“قنابل عنقودية في الساحل”.. بين الرواية والواقع
في دردشة هاتفية مع صديقي رابح بوكريش الأستاذ والروائي والصحفي والمدير السابق لدار للنشر، اخبرني بأنه نشر له روايتين في دار للنشر بالامارات العربية المتحدة، في 2025، ولكنه لم يتلقى أتعابه، وعندما تواصل مع دار النشر عبر البريد الرقمي، أصبحوا لا يردون على رسائله الرقمية. فقلت له وبكل عفوية هل مازلت تثق في أولئك الذين باعوا الملة؟ فصمت، ثم طلبت منه عناوين الروايتين، فأخبرني بعنوان الرواية الأولى : «قنابل عنقودية في الساحل الأفريقي». فقلت له هذه الرواية مهمة جدا وتربطنا بالواقع الآن، وسأكتب مقالة عنها.
لم تكن هذه الرواية “قنابل عنقودية في الساحل الإفريقي مجرد عمل قصصي يُعنى بمعاناة شعب أو مأساة شاب يدفعه اليأس إلى ركوب القوارب، بل كانت في جوهرها قراءة استباقية وتحذيرية لما تعيشه منطقة الساحل الأفريقي من مؤامرات تُحاك في الخفاء، وتُزرع فيها «قنابل عنقودية» — ليست من معدن البارود فقط، بل من الفقر والتهميش والتمويل الخارجي للعنف — تنفجر واحدة تلو الأخرى، وتُصيب المدنيين العزّل، وتُخلّف آثارها لأجيال كاملة.
ونحن في شهر سبتمبر 2026، وبعد أكثر من عام على صدور الرواية، نقف لنقارن بين ما تنبّأ به الكاتب رابح بوكريش في صفحات عمله، وبين ما وصلت إليه دول الساحل فعلياً بعد انطلاق الدور الجزائري الواسع في معالجة الأزمة. وهنا تتكشف المفارقة المذهلة: لم تكن الرواية خيالاً أدبياً بقدر ما كانت «خارطة طريق عكسية» — فما رسمه رابح بوكريش من ملامح الخلاص عبر إرادة إقليمية مستقلة وموحدة، هو بالذات ما شرعت الجزائر في تطبيقه على الأرض، في محاولة جريئة لتفكيك تلك القنابل قبل أن تُدمّر ما تبقى من استقرار المنطقة.
في هذه المقالة، نقرأ الرواية كوثيقة تحليلية، ونقارن رؤيتها بواقع الساحل حتى سبتمبر 2026، ونستكشف مدى تطابق ما حذّر منه الكاتب مع ما تحقّق فعلياً، وكيف أصبح الدور الجزائري هو الإجابة الوحيدة الممكنة على الأسئلة الكبرى التي طرحها في روايته.
أولاً: معنى «القنابل العنقودية» — قراءة في رؤية الكاتب
يفتتح رابح بوكريش عمله باستعارة قوية لا يُغفلها قارئ: عنوان الرواية ليس عنواناً عسكرياً حرفياً، بل هو استعارة شاملة لجميع أشكال التدمير الممنهج الذي تتعرض له منطقة الساحل. فالقنبلة العنقودية — كما يوضّح عبر سرد أحداثه — تُرمى من أعالٍ بعيدة، وتنفجر متتالية، وتشتت شظاياها على مساحات واسعة، وتترك مخلفات قاتلة في الأرض قد تنفجر بعد سنوات طويلة. هكذا هي الأزمات التي تُزرع في الساحل: تُرسلها أيدٍ خارجية، وتنفجر على أرض واحدة تلو الأخرى، وتُخلّف وراءها جوعاً وفقراً وتطرّفاً وتهجيراً لا ينتهي بزوال الانفجار بل يستمر لعقود.
يُفصّل الكاتب رابح بوكريش في سياق السرد ما هي هذه القنابل بالضبط: أولاًها وأخطرها تفكيك سلطة الدولة الوطنية؛ فحين تنهار الدولة وتتآكل مؤسساتها، تتحول المنطقة إلى فراغ يملؤه كل غازٍ. ثانيتها تمويل الجماعات المسلحة وتسليحها وتوظيفها كأدوات في صراع إقليمي ودولي؛ فهي لا تظهر من العدم، بل تُغذّى وتُوجّه وتُستخدم ثم تُرمى حين لا تعود تخدم الغرض. ثالثتها تعميق الفقر والبطالة والتهميش، وتفريغ المنطقة من شبابها؛ فحين يفقد الشباب الأمل، يصبحون وقوداً جاهزاً لأي مشروع تدميري. ورابعتها تمزيق النسيج الاجتماعي والقبلي وإذكاء النعرات الطائفية لتتعذّر معها أي محاولة للاتفاق أو الوحدة.
وفي قلب الرواية، تبرز شخصيتان تمثّلان وجهَي الأزمة: الجاسوس الذي يُرسله الخارج ليراقب ويُوجّه، فيكتشف تدريجياً أنه مجرد أداة في لعبة لا يعرف حدودها؛ والشاب الذي يُدفعه اليأس للهجرة فيصبح ضحية ثانية لما زُرع في أرضه. ومن خلالهما يطرح الكاتب سؤاله المحوري الذي لا تزال منطقة الساحل تبحث عن إجابة له حتى اليوم: «من المستفيد من بقاء الساحل في حالة انفجار دائم؟»
إجابة رابح بوكريش واضحة لا لبس فيها: الخارج لا يريد استقرار الساحل، لأن استقراره يعني خروجه من الوصاية واسترداده لقراره وثرواته. فالاضطراب هو الوسيلة، والسيطرة على الثروات والمواقع الاستراتيجية هي الغاية، والشعوب هي الضحية التي تدفع الثمن دائماً.
هذه الرؤية التي كتبها رابح بوكريش من قبل ونشرها في جوان 2025، لم تكن مجرد تخمينات أدبية؛ بل كانت تشخيصاً دقيقاً لما عاشته المنطقة طوال العقد الماضي، وهي نفسها التي شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه المقاربة الجزائرية في التعامل مع أزمة الساحل.
ثانياً: الدور الجزائري — الإجابة على ما حذّرت منه الرواية
مع بداية عام 2026، وتسارع وتيرة الأحداث في النيجر وبوركينا فاسو ومالي، برز الدور الجزائري كأكبر محاولة إقليمية مستقلة لكسر حلقة «القنابل المتفجرة» التي وصفها رابح بوكريش. ومن خلال مقارنة مباشرة بين ما جاء في الرواية وما قامت به الجزائر، يتضح مدى التطابق بين التشخيص والحل:
أولاً: رفض الحل العسكري الأجنبي كأساس لمعالجة الأزمة. لقد حذّر بوكريش مراراً من أن الوجود العسكري الخارجي في الساحل ليس حلاً بل هو جزء من المشكلة؛ فهو يُبرّر استمرار الاضطراب ويُعطّل أي فرصة للحل السياسي. وهذا بالذات ما انتهجته الجزائر؛ فمنذ بداية تدخلها، رفضت المراهنة على الحلول العسكرية، وطالبت بضرورة انسحاب القوات الأجنبية، واعتبرت أن وجودها يُعقّد الأزمة ولا يُحلّها. وبهذا كانت الجزائر تطبّق عملياً ما نصّت عليه الرواية: لا استقرار بوجود قوى خارجية تُبقي النار مشتعلة لتحقيق مصالحها.
ثانياً: التركيز على الحلول السياسية والمصالحات الداخلية. إذا كانت «القنابل» تُزرع عبر التفريق والتمزيق، فإن الحل — وفق رؤية الرواية — يكون عبر جمع الشمل وتوحيد الكلمة. وهنا برز الدور الجزائري في رعاية اتفاقات المصالحة والحوار بين حكومات دول الساحل والحركات المسلحة، وفي استضافة اجتماعات تجمع الفرقاء على طاولة واحدة بعيداً عن أي وصاية خارجية. لقد أدركت الجزائر ما أشار إليه رابح بوكريش: أن جذور الأزمة سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى، ولن تُحلّ بالطائرات والمدافع بل بمعالجة أسبابها العميقة ومنح الشعوب أملاً حقيقياً في المستقبل.
ثالثاً: دعم سيادة دول الساحل وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. من أبرز ما جاء في الرواية أن التدخلات الخارجية تُدمّر المنطقة بحجة «مساعدتها» و«حمايتها»، في حين هدفها الحقيقي هو سلبها قرارها وثرواتها. وعلى النقيض من ذلك، جاء الموقف الجزائري ليؤكد مبدأً أساسياً: احترام سيادة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وعدم التدخل في خيارات شعوبها، ورفض أي محاولة لعزلها أو فرض عقوبات عليها. وهنا تتجلى نقطة التقاء جوهرية: فالرواية تُعلي قيمة «القرار المستقل»، والجزائر هي من قدّمت نفسها كحاضنة لهذا القرار وليست كوصيّة عليه.
رابعاً: السعي لبناء منظومة أمنية واقتصادية إقليمية مستقلة. يُشير بوكريش في روايته إلى أن استمرار اعتماد دول الساحل على الخارج في أمنها وغذائها وقرارها هو الذي يجعلها عرضة للابتزاز والضغط المستمر. ومن هنا جاءت الجهود الجزائرية الرامية إلى بناء تحالف إقليمي يجمع دول الساحل والجزائر، وتوفير بدائل حقيقية في مجال الأمن والطاقة والتنمية، بحيث تتحرر المنطقة تدريجياً من التبعية التي تُبقيها ضعيفة وممزقة.
ثالثاً: حتى سبتمبر 2026 — ماذا تحقّق وماذا لا يزال قيد الانتظار؟
بعد مرور أقل من عام على انطلاق الدور الجزائري، وصولًا إلى شهر سبتمبر 2026، يمكننا أن نقارن بكل موضوعية بين ما توقّعته الرواية وما تحقّق فعلياً على الأرض:
في جانب النجاحات والتطابق مع الرؤية: لقد نجحت الجزائر في كسر العزلة عن دول الساحل، واستطاعت الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، ونجحت في رعاية اتفاقات هدنة ومصالحة أوقفت سفك الدماء في مناطق واسعة. كما نجحت في إيصال صوت دول الساحل إلى المحافل الدولية بصوت موحّد يُطالب باحترام سيادة المنطقة ووقف التدخلات الخارجية. كل ذلك يُثبت صحة التشخيص الذي قدّمه بوكريش: أن الحل لا يأتي من الخارج بل من الداخل، ولا يُفرض بل يُبنى عبر الحوار والمصالحة.
أما في جانب التحديات وما لا يزال عسيراً: فما زالت «القنابل المزروعة سابقاً» تنفجر من حين لآخر. فالجماعات المسلحة ما زالت تمتد وتنشط في مناطق نائية، والخلافات بين دول الساحل نفسها لم تختفِ تماماً، والتدخلات الخارجية لم تتوقف بل تغيّرت أشكالها وطرقها. وهنا تذكّرنا الرواية بتحذير هام لا يزال صالحاً حتى اليوم: «القنابل العنقودية حين تُزرع لا تُفكّك في يوم وليلة؛ ولن ينجح في تفكيكها من زرعها، بل فقط من قرّر انتزاع القرار من أيدي الغاصبين وتوحيد الجهود لاستئصال الداء من جذوره».
إن ما تحقّق حتى شهر سبتمبر 2026 يُعطينا أسباباً للأمل، لكنه لا يكفي وحده. فالرواية تُعلّمنا أن المعركة ليست مع جماعة مسلحة أو قوة عسكرية خارجية؛ بل هي مع «منطق الانهيار نفسه» — منطق الفقر والجهل والتبعية والانقسام. وهذا النوع من المعارك لا يُربح بقرار سياسي واحد أو باتفاقية تُوقّع مرة؛ بل يتطلب إرادة مستمرة وجهداً متواصلاً وجيلاً كاملاً يعي حقيقته ويدافع عن حقه.
ففي شهر سبتمبر 2026، نقرأ «قنابل عنقودية في الساحل الأفريقي» ليس كرواية منتهية الصلاحية، بل كوثيقة حيّة نرى فصولها تُكتب يوماً بعد يوم على أرض الواقع. لقد صدق الكاتب حين حذّر من أن الخارج لا يريد خيراً للساحل، وصدق حين رأى أن الحل لا يأتي إلا من أبناء المنطقة أنفسهم، وصدق حين راهن على وحدة الإرادة وتضامن الأشقاء كسبيل وحيد للخلاص.