منظومتنا التربوية والأخلاق: وصال أم فصام؟!
منظومتنا التربوية في أمسّ الحاجة لأن يكون رباطها بالدّين والأخلاق وثيقا… والآباء والأمّهات والمعلّمون والأساتذة والمشرفون التربويون، جميعهم مطالبون بأن يهتمّوا بأخلاق التلاميذ والطّلبة ويؤطروهم عليها أطرا، ويعلّموهم أن يجعلوا على رأس أولياتهم أن يكونوا مُثلا صادقة لطلبة علم يدرسون في مؤسسات تربوية قبل أن تكون تعليمية… هذا هو المفترض، لكنّ واقع أبنائنا التلاميذ -هو في غالبه- مؤسف غاية الأسف؛ نراهم في الشّوارع المؤدية إلى المدارس، ويراهم المعلّمون والأساتذة والمشرفون التربويون في المؤسسات التربوية، ويروُون لنا ممّا يعاينون ما يدمي القلوب الحيّة!
ما عاد أبناؤنا التلاميذ -إلا قليل منهم- يهتمّون بالأخلاق. بل إنّ من يتحلّى بمكارم الأخلاق ويبتعد عن مساوئها بينهم قد يَنظر إليه زملاؤه التلاميذ والطّلبة على أنّه معقّد ومتخلّف وربّما يصفونه بـ”المريض النفسي”! نرى طلبتنا كلّ يوم في طريق ذهابهم إلى المدارس وعودتهم منها، ونرى هيئات كثير منهم لا تدلّ أبدا على أنّهم طلبة علم، ونرى تصرّفاتهم الطّائشة وعبثهم ومناوشاتهم ونسمع صخبهم وصياحهم وصراخهم، فنعجب ونتساءل إن كان هؤلاء حقا وحقيقة يؤمّون مؤسسات تربوية!
إنّه لأمر مؤسف حقا أن نسمع عن تلاميذ يتعاطون المخدّرات ويحملون السّموم في محافظهم، وطلبة يبيعون المهلكات في الثانويات وحتى في بعض الإكماليات، ونسمع عن تلميذات يحملن الأوساخ في هواتفهنّ، وتلميذات لا همّ لهنّ إلا العبث!
إنّنا لفي أمسّ الحاجة لأن نعلّم أبناءنا بأنّ طالب العلم يجب أن يكون سمته ويكون لباسه لائقا بطالب علم، وتكون تصرّفاته ومعاملته لوالديه وللجيران ولكبار السنّ وللمعلّمين والأساتذة لائقة بمن يوصف بأنّه “متعلّم”… أبناؤنا يتعلّمون في المدارس حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ (المتكبّرون)”، ويحفظون قول الشاعر العربيّ أحمد شوقي ويقرؤونه كلّ يوم على جدران المدارس:
إنّما الأمـمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ * فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مرجعُهُ * فقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقمِ
وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهِمْ * فأقمْ عليهم مأتمًا وعويلًا.
يعلمون كلّ هذا، لكنّهم لا يتعلّمون كيف يتمثّلونه ويحوّلونه إلى واقع في كلامهم ومشيهم ومعاملاتهم وتصرّفاتهم! والمدرسة التي تعلّمهم ذلك لا تجعل تقييمهم وعلاماتهم ومعدّلاتهم مرتبطا به مع كلّ أسف.
حينما نرى أبناءنا المتفوّقين في الامتحانات الرسميّة، ونرى سمتهم وأخلاقهم ونسمع كلامهم، نفرح غاية الفرح، ونتمنّى أن لو كان كلّ أبنائنا التلاميذ والطّلبة على ذلك المنوال وعلى تلك الشّاكلة. لكنّ الواقع بعيد كلّ البعد عن ذلك! أكثر أبنائنا قد طغى الهزل والمزاح واللعب على حياتهم، وأثّر ذلك في أخلاقهم وفي جدّهم وتحصيلهم. ما عاد في حياتهم وقت ولا مجال للجدّ والحزم. حتى الأمور الجدية صاروا يتعاملون معها بالاستخفاف والضحك، وكلّ موضوع -مهما كان جديا- يلوونه ليتحوّل إلى موضوع هزليّ، وكلّ أوقاتهم أصبحت للهزل والمزاح؛ في بيوتهم يضحكون ويمزحون، وفي طريق المدرسة يتصايحون ويتهارشون، وداخل المدرسة يضحكون ويهزؤون ويصرخون، وحتى أوقات الدراسة يحوّلونها إلى لهو ولعب ومزاح، والأستاذ الذي لا يسمح لهم بذلك يكرهونه ويكرهون حصته ويتآمرون لإخراجه من طوعه وربّما من عقله.
نعم المزاح ضروريّ في بعض الأوقات، لكن لا بدّ أن يكون له وقت محدود لا يتجاوزه، ولا يجوز أن يطغى وقته على وقت الجدّ… الأصل في حياة المسلم هو الجدّ والطّلب والعمل والمثابرة، والمزاح تكون له أوقات على الهامش، والطالب خاصّة يجب عليه أن يفرّق جيّدا بين وقت الجدّ ووقت اللعب والمزاح، وإن لم يفعل ذلك فإنّه سيضيّع نفسه ويضيّع على زملائه وأساتذته أوقاتهم وينسون الهدف الذي اجتمعوا لأجله في المدارس.
إنّه ليس يصحّ أن تتحوّل حياة أبنائنا كلّها إلى لهو ولعب، وتتحوّل كلّ الميادين بالنّسبة إليهم إلى ميادين للضّحك والشّغب؛ لهو في أماكن اللعب، وفي الطّرقات، وفي الطريق إلى المدرسة، وداخل أسوار المدرسة، وحتى داخل الأقسام، وربّما يصطحبون لهوهم وشغبهم إلى المساجد والمدارس القرآنية! والواجب علينا أن نعلّمهم أنّ المزاح واللعب له وقت لا يجوز أن يتجاوزه، وله أماكن يصلح فيها، وأخرى لا يصلح فيها أبدا… أبناؤنا يجب أن يتعلّموا أنّ المدارس إنّما هي لطلب العلم، كما أنّ المساجد للعبادة وذكر الله وإقام الصّلاة وتلاوة القرآن، وليست للمزاح والهزل واللعب ورفع الأصوات، ويتعلّموا أنّ الواحد منهم يجب أن يكون الأصل فيه الجدّ والعزم والسكينة والوقار، واللعب والمزاح له وقت لا ينبغي أن يتجاوزه.