث والآخر تقليدي. إنها رياضة ذهنية مستمرة، وهي التي تفسر الكثير من التوترات والصراعات في الحياة الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يتصرف الجميع وكأن شيئاً لم يكن. يا لها من جزائر مذهلة!

التخلف هو الازدواجية الاقتصادية والاجتماعية

التخلف هو الازدواجية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. وإذا استمرت هذه الازدواجية بدرجات متفاوتة، فإنها تعيد إنتاج أشد أشكال الهيمنة الاجتماعية خطورة، وحتى أشكال الإهانة التي لا تقتصر فقط على هيمنة طبقة على أخرى، بل تتعداها إلى هيمنة وطنية، أي هيمنة مجتمع على مجتمع آخر.

وتصبح المشكلة خطيرة وتتحول إلى قضية سياسية حين يُضفى على هذه الازدواجية شرعية غير مباشرة، ويُنظر إليها كمكسب أو ميزة إضافية، وذلك عبر فلسفة “الثناية المثرية”، تماماً كما يفعل دعاة الثنائية اللغوية المجتمعية الفرنسية-العربية في الجزائر.

لذلك، من الواضح أن المهمة الأولى للثورات الوطنية هي تجاوز هذه الازدواجية وتفكيكها، والارتقاء بها نحو تركيب اقتصادي واجتماعي جديد، لا تتصارع فيه الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل تتفاعل وتتكامل فيما بينها، وتتقدم جنباً إلى جنب نحو نفس مستوى التنمية والحداثة.

بما أن الازدواجية هي الخلاصة الفعلية للتخلف، فإن القضاء على هذه الازدواجية يُعد المؤشر المطلق للخروج من هذا التخلف الهيكلي، ولولوج عهد التنمية المستدامة والمكتفية ذاتياً.

في الجزائر، خفّت حدة الازدواجية الاقتصادية لا سيما بفضل التحديث التدريجي للقطاع الزراعي، وبنى التحتية للاتصالات، إلى جانب الجهد الهائل في قطاع السكن الذي شمل المدن والأرياف على حد سواء. ويُعد التمدّن الحاصل في البلاد والتراجع المذهل للفارق بين المدينة والريف مؤشراً جيداً على هذا التقدم، حيث يبرز في كل مكان نمط حياة متقارب أكثر فأكثر، مع تساوٍ في الوصول إلى نفس الخدمات في الحواسيب الكبرى والتجمعات العمرانية الأخرى، لا سيما في السنوات الأخيرة من خلال إخراج الأقاليم المسماة “مناطق الظل” (المناطق المحرومة) من عزلتها.

ومع ذلك، تظل الازدواجية الاقتصادية قائمة بشكل ملموس. ولها انعكاساتها على الصعيد الثقافي واللغوي عبر الزدواجي: اللغة الوطنية مقابل اللغة الفرنسية. هذه الازدواجية السوسيولغوية تخترق كافة القطاعات، وبالتالي تظل مؤشراً جيداً لمدى تفكك الازدواجية الموروثة عن الهيمنة الاستعمارية وتبعية البلد، وعليه مؤشراً على تقدمه نحو الحداثة والتنمية.

وإن لم نضع حداً نهائياً لها، فإن ازدواجية الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ستستمر في إعادة إنتاج نفسها تلقائياً ومن تلقاء ذاتها عبر تشغيلها العفوي. ولا حاجة للجوء إلى نظريات المؤامرة حول “حزب فرنسي” خفي لتفسير ذلك. كما لا داعي لتدخل “فرنسا المسكينة” التي لديها ما يكفيها من المشاكل لكي تتجنب هي نفسها الانزلاق في مسار التخلف. فبعد مرور أكثر من 60 عاماً على الاستقلال، من السهل جداً ترديد الخطاب المناهض للاستعمار القديم والتهرب من رؤية مسؤوليتنا الكاملة اليوم في هذا الشأن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!