استيراد خردة “أوغيستا”.. هكذا ضاعت ملايير الخزينة
أزال قاضي القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، الستار عن تجاوزات رهيبة في ملف “اقتناء مصفاة أوغيستا” الإيطالية من طرف أكبر مجمع نفطي بالجزائر “سوناطراك”، التي كلفت الدولة الجزائرية ما يزيد عن 2 مليار دولار، أي ما يفوق 36 ألف مليار سنتيم بالسعر الحقيقي للدولار، وهو ما عادل ثلاثة أضعاف قيمتها الحقيقية، بالرغم من الحالة الكارثية التي كانت عليها المصفاة التي شيدت في خمسينيات القرن الماضي، كما واجهه بالممتلكات والعقارات والحلي والشركات والحسابات المالية التي يحوزها هو زوجته وابنه في الجزائر ولبنان وإسبانيا، في حين رد الرئيس المدير العام السابق لمجمع سوناطراك عبد المومن ولد قدور، أن شركة سوناطراك بالأدلة والقرائن والأرقام المصرح بها رسميا، حققت أرباحا تفوق 400 مليون دولار، خلال سنة 2022 الجارية.
ويتابع المتهمون في ملف فساد يتعلق بصفقة شراء مصفاة النفط “اوغيستا”، بصقلية الإيطالية التي قامت سوناطراك بشرائها بالشراكة مع “إيكسون موبيل” بقيمة 1 مليار دولار، وهي القضية التي جرت نائب الرئيس المدير العام الأسبق لمجمع سوناطراك، أحمد الهاشمي مازيغي، إلى السجن، بعد أن أمر قاضي التحقيق لدى محكمة بئر مراد رايس بالجزائر العاصمة بإيداعه وكذا إطارات بالمجمع، ويتعلق الأمر بكل من رايس علي عبد الحميد، وبومعوط إبراهيم، المتواجدين أيضا رهن الحبس المؤقت.
وقد وجهت للمتهمين في ملف الحال تهم ثقيلة تتعلق بجنح “استعمال موظف عمومي أموالا عمومية على نحو غير شرعي لصالح كيان آخر عهدت إليه بحكم وظيفته، والتبديد العمدي لأموال عمومية وخاصة، إساءة موظف عمومي لاستغلال وظائفه عمدا من أجل أداء عمل على نحو يخرق القوانين والتنظيمات بغرض الحصول على منافع غير مستحقة لكيان آخر، تعارض المصالح في مجال الصفقات العمومية، منح موظف عمدا للغير امتيازا غير مبرر عند إبرام عقد أو صفقة أو ملحق مخالف للأحكام التشريعية والتنظيمية المعمول بها، سوء استعمال أموال شركة المساهمة واستعمال رئيس شركة المساهمة والقائم بإدارتها عن سوء نية أموال الشركة وسمعتها في غايات يعلمون أنها مخالفة لمصلحتها لتفضيل شركة أخرى.
ومثل المتهم الرئيس في ملف الحال عبد المومن ولد قدور ومن معه صبيحة الثلاثاء أمام الفرع الثاني لدى محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، وبعد ربط الاتصال مع المؤسسة العقابية لعبادلة بولاية بشار، حيث يتواجد الوزير الأول السابق أحمد أويحيى الذي مثل في القضية كشاهد، نادى القاضي على المتهمين في ملف الحال تباعا، ليفسح المجال لهيئة الدفاع أن تقدم دفوعاتها الشكلية والتي ركز جلها في إلحاح المحامين بتقادم الوقائع في ملف الحال ليشرع في استجواب المتهمين والبداية من الرئيس المدير العام السابق لمجمع سوناطراك عبد المومن ولد قدور.
القاضي: ولد قدور عبد المومن، أنت متابع بجنح استعمال موظف عمومي أموالا عمومية على نحو غير شرعي لصالح كيان آخر عهدت إليه بحكم وظيفته، والتبديد العمدي لأموال عمومية وخاصة، إساءة موظف عمومي لاستغلال وظائفه عمدا من أجل أداء عمل على نحو يخرق القوانين والتنظيمات بغرض الحصول على منافع غير مستحقة لكيان آخر، تعارض المصالح في مجال الصفقات العمومية، منح موظف عمدا للغير امتيازا غير مبرر عند إبرام عقد أو صفقة أو ملحق مخالف للأحكام التشريعية والتنظيمية المعمول بها، سوء استعمال أموال شركة المساهمة واستعمال رئيس شركة المساهمة والقائم بإدارتها عن سوء نية أموال الشركة وسمعتها في غايات يعلمون أنها مخالفة لمصلحتها لتفضيل شركة أخرى، هل تنكر أم تعترف؟
ولد قدور: لا، سيدي الرئيس، أنا أنكر التهم الموجهة لي جملة وتفصيلا، وقبل أن نخوض في التفاصيل دعني أعرف لكم بنفسي، توجهت للدراسة سنة 1975 بالولايات المتحدة الأمريكية وتحصلت على شهادة دكتوراه دولة في هندسة الكيمياء وواصلت دراستي في جامعة هارفارد في تخصص المناجمنت إلى غاية 1980، وبعد عودتي إلى الجزائر وأداء للخدمة الوطنية، عينت مديرا لمحافظة الأبحاث للطاقات المتجددة، وفي سنة 1991 عينت كمدير عام في شركة كوندور، وبعد إنطلاق المفاوضات بين شركة سوناطراك والمحافظة تم إستحداث ما يعرف بـ”BRC”، وهي شركة مختلطة بين سوناطراك ومركز البحث.
وفي هذا الأثناء يقاطعه القاضي ويقول “سيرتك الذاتية والمهنية متواجدة عندنا واطلعنا عليه” نعود إلى تفاصيل اللف؟
ولد قدور يواصل تصريحاته “سيدي الرئيس في 2017 طلب مني شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، كمستشار لرئيس الجمهورية من أجل تولي مهام الرئيس المدير العام لسوناطراك، وعلى هذا الأساس شرعت في مباشرة عملي من مارس 2017 إلى غاية 2019”.
القاضي: الوقائع المتابع اليوم فيها هي قضية مصفاة النفط؟
ولد قدور: سيدي الرئيس فكرة اقتناء مصفاة جاهزة تعود لسنة 2004 و2009، إذ كان هناك مشكل استيراد الوقود والذي بلغت وارداته 2 مليار دولار سنويا بالتقريب و16 مليار دولار بين 2010 و2016 وكان هناك مشروع يتعلق باقتناء مصفاة في 2010، لكن بالنظر للمشاكل التي كانت موجودة تم التخلي عنها مؤقتا.
القاضي: باشرتم عملكم كرئيس مدير عام لشركة سوناطراك في 2017، لماذا توجهتم إلى “أوغستا” بصقلية الإيطالية لشراء المصفاة؟
ولد قدور: نعم، عندما وصلت على رأس الشركة طلبت الحصول على الإستراتيجية التي تنتهجها هذه الأخيرة من أجل معرفة التوجه العام ككل وكانت لي رغبة في استحداث شراكة أو شراء أو استثمار داخل وخارج الوطن، وبالتالي فإن فكرة شراء المصفاة لا تعود لي شخصيا وإنما توجهت للبحث ودراسة ما يتعلق بالبتروكيمياء للحصول على استفادة أكبر من عملية تحويل الغاز.
وتابع ولد قدور “سيدي الرئيس، في حقيقة الأمر فإنه من حيث الأهمية الأكبر من مصفاة “أوغيستا” هو التخلص من تبعية الغاز والبترول الخام مباشرة، كما أن هناك 50 فرعا بشركة سوناطراك و200 ألف عامل، فلا يمكن معرفة كل الجزئيات، زد على ذلك فإن الهدف الأساسي لنا هو تطوير وتنويع مصادر الطاقة التي نحتاجها من خلال وضع إستراتيجية في الشركة والتي ناقشنا فيها كيفية الحد من استيراد الوقود، أين تم الرجوع إلى فكرة 2010.
القاضي: ملف المتابعة هو “أوغيستا” ولا واحد تحدث عن السياسة التي اتبعتها في التسيير؟
ولد قدور: سيدي الرئيس، ” وغيستا” مثلها مثل المشاريع الأخرى، لما تم التركيز عليها فقط، فقد كانت هناك أيضا مشاريع تتعلق بإنجاز 5 مصاف في حاسي مسعود، لذلك اتجهنا لشراء مصفاة “أوغيستا”، بالإضافة إلى إنجاز مصفاة سيدي رزين ببراقي، وأخرى بأرزيو بولاية وهران، وبالنظر إلى المبالغ المالية التي تم صرفها ككل نجد أن مشروع “أوغيستا” كان أكثر اقتصادا وأكثر مردودية، ولا ننسى أن الشركة تقوم بإنتاج الغاز بالأموال التي تجنيها من أرباح تحويل الغاز.
القاضي: كان عندكم عدة اقتراحات وبالضبط 5 اقتراحات لشراء المصفاة في عدة دول، لم اخترتم “أوغيستا”؟
ولد قدور: لأنها كما قلت الأقل تكلفة والأكثر مردودية.
القاضي: وهل حلت المشكلة بشراء هذه المصفاة؟
ولد قدور: نعم سيدي الرئيس أكثر من حل المشكلة، فخلال هذا العام وحسب الأرقام الرسمية التي أحوزها فإن شركة سونطراك حققت أرباحا تفوق 400 مليون دولار، خلال سنة 2022 الجارية، خاصة أن الشركة كانت تعاني خلال سنتي 2016، 2020 من مشاكل كبيرة تتعلق بالسقوط الحر لسعر البترول كون الأزمة الاقتصادية ضربت جميع دول العالم.
القاضي: المشكل في هذا الملف لا يتعلق بالتسيير، وإنما بشراء المصفاة دون الرجوع إلى مجلس الإدارة؟
ولد قدور: لا سيدي الرئيس قبل الشروع في العرض الملزم كنا نملك موافقة مجلس الإدارة والجمعية العامة، وكذا مجلس الوزراء مع الترخيص اللازم من وزير الطاقة آنذاك.
القاضي: لكن أعضاء مجلس الإدارة وحتى وزير الطاقة أكد أنك لم تخبرهم؟
ولد قدور: لا سيدي الرئيس أحضرنا كل ما يثبت ذلك من وثائق وهي عندكم، فقد قمنا بمراسلة جميع الأطراف والجهات المعنية وتصرفنا بكل شفافية، زد على ذلك هل نقوم بشراء البترول من الخارج أو نقوم نحن بتصفية البترول الجزائري؟
القاضي: شركة سوناطراك قامت سنة 2018 بعملية شراء مصفاة “AUGUSTA” الإيطالية من الشركة الأمريكية “إيكسون موبيل” EXXON MOBIL، بقيمة مالية قدرها بـ700 مليون دولار أمريكي وهي قيمة مبلغ العرض لكن هذه القيمة ارتفعت لتصل عند تاريخ 31 ديسمبر من نفس السنة إلى أزيد من 2 مليون دولار وهو ما يمثل أكثر من ثلاث مرات القيمة الأولية؟
ولد قدور: سيدي الرئيس قيمة مصنع مصفاة “اغوستا”، تقدر بـ733 مليون دولار، أما المبلغ المتبقي والمتمثل في مليار و330 مليون دولار هي مصاريف الاستغلال المتعلقة بمخزون المنتوج، قطع الغيار وشهادات المطابقة مع البيئة والضمان الجمركي، مما جعل المبلغ الإجمالي يصل إلى 2 مليار دولار.
القاضي: هل ما قام به البنك الفرنسي لشراء مصفاة “أوغيستا” كان في المستوى؟
ولد قدور: نعم سيدي الرئيس البنك كان مؤهلا لمرافقة المشروع وقد وجهنا آنذاك رسالة إلى الوزير الأول أحمد أويحيى وذلك بعلم من وزير الطاقة والمناجم من أجل الإسراع بالنظر للفرصة التي حصلنا عليها.
القاضي: لكن جميع إطارات سونطراك والخبرة تؤكد أن المشروع فاشل؟
ولد قدور: نحن لم نخطط للمشروع حتى نرضي الجميع، بل اتبعنا استراتيجية للنهوض بشركة سونطراك ومنه الاقتصاد الجزائري، كما كان مخططنا الاستراتيجي مسطرا إلى غاية 2030 لتحقيق الهدف المنشود.
القاضي: المصفاة عمرها يزيد عن 70 سنة، ما يثبت اهتراء المصفاة قبل وصولها أصلا إلى الجزائر، فكيف تمت دراسة مشروع شرائها خلال 3 أيام فقط ألا يستلزم انتقال تقنيين في الصيانة إلى أوغيستا الصقيلية لمعاينة هذه الآلة؟
ولد قدور: أولا الدراسة لم تتم في 3 أيام، كما طلبنا من شركة “إيكسون موبيل” “EXXON MOBIL ” برمجة الزيارة، إلا أنها لم تفعل ذلك وقمنا نحن بتوجيه دعوة الزيارة إلى الجزائر لعقد الاتفاق.
وخلال مواجهة القاضي زوجة عبد المومن ولد قدور بالحلي والمجوهرات والأحجار التي من الممكن أن تكون كريمة بقيمة مالية فاقت مليارا و600 مليون وكذا المبالغ المالية بالعملة الوطنية والأجنبية تقدر بـ420 مليون سنتيم والمقدرة خلال تفتيش المنزل العائلي، ردت المتهم “أ .أنيسة”، بأن المجوهرات والحلي هي من ثمرة عملها كأستاذة في الجزائر وقطر “كما أنه لم يتم حجز صفائح الذهب عندي بل هي كلها من عرق جبيني وملك أمي وجدتي”.
القاضي: هل ساهم زوجك في شراء هذه المجوهرات والحلي؟
المتهمة: نعم “زوجي اشترى لي في “عرسنا”، ولكن في معظم الأوقات أنا من يقوم باقتنائها لأن زوجي ليس له ذوق”.
القاضي: ماذا عن 400 مليون سنتيم التي تم العثور عليها خلال تفتيش المنزل؟
المتهمة: هي مبالغ تم تخصيصها لدفع مستحقات الموظفين وعون الحراسة.
القاضي: وماذا عن الشركات الأربع التي يحوزها زوجك في لبنان؟
المتهمة: لا أعرف سيدي الرئيس.
مستشار ولد قدور: أنا مكلف بالجانب التجاري وليس بصلاحية المصفاة
صرح مستشار الرئيس المدير العام لشركة سوناطراك أحمد الهاشمي أمازيغي، خلال استجوابه من طرف القاضي، بأن فكرة شراء مصفاة قد طرحت انطلاقا من سنة 2004 وقد سبق التخطيط لبناء عدة مركبات في سنة 2007 منها مصفاة تيارت، ووحدة تكرير النفطة NAFTA، وتكرير بقايا التكرير “FUEL”.
وأوضح أنه لم تكن هناك أي مناقصة وذلك بين سنوات 2010 و2017 لأن تكلفة استيراد الوقود كانت تقدر بـ16 مليار دولار خلال هذه المدة، مؤكدا أن فكرة اقتناء أو شراء مصفاة من الخارج هي فكرة قديمة لأنها تعود بفائدة نظرا للاستعمال المباشر لها وبثمن أقل وفي أقصر مدة، وكان ولد قدور عبد المومن في سنة 2017 هو أول من وضع مجموعة عمل تتعلق بالبحث عن طريقة للإنقاص من فاتورة الوقود وطرح فكرة شراء مصفاة من الخارج بعد وصوله إلى شركة سوناطراك.
القاضي: لماذا لم تعاينوا المصفاة قبل نقلها إلى الجزائر؟.
أمازيغي: لأن البنك هو المكلف بذلك، أنا طلبت من الشركة في أول اجتماع معاينة المصفاة وهم طلبوا مني التريث وبعدها وجهت لهم دعوة لزيارة الجزائر لعقد الاتفاق.
القاضي: اشترينا مصفاة بـ2 مليار ولم تعاينوها لحد الساعة لم تجب أنت وولد قدور على السؤال؟
أمازيغي: أنا “خاطيني” الجانب التقني وأنا عندي أوامر التكليف بمهمة، كما أنني مكلف بالجانب التجاري فقط.