-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر تعيد رسم خريطة الوطن العربي

الجزائر تعيد رسم خريطة الوطن العربي

       طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم تكن عبارة «مصر قلب الأمة العربية، والمشرق العربي جناحها الأيمن، والمغرب العربي جناحها الأيسر» مجرد وصف شعري أو خطابٍ رنّانٍ يتردد في المنابر. بل كانت تعبيراً دقيقاً عن واقع القوة وتوزّع الثقل الحضاري والسياسي والاستراتيجي في العالم العربي. فمصر، بموقعها المتوسط، وبثقلها البشري والحضاري، وبدورها التاريخي في النهضة والقيادة، كانت تُشكّل فعلاً النبض الذي إذا توقف توقف معه جسد الأمة بأسره.

فالمشرق العربي — من سوريا إلى فلسطين والأردن إلى العراق ثم جنوبا دول الخليج واليمن — كان الامتداد الطبيعي الذي يتكامل مع مصر ويشكّل معها عمقاً استراتيجياً لا يمكن اختراقه.

وفي الغرب، كان المغرب العربي — من ليبيا إلى تونس والجزائر والمغرب والصحراء الغربية  وموريتانيا — يشكّل الجناح الأيسر المكتمل، الموحّد في تاريخه وهويته ومصيره، بحيث إذا  تحرّك مع الجناح الآخر والقلب، حلّقت الأمة عالياً، وإذا ما توقّف أو انكسر، أصاب الجسد كله العطب والوهن.

هذه هي الخريطة التي ورثناها عن أجدادنا ورسّخها وعي أجيالنا: وحدة قلبٍ وأجنحة، تتكامل المصالح وتتوحّد الأهداف، فلا قوة للمشرق بدون القلب، ولا اكتمال للجسد بدون الجناح الغربي. ولقد ظلّ هذا التوازن قائماً رغم ما تعرّض له من نكبات واختلافات، إلى أن بدأ مشروع الهيمنة الخارجي ينسج خيوطه في الخفاء، عازماً على قلب المعادلة رأساً على عقب: تفريغ القلب الأصلي من قوته، ثم استبداله بعدوّ الأمة نفسه قلباً جديداً، وربط الجناحين به بدلاً من بمصر، وتفكيك ما تبقى من الجسد إلى دويلات ضعيفة متناحرة لا قرار لها ولا وزن.

1- مشروع القلب الجديد.. حين يُصبح العدوّ مركزاً للأمة

يقوم المشروع الجديد — الذي تتكشّف معالمه يوماً بعد يوم — على فكرة صادمة في جوهرها: إزاحة مصر عن موقع القلب، ووضْع الكيان الصهيوني بدلاً منه مركزاً تُدار من حوله المنطقة بأسرها. وليس هذا مجرد طموح أيديولوجي كما قد يُظنّ؛ بل هو مخطط عمليّ يُنفّذ خطوة بخطوة: تبدأ بتحييد مصر وإضعافها عبر الحصار الاقتصادي والضغوط المتعددة والمشاكل في عمقها الاستراتيجي، حتى تفقد قدرتها على القيادة وتصبح عاجزة عن أداء دورها التاريخي. وفي نفس الوقت، يُركّز الكيان الصهيوني جهده ليُقدّم نفسه كـ «نموذج متفوّق»: قوة تقنية وأمنية واقتصادية، تُربط الدول بها لا بمصر ولا ببعضها، بحيث يتحوّل الولاء تدريجياً من الأمة وتاريخها إلى العدوّ وكيانه.

وبدلاً من المشرق العربي الموحّد — الجناح الأيمن الأصلي — يجري العمل على تفكيكه وتدميره وتقسيمه، ثم ربط دول الخليج والشرق مباشرة بـ «القلب الجديد» عبر ما سُمّي «اتفاقيات إبراهام»، فكانت الإمارات أول من وُضعت في هذا الموقع: تُقدّم المال والمنافذ، وتُفتح أراضيها للوجود الأمني والتقني للكيان الصهيوني، وتُنسّق سياساتها في المنطقة وفقاً لما يُرتسم في تل أبيب لا في العواصم العربية. وهكذا أُريد للإمارات أن تكون «الجناح الأيمن» الجديد: لا تمدّه مصر ولا يربطه عمق عربي، بل ينبض مباشرة من الكيان الصهيوني ويتحرّك بتوجيهه.

وفي الغرب، بدلاً من وحدة المغرب العربي التي تُشكّل قوة لا يُستهان بها، جرى العمل على تفكيكها وعزل أجزائها، ثم ربط المملكة المغربية مباشرة بـ «القلب الجديد» أيضاً، ليكون «الجناح الأيسر» في المشروع الجديد: يُنسّق أمنياً واستخباراتياً، ويُوقّع صفقات الأسلحة والتقنية، ويُفتح مجاله أمام النفوذ، بينما يبتعد تدريجياً عن عمقه المغاربي والعربي — بل ويتناقض معه — حتى يُصبح امتداداً غربياً لهيمنة الكيان الصهيوني لا امتداداً لأمته وتاريخه.

وإلى جانب القلب والأجنحة، كان المخطط واضحاً: تُبقى بقية الدول العربية ضعيفة، ممزّقة، مشتتة، تُعاني من أزمات متواصلة لا تملك معها قراراً مستقلاً، فتُضطرّ كلّ واحدة منها على حدة إلى الارتماء في أحضان «القلب الجديد» طالبةً الأمن والحماية، وهكذا تكتمل الدائرة: الكيان هو المركز، والإمارات والمغرب ذراعاه، وسائر الدول العربية مفتتة ومقسمة وتابعة ضعيفة لا حول لها ولا قوة.

2- الجزائر.. المارد الذي فطِن مبكّراً

في خضم هذا المشروع الذي يمضي بسلاسة، ويبدو وكأنه لا رادّ له، برزت الجزائر كقوّة استثنائية لم تُخدَع بالمظاهر ولم تُغرّها الوعود. فبينما انجرف آخرون وراء «مكاسب اللحظة»، أدركت الجزائر مبكّراً أن ما يُراد رسمه على الخريطة ليس مجرد تحالفات أو علاقات طبيعية، بل هو سلخ للأمة عن هويتها وتاريخها ومصيرها، ومحاولة فرض هيمنة العدوّ على أرض الأمة كلّها تحت شعارات برّاقة زائفة.

لم تنتظر الجزائر حتى يكتمل المخطط ويُفرض واقعاً لا يمكن تغييره؛ بل بدأت تُحذّر وتُبادِر وتُبني تحالفات الوعي والمصلحة المشتركة. ولقد أدركت أن المعركة لن تُخاض دفعة واحدة؛ بل ستكون على مراحل، وفي ميادين متعددة. فكان أن اختارت أن تبدأ من حيث بدأ المشروع يتمدّد ويستفزّ: من الساحل الأفريقي. ذلك أن منطقة الساحل كانت تُعتبَر البوابة التي يأمل المحور المتكون من الدول الأربعة — الكيان الصهيوني والإمارات والمغرب وفرنسا — أن يدخلوا منها إلى عمق أفريقيا، فيُسيطروا على ثرواتها ومواقعها، ويُحكموا الطوق حول من يُعارضهم. وهناك، بالتحديد، حيث كان المخطط يكاد يُفلح، ظهرت الجزائر بكلّ ثقلها التاريخي والعسكري والاستراتيجي.

3- من الساحل.. بداية التفكيك

عندما تعرّضت دول الساحل لموجات الفوضى والقلاقل — وهي كما اتّضح لاحقاً بيئة مُهّدت ومُوّلت لخدمة أهداف خارجية — لم تتردّد الجزائر. فبدلاً من أن تترك شعوب المنطقة وحيدة في مواجهة المصير المظلم، تقدّمت بعرض مختلف تماماً: لا شروط، لا تبعية، لا تغيير في الموقف من القضايا الكبرى، لا تطبيع مع العدوّ، بل دعمٌ أخويّ ومساندةٌ صادقة بلا ثمن.

وكان الموقف اللافت حين قدّمت الجزائر لدولة النيجر — في مواجهة محاولات زعزعة استقرارها — مساعدات عسكرية نوعية مجانية: طائرات مقاتلة، وطائرات نقل وتزويد بالوقود، ومروحيات قتالية، كلّ ذلك دون مقابل ودون شروط. كانت رسالة قوية بكلّ معنى الكلمة: هناك بديل حقيقي عن المال المشروط والتبعية المذلّة؛ بديل يُعطيك سلاحك وسيادتك وكرامتك معاً.

في تلك اللحظة، انهارت حجّة دول المحور بأكملها. فدول الساحل التي كانت تُضغط ليختاروا بين «الفوضى» و«حماية المحور» — أي بين الموت والتبعية — اكتشفت أن ثالث طريق موجود: التحالف مع من يُحترم سيادتك ويُقدّم لك العون بلا ثمن. وهكذا توقّف المشروع في الساحل عند حدّه، وتجمّدت خطط المحور، وبدأت الموازين تتغير بسرعة: فالنيجر ومالي وبوركينا فاسو بدأت تتجه نحو التحالف مع الجزائر، ورفضت الارتهان لمن يبتاع ولاءها بثرواتها وسيادتها. وبذلك خسر المحور معقله الأول في الساحل، وتفكّكت أداة الفوضى التي كان يُديرها لفرض نفوذه.

ولم تقف الجزائر عند الساحل؛ بل كانت عينها على الميادين الأخرى التي يتحرّك فيها المشروع. ففي ليبيا، حيث كان المحور يراهن على تقسيم البلد والتحكّم بثرواته عبر وكلائه، بدأت المواقف تتغيّر تدريجياً، وتتّضح الرؤى أمام الليبيين، فازداد الوعي بأن ما يُعرض عليهم ليس حلاً بل استعماراً جديداً بأدوات حديثة. وفي الصحراء الغربية، حيث كان المحور يراهن على تثبيت «الجناح الأيسر» في موقعه وفرض الأمر الواقع، جاء الموقف الجزائري الراسخ والداعم لحقوق الشعب الصحراوي ليُقوّض الأساس الذي بُنيت عليه الرهانات، وليُظهر أن محاولة فرض النفوذ عبر التطبيع والتحالف مع العدوّ لن تُغيّر الحقائق ولن تُسكت الأصوات.

4- تقزيم الجناحين.. وعودة الخريطة الصحيحة

إن ما تقوم به الجزائر ليس مجرد ردّ فعلٍ على هنا أو هناك؛ بل هو عملية تصويب كبرى لمسار خاطئ حاول المشروع فرضه بالقوة والمال. فبقدر ما تقدّم الجزائر في الساحل وتتحرّك في ليبيا وتُثبّت موقفها في الصحراء الغربية، يتّضح يوماً بعد يوم أن «الجناحين الجديدين» اللذين حاول المحور تركيبهما هشّان للغاية، لأنهما مُصطنعان ومُفارقان لإرادة الشعوب وتاريخها.

فالجناح الأيمن — الإمارات — مهما امتلك من مال وتقنية، لا يملك العمق الشعبي والتاريخي ولا يملك الرجال الذين  كان يتمتّع بهم المشرق العربي الموحّد، وارتباطه بـ «القلب الجديد الكيان الصهيوني» مبنيّ على مصلحة آنية لا على إرادة شعبٍ ولا تاريخ مشترك. والجناح الأيسر — المغرب — مهما بذل من جهد لربط نفسه بالمشروع، يبقى محكوماً بانتمائه العميق لمحيطه المغاربي والعربي والإسلامي، وبأن رعايا الملك الأحرار لا يقبلوا أبداً أن يُصبحوا امتداداً لكيانٍ غاصبٍ يعلن صراحةً أن منطقتنا كلّها «أرضه». وهنا تكمن نقطة الضعف التي لا يمكن تجاوزها: لا يمكن بناء تحالفٍ دائمٍ على مخالفة إرادة الشعوب وحقائق التاريخ.

ولذلك، كلّما تقدّمت الجزائر بخطوة، تقلّص نفوذ دول المحور (الكيان الصهيوني المغرب الامارات وفرنسا) المحور وتضاءل حجم ما يُسمّى «جناحيه» حتى يعود كلّ منهما إلى حجمه الطبيعي الحقيقي: دولة تحترم حدودها وسيادتها وعلاقاتها مع  أشقائها،  لا ذراعين  تُحرّكهما تل أبيب لتوجيه المنطقة كيفما تشاء. ومع تقزيم المشروع وعودة التوازن، تتّضح الحقيقة التي حاولوا طمسها: مصر ستظلّ قلب العرب مهما ضُعّفت، والمشرق والمغرب سيظلّان جناحي الأمة متى ما اتّفقا وعادا إلى قلبهما. والمشروع الذي كاد يستولي على العالم العربي ويفتّته إلى دويلات، بدأ يتراجع ويتهاوى — ليس بسلاح الطائرات فقط، بل بوعيٍ أعمق وببديلٍ أسمى: أن الأمة لا تُقاد من عدوّها، ولا أمنها يُستمدّ من من يُعلن الحرب عليها.

5- الوعي يهزم المال والسلاح

إن ما كشفته الأحداث الأخيرة هو أن المشاريع الخارجية التي تُفرض على منطقتنا العربية بالمال والسلاح والتقنية، وإن بدت قوية ومُحكَمة، تظلّ عاجزة عن إلغاء حقائق التاريخ والجغرافيا والوجدان. لقد حاولوا استبدال القلب فجاءوا بعدوّ الأمة، وحاولوا تركيب أجنحة فصنعوها من ورق ومال، وحاولوا تفريق الجسد فوجدوا من يُوحّده ويُقيمه.

وهاهي الجزائر — بوقوفها في مقدّم الصفّ — تُقدّم للوطن العربي درساً بليغاً: السيادة لا تُباع ولا تُشترى، والأمن لا يُستمدّ من العدوّ مهما أعطى من مال وتقنية، والبديل الحقيقي للهيمنة ليس المقاومة بالكلام بل المبادرة بالعطاء بلا ثمن، وبناء تحالفات تقوم على الأخوّة والمصلحة المشتركة لا على التبعية والولاء المفروض.

لقد كاد المشروع أن يُفلح لولا أن «المارد الجزائري» استيقظ مبكّراً، ورأى ما لم يره غيره، وتحرّك في الوقت المناسب من المكان الصحيح. واليوم، ونحن نرى عجلة المشروع تُدحرج في الساحل وتتزعزع في ليبيا وتُواجه حائطاً صلباً في الصحراء الغربية، يتأكّد لنا ما كان يجب أن نعرفه دائماً: خريطة الأمة ليست ما يرسمه العدوّ على الورق؛ بل هي ما تنقشه إرادة الشعوب في وجدانها، ومهما طال الزمن وتغيّرت الموازين، ستظلّ مصر قلب العرب، والمشرق والمغرب جناحيها، والكيان الغاصب عدوّاً لا قلباً، والغريب طارئاً لا أصيلاً.

والمهمّة الآن لم تكتمل بعد؛ فما بدأته الجزائر يحتاج إلى أن تنضمّ إليه الشعوب والدول العربية الواعية من كلّ جانب، لتُستكمل مسيرة استعادة الخريطة الصحيحة، وتُعاد الأشياء إلى نصابها: القلب في مكانه، والأجنحة في مواقعها، والقرار بيد الأمة لا بيد عدوهّا ولا بيد من يُوالّيه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!