استثمارات تركية جديدة والإصلاحات الاقتصادية جذابة
فرص كبيرة في السوق الجزائرية ونحو آفاق واعدة من الشراكة الإستراتيجية
استهداف 10 مليارات دولار في المبادلات التجارية والاستثمارات في 2030
الحديد والصلب والزراعة والبنية التحتية في صدارة التعاون
تركيا تثمن دور الجزائر في أمن واستقرار منطقة الساحل
تعاون إيجابي في الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا
تشهد العلاقات الجزائرية-التركية، خلال السنوات الأخيرة، زخماً متزايداً على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، مدفوعة بإرادة مشتركة لترقية التعاون إلى شراكة استراتيجية أكثر شمولا. وفي هذا الحوار مع “الشروق”، يتحدث سفير تركيا بالجزائر، محمد مجاهد كوتشوك يلماز، عن آفاق التعاون بين البلدين، ومستقبل الاستثمارات التركية في الجزائر، وفرص الشراكة في الصناعة والطاقة والدفاع، إضافة إلى التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية، ورؤية أنقرة للعلاقات الثنائية في أفق عام 2030.
شهدت العلاقات الجزائرية-التركية ديناميكية لافتة خلال السنوات الأخيرة، برأيكم، ما هي الخطوات المقبلة للارتقاء بها إلى مستوى أعلى من الشراكة الإستراتيجية؟
تقوم العلاقات بين الجمهورية التركية والجمهورية الجزائرية على أسس متينة تستند إلى تاريخ مشترك وروابط ثقة متبادلة. وكما هو معلوم، فقد تم التأكيد على الطابع الاستراتيجي لهذه العلاقات خلال الزيارة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الجزائر في 21 نوفمبر 2023.
ومنذ ذلك التاريخ، شهدت علاقاتنا تطوراً نوعياً بفضل آليات التشاور السياسي المنتظم، فضلا عن تعزيز الطابع المؤسسي للتعاون من خلال إنجاز عدد من المشاريع، من بينها مقرات سفارتنا وقنصليتنا وإقاماتنا الرسمية، إلى جانب المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية والبنوك وغيرها.
أما المرحلة المقبلة، فستركز على تعميق الشراكة الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون، بما يضمن تحقيق الهدف الذي حدده رئيسا البلدين والمتمثل في رفع حجم المبادلات التجارية إلى 10 مليارات دولار. كما نولي أهمية كبيرة لتعزيز التواصل بين المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين في البلدين، بما يرسخ شراكة استراتيجية شاملة ومستدامة تحقق المصالح المشتركة.
تعد تركيا من أبرز المستثمرين الأجانب في الجزائر، هل توجد حاليا مشاريع استثمارية جديدة قيد الدراسة أو الإنجاز؟
تُعد تركيا اليوم من بين أبرز المستثمرين الأجانب في الجزائر، وهو ما يعكس ثقة الشركات التركية في الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها الجزائر.
وتوجد حالياً عدة مشاريع استثمارية قيد الدراسة أو الإنجاز، كما يجري استكشاف فرص جديدة، لاسيما في قطاع الصناعات الغذائية.
وتتطلع الشركات التركية إلى الإسهام بصورة أكبر في دعم مسار التنمية الاقتصادية في الجزائر، ونحن على ثقة بأن هذه الديناميكية ستشهد مزيداً من الزخم خلال السنوات المقبلة.
كيف تقيّمون مناخ الأعمال في الجزائر في ضوء الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة؟ وما مدى اهتمام الشركات التركية بالسوق الجزائرية؟
لقد بعثت الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر برسائل إيجابية إلى المستثمرين الأجانب. ونحن نتابع باهتمام بالغ مختلف الإجراءات المتخذة في إطار مشروع “الجزائر الجديدة” تحت قيادة فخامة الرئيس، عبد المجيد تبون.
وتنظر الشركات التركية إلى هذه التطورات باهتمام كبير، وتعتبر الجزائر سوقاً استراتيجية تتمتع بآفاق واعدة. فبفضل موقعها الجغرافي المتميز، ومواردها الطبيعية، وإمكاناتها البشرية، توفر الجزائر فرصاً استثمارية مهمة في العديد من القطاعات.
ومن هذا المنطلق، نشجع الشركات التركية على استكشاف الفرص التي تتيحها السوق الجزائرية، انطلاقاً من قناعتنا بأن الجزائر تمتلك مستقبلا واعداً ومكانة متنامية على الساحة الدولية.
ما هي القطاعات التي توفر أفضل آفاق للتعاون بين الجزائر وتركيا، لاسيما في مجالات الصناعة والطاقة والزراعة والتكنولوجيا؟
تحظى جميع القطاعات التي ذكرتموها بأهمية كبيرة في إطار التعاون الثنائي بين بلدينا.
وفي المرحلة الحالية، تبرز عدة مجالات باعتبارها محاور رئيسية للتعاون، وفي مقدمتها صناعات الحديد والصلب، والزراعة، والبناء، ومشاريع البنية التحتية.
في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل، كيف تنظر تركيا إلى الدور الذي تضطلع به الجزائر في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين؟
تولي تركيا أهمية كبيرة للدور الذي تضطلع به الجزائر في ترسيخ الأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي.
فالجزائر تعد شريكاً محورياً في القارة الإفريقية، بفضل خبرتها الدبلوماسية الطويلة ومعرفتها العميقة بقضايا المنطقة. كما تجمع بلدينا آليات متعددة للتشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية، ونحرص على مواصلة المشاورات السياسية المنتظمة.
ما هي فرص التعاون التي ترونها بين الجزائر وتركيا في مجال الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات والتكنولوجيا؟
شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في قدراتها بمجال الصناعات الدفاعية.
ونرى أن هناك فرصاً واعدة لتعزيز التعاون مع الجزائر في هذا المجال، لاسيما من خلال تشجيع الإنتاج المحلي المشترك، ونقل التكنولوجيا والخبرات، بما يسهم في بناء شراكة مستدامة تحقق المصالح المشتركة للبلدين.
تتقاسم الجزائر وتركيا مواقف متقاربة بشأن العديد من القضايا الدولية، كيف يمكن للبلدين تعزيز التنسيق داخل المنظمات الإقليمية والدولية؟
تتوافق مواقف تركيا والجزائر بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما يشكل أرضية صلبة لتعزيز التنسيق والتشاور داخل المنظمات الإقليمية والدولية.
وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه القضايا، إذ تعد الجزائر وتركيا من أبرز الدول الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني. ونحن نتابع بتقدير كبير الموقف الجزائري الثابت تجاه القضية الفلسطينية، لاسيما وأن الجزائر هي البلد الذي أُعلن فيه قيام دولة فلسطين.
كما أن فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان وفخامة الرئيس عبد المجيد تبون يتقاسمان رؤية متطابقة حيال هذه القضية، كما هو الحال بالنسبة لعدد من الملفات الأخرى، وهو ما تجسد بوضوح خلال زيارة الرئيس تبون إلى أنقرة في الفترة الممتدة من 6 إلى 8 ماي 2026.
ما هي آفاق التعاون الثلاثي بين الجزائر وتركيا والدول الإفريقية في مجالات التنمية والبنية التحتية والاستثمار؟
تمتلك القارة الإفريقية إمكانات كبيرة في مجالات التنمية والاستثمار، كما تتمتع كل من الجزائر وتركيا بخبرات متكاملة يمكن توظيفها لإنجاز مشاريع مشتركة داخل القارة.
ونحن نؤمن بقوة بنموذج الشراكة القائم على مبدأ “رابح ـ رابح”، ونعمل على تشجيع المستثمرين الأتراك على التوجه نحو الجزائر باعتبارها شريكاً موثوقاً.
فالجزائر كانت دائماً، وستظل، بالنسبة لتركيا شريكاً يعتمد عليه، وهو ما تؤكده العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين.
كيف تقيّمون مستوى التبادل الثقافي والسياحي بين البلدين؟ وهل هناك مبادرات جديدة لتعزيز التقارب بين الشعبين الجزائري والتركي؟
يشهد التعاون الثقافي والسياحي بين الجزائر وتركيا تطوراً إيجابياً، كما أن الاهتمام المتزايد للمواطنين الجزائريين بتركيا يعد مؤشراً مشجعاً.
ونسعى إلى إطلاق المزيد من المبادرات في مجالات السياحة والتعليم والفنون والتبادل الجامعي والثقافي.
وفي هذا الإطار، اتخذنا خطوة مهمة تتمثل في خفض الحد الأقصى لسن الاستفادة من تسهيلات التأشيرة من 65 سنة إلى 50 سنة، ابتداءً من هذا الصيف، وهو إجراء من شأنه تعزيز تنقل الأشخاص، وتنشيط المبادلات الاقتصادية والثقافية بين البلدين.
ونؤمن بأن التقارب بين الشعوب يبدأ من التواصل المباشر، فكلما تعززت العلاقات الإنسانية بين مواطني البلدين، ازدادت قوة الشراكة التركية–الجزائرية.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الجالية الجزائرية المقيمة في تركيا في تعزيز العلاقات الإنسانية والثقافية والاقتصادية بين البلدين؟
تمثل الجالية الجزائرية المقيمة في تركيا جسراً إنسانياً وحضارياً يربط بين البلدين، وتسهم بفاعلية في تعزيز الروابط الثقافية والأكاديمية والاقتصادية.
وبفضل معرفتها بالثقافتين والمجتمعين، تستطيع هذه الجالية الإسهام في تسهيل التبادلات وتشجيع إقامة شراكات جديدة بين المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين في البلدين.
كما يضطلع الطلبة، ورجال الأعمال، والكفاءات الجزائرية المقيمة في تركيا بدور مهم في توطيد هذه العلاقات، ونحن نولي مساهماتهم أهمية كبيرة، امتداداً لروابط تاريخية تجمع الشعبين منذ أكثر من خمسة قرون.
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، كيف يمكن للجزائر وتركيا بناء شراكات أكثر مرونة وابتكاراً لمواجهة التحديات الدولية؟
تفرض التحولات الاقتصادية العالمية على الدول بناء شراكات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات، مع إيلاء أهمية متزايدة للابتكار.
وفي هذا الإطار، نرى أن تعزيز الاستثمارات الإنتاجية، وتطوير الشراكات في المجالات التكنولوجية، يمثلان ركيزة أساسية لمواجهة التحديات الاقتصادية الدولية. ومن خلال العمل المشترك، تستطيع الجزائر وتركيا تعزيز قدرتهما على التعامل مع هذه التحولات وبناء تعاون يستشرف المستقبل.
كيف تتصورون مستقبل العلاقات الجزائرية–التركية في أفق عام 2030؟ وما أبرز الأهداف التي تطمحون إلى تحقيقها بحلول ذلك الموعد؟
نتطلع إلى أن تبلغ العلاقات الجزائرية–التركية، بحلول عام 2030، مستوى أكثر طموحاً وتنوعاً في مختلف مجالات التعاون.
وتتمثل أولوياتنا في رفع حجم المبادلات التجارية، وتعزيز الاستثمارات، وتوسيع مجالات التعاون.
ونطمح إلى بلوغ 10 مليارات دولار في المبادلات التجارية، إلى جانب الوصول إلى 10 مليارات دولار من الاستثمارات بحلول عام 2030.
ويبلغ حجم المبادلات التجارية بين بلدينا حالياً نحو 6 مليارات دولار، فيما تقدر الاستثمارات التركية في الجزائر بحوالي 8 مليارات دولار.
كما نحرص على تعزيز التبادل الإنساني والثقافي، ونؤمن بأن الجزائر وتركيا تمتلكان جميع المقومات اللازمة لبناء شراكة نموذجية على المستوى الإقليمي. ونحن ننظر بتفاؤل كبير إلى مستقبل هذه العلاقة الاستراتيجية.
ترتبط الجزائر وتركيا بتاريخ وإرث حضاري مشترك. كيف يمكن توظيف هذا الإرث في ترسيخ شراكة مستقبلية أكثر قوة بين البلدين؟
تجمع تركيا والجزائر روابط تاريخية وحضارية عميقة، ويشكل هذا الإرث المشترك أحد أهم عناصر التقارب بين شعبينا.
ولا يقتصر هذا الإرث على كونه جزءاً من الماضي، بل يمثل أيضاً مصدر إلهام لبناء المستقبل. ومن خلال المحافظة على هذا الرصيد التاريخي وتثمينه، يمكننا تعزيز التفاهم المتبادل وإطلاق مشاريع تعاون جديدة في مختلف المجالات.
إن تاريخنا المشترك يمثل رصيداً لبناء مستقبل مشترك.
ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المستثمرين الأتراك الراغبين في الاستفادة من الفرص التي يوفرها السوق الجزائري؟
أود أن أؤكد للمستثمرين الأتراك أن الجزائر توفر فرصاً واعدة في العديد من القطاعات الاستراتيجية، بفضل ما تتمتع به من سوق نشطة، وموارد طبيعية مهمة، وموقع جغرافي متميز.
كما أن الإصلاحات التي باشرتها السلطات الجزائرية لتحسين مناخ الاستثمار تفتح آفاقاً جديدة أمام المستثمرين الأجانب.
ولهذا، نشجع الشركات التركية على استكشاف هذه الفرص، وإقامة شراكات طويلة الأمد في الجزائر، ونحن على يقين بأن مساهمتها ستعود بالنفع على اقتصاد البلدين.
أخيراً، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب الجزائري بشأن فرص التكوين والعمل والتعاون مع تركيا؟
أود أن أوجه إلى الشباب الجزائري رسالة ثقة وتفاؤل، مفادها أن تركيا تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الجزائر في مجالات التعليم والتكوين والابتكار.
وتتوفر اليوم فرص عديدة أمام الشباب من خلال البرامج الجامعية، والتبادل الأكاديمي، والشراكات الاقتصادية، فضلاً عن فرص العمل داخل الشركات التركية.
ويمثل الشباب الثروة الحقيقية لبلدينا، وسيكون له دور محوري في بناء المستقبل.
ومن هذا المنطلق، نرغب في مواصلة تطوير المبادرات التي تعزز نموهم ونجاحهم.