دويلة المماليك
منذ أكثر من عشرين سنة، كانت الإمارات قد بدأت في لعب دورها الوظيفي في الخليج والشرق الأوسط كإمارة غنية بالنفط، قليلة الشعب، كثيرة الأجانب العاملين عليها ولها. بدأت، وبتعهد أمريكي بتأسيس مراكز بحث جيوسياسية، كان أساسها الحركات الدينية الإسلامية في العالم الإسلامي، ودورها في إحداث التغيرات في بلدان العالم العربي والإسلامي. وظف عشرات الباحثين في مجالات عدة ومنها علم الاجتماع، لاسيما المختصين في أنشط الشباب والجماعات الدينية الإسلامية وأشكال التغير، كان من بينهم جزائريون ومن كل بلد عربي وإسلامي.
ركزت مراكز البحث، التي كانت تحت إمرة وزارة الدفاع الإماراتية وبإشراف شبه كلي على برامج البحث واستراتيجيته، من وزارة الدفاع الأمريكية نفسها، ركزت في البداية على باحثين يتقنون الإنجليزية من خريجي بريطانيا والولايات المتحدة، وبدأت المشاريع في جمع أكبر “ذخيرة” علمية عن الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي. الهدف الأول، كان معرفة إمكانية الاعتماد عليها في جر العالم العربي إلى “ربيع عربي” و”بربري”، بالاعتماد على وتنظيم هذه الجماعات وقدرتها على التغيير، فكانت تلك الأحداث التي عرفتها جل الدول العربية والإسلامية، حتى صار أمر التحكم فيها، كما أريد من مفكريها، أمرا غير ممكن بل وخطيرا، والدليل، ما حدث مع “داعش” في سوريا والعراق وباقي الدول، وصولا إلى حدودنا الجنوبية.
كان على الإمارة، وباقي دول الخليج بشكل أقل، بعد أحداث غزة وتفاعلاته مع لبنان وإيران واليمن أن تجمع قواها المالية والتجسسية بالتواطؤ مع الكيان الغاصب، وبالطبع كان هذا بترتيب أمريكي مسبق وتنسيق على أعلى المستويات. ذلك أن الحركات الإسلامية “الثورية” والجهادية، لم يكن بالإمكان التحكم فيها دون خطورة، فاحتواؤها واقعي جدا، لكن احتمالات تسرب شظايا مجاميع إيديولوجية متشددة من الكنترول، أمر عادي وممكن. هذا ما حصل، وهو ما دفع استخبارات الإمارات، التي كانت منذ نصف قرن تشتعل تحت يافطة “مراكز بحث” مع الكيان ومخابرات الولايات المتحدة، تغير دفة الاستهداف، وتبدأ في حملة مطاردة “الساحرات” بعد أن خرجن من قمقم المردة. لقد اتضح جليا بعد “طوفان الأقصى” أن الإسلام الراديكالي، كان سيكتسح كل دول الخليج وباقي الدول العربية والإسلامية، لاسيما وأن دعمها كان قويا، ليس من الخارج فحسب، بل على المستوى التنظيمي والتعبوي، الذي كان يحدث منذ سنين طويلة ضمن تنظيمات خرجت كلها من تحت عباءة “الإخوان المسلمين”، حتى إن الإخوان صاروا في النهاية أقل وقعا وشدة وبأسا على الأنظمة القائمة من بقية المجاميع الجهادية والحركية.
بدأ الكيان ومعه الإمارات بتجنيد كل طاقاتهما الاستخباراتية والمالية تحت أغطية استثمارية ومساعدات وغطاء دبلوماسي أحيانا، وأنشطة إعلامية تدميرية عبر الذباب الإلكتروني، بالتعامل مع “مماليك”، ترى نفسها مستهدفة من طرف الإسلام السياسي. المغرب، ولعلاقات تاريخية بين الملك والأمير الإماراتي، صار حليفا موثوقا، بل وممولا لكل أشكال التخريب السياسي والاقتصادي عبر المخدرات لتسميم العلاقات بين الجزائر والمغرب بالتنسيق مع استخبارات فرنسا والكيان، وما تطبيع دولة “أمير المؤمنين” و”رئيس” لجنة القدس مع الكيان القاتل والمجرم المحتل إلا عربونا أوليا عن هذا الخزي المركب: الجزائر كانت مستهدفة من الجميع، كونها لم تركع لمشروع “الفوضى الخلاقة”، وخرجت من الأزمة أقوى مما كانت عليه، فكان على فرنسا من جهة والكيان والإمارات والمخزن أن تتجه نحو خلق فتن جديدة من جديد لضرب استقرار هذا البلد القارة، الأول جغرافيا في إفريقيا بعد أن قسم السودان عبر الدسائس، ثم التباكي على العلاقات المقطوعة، كالعقرب التي “تلدغ وتصيء”.