-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بعد المدارس العليا للمهندسين: أين المدرسة العليا للمفكّرين؟

بعد المدارس العليا للمهندسين: أين المدرسة العليا للمفكّرين؟

في معظم الأحيان، حين نتبادل أطراف الحديث مع الزملاء العلميين المختصين في العلوم الدقيقة، ونتناول موضوع المدارس الوطنية العليا في قطب سيدي عبد الله ودورها في تكوين النخب، يلاحظ هؤلاء بمرارة تقصير الدولة في تكوين النخب في مجال العلوم الإنسانية، ويعيبون عليها اكتفاءها بالعلوم الدقيقة وحقل التكنولوجيا.

والحقيقة أن هذا التقصير يبدأ من المرحلة الثانوية، وربما قبل ذلك بقليل، حين لا تعطى المواد الأدبية حقها لجعل نخبة من التلاميذ يميلون إلى الاختصاصات ذات العلاقة بالعلوم الإنسانية. ولذا فالحاصلون عموما على العلامات الضعيفة في امتحان البكالوريا هم الذين يتوجهون نحو تلك الاختصاصات المتعلقة بالإنسان والمجتمع فيختلّ الميزان.

1. أين نكوّن تلك النخبة؟
والواقع أنه كلما تحدّثت دولة عن مستقبلها العلمي، غالبا ما تشير إلى مدارس النخبة للمهندسين، ومعاهد التكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي والرياضيات. ومن النادر أن يتم طرح الأسئلة التالية:
– أين نكوّن النخبة التي تفكّر في حال المجتمع وفي حياة الإنسان؟ وأين نكوّن علماء الاجتماع الذين سيتمكنون من استشراف التحولات المحلية والإقليمية والعالمية التي تمس مواضيع جوهرية مثل الأسرة والشباب والشيوخ والمدينة والعمل والهجرة، إلخ؟
– وأين نكوّن الفلاسفة القادرين على تعميق التفكير في التحولات التي فرضها ويفرضها التقدم التكنولوجي، من ذكاء اصطناعي وشبكات تواصل مختلفة، ووسائل تنقل شتّى…؟ وأين نكوّن علماء النفس القادرين على دراسة الأشكال الجديدة لسلوك المعلم والمتعلم في المدرسة وخارجها؟
– وأين نكوّن المختصين في علوم التربية القادرين على توقع تطوّرات المدرسة ومستقبل الجامعة بعد عقود؟ وأين نكوّن علماء الأناسة (الأنثروبولوجيا) والمؤرخين والباحثين القادرين على استيعاب وتحليل التحولات الثقافية والمجتمعية العميقة التي يمرّ بها المجتمع؟
هل الإجابة على كل هذه التساؤلات ستكون: كلٌّ في كلّيته، وكل في معهده، وكلٌّ في جامعته؟ لا أبدًا. ذلك أن القضايا التي ستطرح على هؤلاء بعد تخرجهم تتطلب “عبقرية” خاصة وتكوينا مُكيَّفا متعدد الأشكال والتفرعات لا تتمكن من استيعابها إلا نخبة من شبابنا اللامعين في الدراسة بعد أن يتلقون تكوينا جامعيا متميّزا في تلك التخصصات. وفي هذا السياق، هناك من يعتقد أن المتفوّق في الرياضيات قادر على التفوق في كل الميادين، وهذا الرأي -وإن كان صائبا في كثير من الحالات- لا يمكن أن يشكّل قاعدة عامة، ولا يمكن للرياضيات أن تكون معيار التعرّف على كافة المواهب: ليس من الضروري أن تتطابق مواهب الشباب وقدراتهم في جميع المعارف؛ فقد يكون الطالب متفوقًا ومبدعًا في الفلسفة أو القانون دون أن يمتلك درجة من التميّز في فنّ من الفنون الأخرى.
ثمّ إن هناك تصوّرا ضيق الأفق -في بلادنا بصفة خاصة- لمفهوم “التميّز العلمي”. فعندما نتحدث عن “النخبة العلمية”، يتبادر إلى ذهن المستمع بصفة شبه تلقائية عالم الرياضيات، والفيزياء، والطب، والهندسة، والمعلوماتية، والذكاء الاصطناعي.. ولا يخطر على البال أي فرع من فروع العلوم الإنسانية. وهذا وضع يحتاج منا جميعا إلى تصويب: فلا شك أن هذه النخب ضرورية، لكن المجتمع لا يُبنى بالتكنولوجيا وبالمعادلات ”فقط لا غير”… بل تشارك في بنائه أيضًا الأفكار التي تؤسس له سبل ازدهاره، وبالقيم التي يغرسها فيه المربي، وبالذاكرة الجماعية التي يسجلها له التاريخ. ولعل الذكاء الاصطناعي يعدّ في هذا الباب خير مثال على ذلك: يمثل هذا الذكاء إنجازا تكنولوجيا له آثار عميقة طبيعتها فلسفية ونفسية واجتماعية وتربوية.

2. لننظر من حولنا
يتعيّن علينا النظر من حولنا لندرك مدى اهتمام الدول المتقدمة بتكوين نخب في العلوم الإنسانية. فقد أنشأت دول عديدة مؤسسات تُعنى بالمواهب في العلوم الإنسانية. وبما أننا، نحن في الجزائر، نركز دائما على تقليد فرنسا إلا نادرا، نلاحظ في هذا البلد أن هناك المدرسة العليا للأساتذة التي تكوّن النخب في العلوم الإنسانية ليكونوا من كبار الباحثين في مجال علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة … وليس لتوجيهم نحو التدريس في مرحلة التعليم ما قبل الجامعة مثلما هو الحال عندنا. كما نجد في فرنسا مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) التي تؤدي مهام مشابهة. وهذه بريطانيا تضمّ فيها جامعتَا أكسفورد وكامبريدج أقسامًا عالية المستوى تختصّ في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الإناسة لتؤدي المهام ذاتها التي تؤديها المؤسستان الفرنسيتان المذكورتان آنفا.
وفي الولايات المتحدة، تؤدي جامعات، مثل هارفارد وبرينستون وييل وغيرها من الأقطاب الجامعية، دورًا مماثلا لما تقوم به أكسفورد وكامبريدج ببريطانيا في موضوع تكوين النخب في حقل العلوم الانسانية. وفي أوروبا الشرقية نجد نفس التوجّه لدى روسيًا وبولندا والمجر وجمهورية التشيك، وهي بلدان تسهر على وجود أقطاب جامعية مرموقة من شأنها أن تؤدي دورًا بارزا في تكوين نخب من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي الصين واليابان وكوريا الجنوبية تحظى الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وعلوم التربية بتكوين رفيعة المستوى وببنى بحثية في أقطاب جامعية.
ينبغي أن تكون رسالة المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإنسانية واضحة: فهي ليست مدرسة لتكوين كبار الموظفين، ولا مؤسسة لصناعة نخبة سياسية أو دبلوماسية… بل ينبغي أن تكون مهمتها أكثر بساطة، وأكثر طموحًا: تكوين أفضل العقول في البلاد القادرة على فهم الإنسان والمجتمع والثقافة والتربية وتحليل معطياتها، وإنتاج معرفة جديدة في هذه المجالات تخطط للمستقبل. ويمكن أن يستند القبول في هذه المدرسة إلى الثقافة العامة، والتحكم في اللغة وفي اللغات الأجنبية، والقدرة على التحليل، والتفكير النقدي، وقبل كل هذا القدرة على طرح الأسئلة الجيدة.
علينا هنا أن نستدرك ونقول إن جامعاتنا لها العديد من الأساتذة الجيدين والباحثين الأكفاء، ونجد فيها أيضا أقساما في العلوم الإنسانية ذات مستوى محترم. لكن تشتت الطاقات وكثرة عدد الطلبة في القسم الواحد من الأمور التي تحول دائمًا دون إنتاج نخبة علمية متميّزة.
لا شك أن البلاد تحتاج إلى المهندسين لبناء المرافق التحتية، وإلى الأطباء لحماية الصحة، وإلى العلماء لتوسيع حدود المعرفة… وهي تحتاج أيضًا إلى المفكرين في الشؤون الاجتماعية ليرسموا له الطريق السالك نحو المستقبل. إن إنشاء مدرسة للتميّز في العلوم الإنسانية يندرج ضمن هذا السياق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!