-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما خلفيات فتح سفارة مغربية في القدس المحتلة الآن؟

حمدي يحظيه
  • 134
  • 0
ما خلفيات فتح سفارة مغربية في القدس المحتلة الآن؟
ح. م

يمكن أن يقول المخزن لمواطنيه المغبونين إنه لن يفتح سفارة في القدس، وإنما في تل أبيب، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فالسفارة المغربية ستُفتح في القدس، والسفير سيُعتمد في القدس وليس في تل أبيب. الأمر لم يعد بيد المغرب، وإنما بيد ترامب ونتنياهو منذ تم التوقيع على التطبيع سنة 2020م. قبل أن نقوم بقراءة لما وراء حدث فتح السفارات وتبادل السفراء بين الكيان الصهيوني والمغرب، ننطلق من طرح السؤال البديهي التالي: لماذا لم يفتح المغرب والكيان الصهيوني السفارات ويعينا السفراء غداة توقيع التطبيع بين البلدين سنة 2020م؟

في الحقيقة، وهذا لا يقبل أي نقاش، كانت رغبة ترامب ونتنياهو هي فتح السفارات وتبادل السفراء في نفس اليوم الذي حدث فيه توقيع التطبيع، لكن ذلك لم يحدث. هل تعرفون لماذا؟ لأن المغرب رفض في البداية فتح سفارة له في القدس المحتلة، واكتفى بما حققه من تدوينة ترامب التي اعترف له فيها بالحكم الذاتي.

في الحقيقة، لو كان المغرب قد قبل اقتراح ترامب ونتنياهو بترقية العلاقات إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء منذ اليوم الأول لتوقيع التطبيع، لكان بعض الشر أهون من بعض. كيف؟ في ذلك الوقت لم يكن الكيان الصهيوني قد قتل مائة ألف فلسطيني، ولم يكن قد دمر غزة بعد، ولم يكن قد قتل آلاف اللبنانيين ودمر جنوب لبنان. لكن لماذا رفض المغرب، غداة توقيع التطبيع، فتح سفارة للكيان في الرباط وسفارة للمغرب في القدس المحتلة؟ الجواب أن المغرب حاول أن يناور مع ترامب بهذه الطريقة: التطبيع مع الكيان الصهيوني مقابل اعتراف ترامب بالحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وفتح سفارة مغربية في القدس المحتلة مقابل فتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة.

ظن المغرب أنه “شاطر”، وأن دبلوماسيته واثقة مما تقوم به، وربط غداة التطبيع فتح سفارة له في القدس المحتلة بفتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة. لكن الحسابات المغربية لم تكن دقيقة. يبدو أن الأمريكيين طووا الملف ووضعوه في الأرشيف ونسوا ـ إلى حد الآن ـ قضية فتح قنصلية في مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة، مثلما نص على ذلك الاتفاق مع ترامب يوم توقيع التطبيع. وسبب عدم فتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة المحتلة راجع إلى أن مكاتب الدراسات الأمريكية، أثناء تقييمها لإمكانية الاستثمار في المدينة، لم تجد أي شيء صالح للاستثمار، وكل المؤشرات تؤكد أنها أوصت الإدارة الأمريكية بأنه لا داعي لفتح قنصلية في الداخلة المحتلة.

الآن يبدو أن اللعبة على الأرض قد فلتت من يد المغرب، وعقارب الساعة بدأت تُسرع عكس ما كان مخططًا له من طرف الرباط. لقد وجد المغرب نفسه رهينة لخطة لا يتحكم في تحريك خيوطها، ومرتبطة أساسًا بمزاج ترامب المتقلب. لقد وصل المغرب إلى مرحلة أصبح فيها مضطرًا إلى الخروج من هذا الوضع بسرعة، بأي ثمن، نظرًا للأسباب التالية: أولًا، يتلهف إلى أن يحسم ترامب قضية الصحراء لصالحه ـ المغرب ـ وإذا لم يحدث هذا فعلى الأقل يفتح له قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة؛ ثانيًا، يخشى المغرب أن يخسر ترامب الانتخابات النصفية قبل تحقيق هذا “الإنجاز”، لأنه يعرف أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية الحالي الداعم للحكم الذاتي في الصحراء الغربية مرتبط بترامب، وإذا غادر هذا الأخير السلطة فسيجد المغرب نفسه في وضع لا يُحسد عليه.

لقد لاحظنا، مؤخرًا، أن المغرب المأزوم قام بالكثير من المسرحيات اليائسة والبائسة لكسب ود ترامب، مثل تسمية طريق يصل إلى مدينة الداخلة باسمه، والهجوم على إسبانيا ـ عدوة ترامب ـ بالمهاجرين. مشكلة المغرب الآن أنه وقع في خطأ سوء قراءة المشهد منذ البداية. فإذا كان المغرب يعتقد أنه ذكي ويريد ترامب أن يحسم لصالحه قضية الصحراء الغربية في مجلس الأمن في أكتوبر القادم، قبل الانتخابات الأمريكية النصفية بأيام، فإن ترامب يفكر تفكيرًا مشابهًا، لكن بطريقة عكسية؛ يريد أن يحقق انتصارًا للكيان الصهيوني عبر بوابة المغرب بإرغامه على فتح سفارة في القدس المحتلة قبل الانتخابات النصفية الحرجة.

النتيجة أن ترامب حقق هدفه، وأرغم المغرب على قبول فتح سفارة للكيان في الرباط وفتح سفارة مغربية في القدس المحتلة بدون مقابل. وأكثر من ذلك، فإن التوقيع على بروتوكول فتح السفارات كان إهانة متعمدة من ترامب للمغرب؛ فالتوقيع لم يحضرْه لا ترامب ولا حتى وزير خارجيته، والقنصلية الأمريكية التي كان المغرب يريد مقايضتها بفتح سفارة له ـ المغرب ـ في الكيان الصهيوني لم تُفتح، ولم تُذكر في البيان الختامي. وسيفسر الفلسطينيون الآن هذه الخطوة المتهورة ـ فتح المغرب لسفارة في القدس ـ في هذا الوقت على أنها مكافأة لنتنياهو على قتل مائة ألف فلسطيني وجرح نصف مليون. كما أن فتح السفارة هو أيضًا إهانة للشعب المغربي الذي كان يتفاخر ويقول إن بلده لن ينزل إلى الحضيض في قضية التطبيع، ولن يفتح سفارة في الكيان الصهيوني مثلما فعلت بعض دول التطبيع.

تُرى على ماذا سيحصل المغرب من هذه الصفقة المهينة؟ لا شيء. قد يحاول الاتكاء على ترامب لعلّه يفرض في مجلس الأمن قرارًا مثل قرار العام الماضي (2797) الذي يذكر الحكم الذاتي، والذي انتهى بمجرد جفاف الحبر الذي كُتب به. في هذا الوقت، ليس ترامب بنفس القوة التي كان يتمتع بها في العام الماضي، وهو غارق في مستنقع إيران، وبدل أن ينجد حلفاءه، هو نفسه يبحث عمن ينجده.

إن مجلس الأمن في هذه الظروف تائه، وقد تجاوزته الأحداث، وقراراته لم تعد ذات تأثير أو معنى. مَهما فعل لا يستطيع مجلس الأمن حسم قضية الصحراء الغربية للمغرب حتى لو أصدر ألف قرار، وحتى لو ترأس الولايات المتحدة الأمريكية ألفَ رئيس يشبه ترامب. وإذا قمنا بقراءة رجعية لقرارات مجلس الأمن، نجد أن لا أحد يستمع إليها ولا أحد يعمل بها.

إن محاباة المغرب لترامب الآن جلبت له أكثر من فضيحة: واحدة فُرض عليه فيها أن يفتح سفارة، ضد إرادة شعبه، في القدس المحتلة بطريقة لا أخلاقية؛ والثانية أنه، بشن هجوم على إسبانيا باستخدام ملف الهجرة لمحاباة ترامب، خسر قضية سبتة إلى الأبد. فمن الآن فصاعدًا لن تبقى قضية سبتة ومليلية قضية مغربية إسبانية، بل أصبحت قضية مغربية أوروبية. لقد تكتلت أوروبا كلها ضد المغرب في هذه القضية وحسمتها لصالح إسبانيا إلى الأبد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!