فيلم نازا : و شهد شاهد من أهلها
إن البيئة الفاسدة قد تنجب في بعض الأحيان من يصدع بالحق و يكشف الحقيقة التي استمات رؤوس الفساد في إخفائها حتى لا يفضح أمرهم و يحدث ذلك ثقبا في جدار إمبراطورية الفساد التي أقاموها على أشلاء المعذبين في الأرض الذين استسلموا لقدرهم و كتموا آهاتهم خوفا من بطش جلاديهم الذين يجدون لذة في تعذيبهم و إهانتهم و اغتيال إنسانيتهم. إن شمس الحقيقة تبزغ من وسط الركام بعدما ظن المجرمون كل الظنأنهم قد حجبوها عن الأنظار و بحجبها تبقى جرائمهم في طي الكتمان لا يحيط بعلمها إنس و لا جان .
إن نتنياهو و كاتس لا يشبههما في الفساد إلافرعون ذي الأوتاد الذي طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد ، إن ضحايا الإجرام الإسرائيلي في غزة منذ طوفان الأقصى يعدون بالآلاف ففي كل يوم جديد ضحايا جدد ينضمون إلى قافلة شهداء الحرية الذين سقطوا برصاص الجيش الأكثر أخلاقية كما تزعم قيادة أركان الكيان التي تدعي أنها لا تستهدف المدنيين و الأطفال و النساء الحوامل و أن سلاحها موجه حصرا لمن تصفهم بالميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون ،و هم في الحقيقة مقاومون أكرهوا غلى القتال فقاتلوا دفاعا عن أرضهم و عرضهم و أملاكهم التي لا يرعوي جيش الاحتلال الإسرائيلي عن استهدافها بطائرة مسيرة أو كمائن مدبرة ثم يذيع إعلامه الفاسد فيما بعد أن المستهدفين ” جماعة أشرار ” كانت تخطط لنسف عبوة أو للهجوم على تجمع للجنود. إن الدعاية الكاذبة و التضليل الإعلامي هما الوسيلتان اللتانتلجأ إليهما إسرائيل لتبرير أي أعمال قصف أو عنف ضد الفلسطينيين الذين تتههم إسرائيل بإثارة الشعب و بالعصيان و الخروج عن طاعة ولي الأمر ” أحفاد يهود خيبر”.
في مؤتمر البندقية بإيطاليا ، فاز الفيلم الوثائقي البريطاني ” نازا ” لمخرجيه ” يوفال أبراهام” و ” راحيل شور ” الذي حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الثالثة و الثمانين من مهرجان ” فينيسيا” السينمائي الدولي كأفضل فيلم وثائقي لعام 2025 . و يتناول الفيلم شهادات لجنود إسرائيليين قاموا بقتل فلسطنيين أو شاركوا في أعمال القتل التي تكتمت عليها قيادة أركان الكيان تحت ذريعة ما يسمى ” الرقابة العسكرية ” التي تدعي إسرائيل أن الهدف منها حماية معنويات الجنود و مقاومة التضليل الإعلامي في حين أن الهدف الحقيقي منها التكتم على الخسائر لوقف النزيف الذي يعاني منه جيش الاحتلال بعد عزوف كثرة كاثرة من الشباب الإسرائيلي عن الخدمة العسكرية منضمين إلى تيار ” الحريديم” الذي يرفض التجنيد و يصر على طريقة أسلافه في الاشتغال بالعبادة و
النأي عن السياسة.
صدمة “نازا” و غضب نتنياهو :
كانت لنتنياهو ردة فعل هستيرية حيال فيلم “نازا” ، متهما مخرجيه بالوقوع في شراك العدو و التسليم بالأكاذيب و الانضمام إلى طابور المشككين و وصف عمل المخرجين بأنه تحريض و أمر لا يطاق فحينما وجه إليه السؤال : هل سمعت عن الفيلم الجديد الذي يشوه سمعة جنود الجيش الإسرائيلي ؟ أجاب : ” أجل، لقد سمعت عنه و هو أمر صادم ، إننا نحارب التضليل العالمي المعادي للسامية ، لكن عندما يأتي هذا من داخلنا فهو أمر لا يحتمل على الإطلاق و هذا يبدأ بيائير غولان الذي يقول إننا نقتل الرضع كهواية ثم يستغل الأمر مع المدعية العامة العسكرية ، التي سربت مقطع فيديو مفبرك و كاذب يسيئ لسمعة جنود الجيش الإسرائيلي أمام العالم و الآن مخرجان إسرائيليان يصوران جنود الجيش كمجرمي حرب و يحظيان بالتصفيق في مهرجان البندقية ، هما مخرجان إسرائيليان عضوان في منظمة المخرجين و المخرجات التي كان رئيسها حتى قبل أسبوع قبل أن يعلن استقالته عضوا في حزب ” غادي آيزنكوت ” ، و لذلك أقول لآيزنكوت ألغ اتفاق فائض الأصوات مع حزب يائير غولان و أصدر إدانة شديدة و اطرد هذا الشاب من قائمتك”.
غضب نتنياهو غضبا شديدا و أصبح يهذي و يزبد و يربد و يقول كلاما يقوله بنيامين و يكذبه نتنياهو ، ما يراه نتنياهو “تضليلا إعلاميا ” هي الحقيقة الساطعة التي لا يمكن أن تحجبها الغيوم فالجيش الإسرائيلي الذي يدافع عنه نتنياهو هو الجيش الأسوأ سمعة في العالم ، الجيش الذي لا يحتكم إلى قوانين الحرب و شهيته للقتل كشهيته للطعام ، يقتل على الهوية و يشعر جنوده بلذة كبيرة و هم ينكلون بضحاياهم و يمزقون أحشاءهم و يفصلون رقابهم عن أجسادهم . أي سمعة لجيش الاحتلال الذي ينكل بالقتلى بعد قتلهم و يحتجز الموتى بعد موتهم و يرسل طائرات الاستطلاع للتجسس على غرف حفظ الجثث خوفا من أن تعود إلى الحياة؟ و أي سمعة لجيش يقتل المقعد و الضرير و يتسلى جنوده بجثث الأطفال ثم تسمي إسرائيل هذا عملا بطوليا يورثه فاعله رضى إيلوهيم و يكتبه في سجل الأوفياء لدولة إسرائيل ؟ و أي سمعة لجيش يقتل الصبي و يهرع للتبرير بأن ما حدث هو خطأ في التقدير و في تحديد هوية المستهدف ؟ و أي سمعة لجيش يتخذ جنوده من جثث القتلى أرائك في لحظة السهر و السمر و مجالس الخمر ؟ و أي سمعة لجيش لا يؤمن بالممنوع و يستهدف الجميع و يعتبر كل ما يتحرك على الأرض هدفا مشروعا؟ و أي سمعة لجيش يحقر جيش فرعون أفعاله الإجرامية إلى أفعاله و يحسده ملوك حمير برغم ما فعلوه من جرائم شنيعة يندى لها الجبين في حق أصحاب الخدود؟. إذا لم يكن جنود الاحتلال الصهيوني مجرمي حرب فمن مجرمو الحرب إذن ؟ ماذا يسمى القتل العشوائي و التنكيل بالقتلى و الأسرى و الأطفال الرضع و النساء الحوامل ؟ هذه جرائم حرب و لو كان هناك وصف آخر أكبر من ذلك لجاز في حق جيش نزعت منه الإنسانية و يتصرف بهمجية ؟. أي فبركة في فيلم “نازا” و هو عبارة عن شهادات مسجلة لجنود تم التأكد من صحتها قبل بثها؟. في عقيدة نتنياهو كل شيىء يخالف سياسته فهو فبركة إعلامية و كل عمل ينتقده فهو تضليل. إن نتنياهو معروف بهذا الأسلوب في الرد على خصومه و لذلك فليس مفاجئا ما يقوله فهو على استعداد أن يخالف الكون فيما أصبح معلوما من العلم بالضرورة كقانون الجاذبية و غيرها من القوانين الفيزيائية الذي لم يعد هناك جدل بشأنها.
فيلم “نازا” : عمل سينمائي معاد للسامية !!
توسع المتطرفون الإسرائيليون في مقولة ” معاداة السامية ” فمن يرفض سياسة الاستيطان فهو معادللسامية، و من يمارس حقه في النقد فهو معاد للسامية ن و من يفضح سياسة التهجير فهو معاد للسامية، و من يقوم بالدفاع عن حقه في الوجود فهو معاد للسامية. الآن جاء الدور على فيلم “نازا” الذي وصفه نتنياهو بأنه عمل معاد للسامية ،أي معاداة للسامية و مخرجاه إسرائيليان من نسل سام يشتركان مع نتنياهو في رابطة الدم ؟ لقد أصيب نتنياهو بعمى الألوان فأصبح يرى كل شيىء بمنظاره الأسود لأن له حساسية ضد الألوان الأخرى. عمل سنيمائي يصفه نتنياهو بأنه شكل من أشكال معاداة للسامية و هو العمل الذي حكمته لجان سنيمائية و شخصيات بارزة تحكتم إلى الأدبيات السنيمائية و تنبذ أي دعوة للتفرقة الإنسانية. هذه حقيقة يجمع عليها الكل إلا نتنياهو الذي يعتبر الكل مخطئين و هو المصيب . إن هذا المخلوق العجيب بحاجة إلى تكفل نفسي في مستشفى للأمراض العصبية المزمنة قبل أن تستفحل حالته و يتحول إلى ثور هائج يهاجم الكل كالذي نشاهده في ميادين صراع الثيران.
نتنياهو و هاجس يائير غولان !!
أعاد نتنياهو الحديث عن يائير غولان الذي فضح الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال في حق الأطفال، فنتنياهو يكذب يائير غولان و يتهمه بالتضليل و نحن نعلم من خلال اطلاعنا على ما كتبه يائير غولان بأن ما ذكره هذا الأخير ، يصدقه الواقع فكل المنظمات الإنسانية و الفنوات الإعلامية وثقت ذلك بالصوت و الصورة مما لا يدع مجالا للنكران أو القول بالبطلان. يائير غولان رائد متقاعد ، شغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة قبل أن ينتقل إلى ميدان السياسة و يتبنى النهج الديمقراطي في إصلاح السياسة الإسرائيلية التي تعرضت-كما يقول- إلى شرخ كبير في عهد بنيامين نتنياهو . يائير غولان إسرائيلي جتى النخاع و لكنه اعترف بأن ولاءه للدولة العبرية لا يعني إنكاره للحقيقة و لا يمنعه من التضامن مع ضحايا الآلة العسكرية الإسرائيلية، و من مواقفه معارضته للاستيطان حيث صرح بالحرف الواحد : ” سنتصدى للإرهاب اليهودي في الضفة الغربية ” . يائير غولان هو زعيم حزب ” الديمقراطيين ” الذي أصبح يزعج نتنياهو و حاشيته و خاصة عندما كتب عن جرائم جنود الاحتلال في غزة و خاصة قتل الأطفال حيث قال في هذا الصدد : ” إن الدولة العاقلة لا تشن حربا ضد العجزة و الأطفال ” و هو ما أثار حفيظة نتنياهو و لذلك ربط بينه و بين المخرجين الإسرائيليين لفيلم ” نازا”.
قصة عبد الله بن سلام تتكرر مع مخرجي فيلم “نازا”:
خلاصة قصة عبد الله بن سلام بن الحارث رضي الله عنه أنه كان يهوديا من ذرية النبي يوسف عليه السلام ، و أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم و أعلن إسلامه فخرج النبي صلى الله عليه و سلم على جمع من اليهود و سألهم : ما تقولون في عبد الله بن سلام ؟ فقالوا : خيرنا و ابن خيرنا ، فقال إن عبد الله بن سلام قد أسلم ، فقالوا : هو شرنا و ابن شرنا فاستحقوا بذلك وصف النبي صلى الله عليه و سلم لهم بأنهم قوم بهت. لقد تكررت قصة عبد الله بن سلام مع مخرجي فيلم “نازا” اللذين وصفهما نتنياهو بأشنع الأوصاف و اتهمهما بالتضليل و إشاعة الكذب ، فقط لأنهما قالا الحقيقة و رفضا التستر عن الجريمة فلو أنهما قالا ما يرضي نتنياهو لدعا لتمجيدهما و تكريمهما و لأوصى بمنحهما وسام الشرف الرئاسي الذي يقلده رئيس الكيان لمن يقدم خدمة جليلة لإسرائيل في مختلف المجالات. ذنب مخرجي فيلم “نازا” أنهما انحازا إلى الحقيقة و فضلا الإنسانية على الانسياق في رحاب الهمجية و العنصرية.
فيلم “نازا” انتصار معنوي للفلسطينيين من بوابة السينما:
هناك أشكال كثيرة من أشكال الدعم للفلسطينيين ، تأتي من الحكومات و الجمعيات الحقوقية و الإنسانية ، كما تأتي من المثقفين و السينمائيين الذين يمنعهم ضميرهم المهني من الانحياز لغير الحقيقة و من التستر على الجريمة ، و في هذا الصدد نعتبر أن مخرجات مؤتمر البندقية السينمائي يمثل انتصارا معنويا للفلسطينيين يضاف إلى الانتصارات الدبلوماسية و السياسية و غيرها التي حققها الفلسطينيون بعد السابع من أكتوبر. إن شهادة السينمائيين المجتمعين في مؤتمر فيينيسا تعين على التعريف بمعاناة الفلسطينيين و على كشف جرائم الاحتلال الصهيوني و هي خطوة مهمة بالنظر إلى المكانة الفنية و الثقافية العالمية التي يحتلها مؤتمر فينيسبا.