اسمحوا لي!
حين أفكر في الجزائر، وأسمع غير الجزائريين يتحدثون عنها من خلال ما يعرفون عنها من الكتب، أرى الجزائر كما هي، وكما يجب أن تكون بلدا عظيما لا يرضى إلا بعظائم الأمور، ولا يطمئن إلى صغائرها، وأن يثور ويضطرب إن أكره على الصغائر ودفع إليها، وهنالك أفكر في مصدر هاته العظمة فلا أراها بعيدة ولا غريبة، وإنما أراها قريبة سهلة تتصل بطبيعتها المادية وبتاريخها وموقعها الجغرافي.
إن عظمة الجزائر تكتنفها من جميع جوانبها عظمة الصحراء والبحر، كما يتصل بتاريخها الذي قد يعرفه الأجانب أكثر ممّا نعرفه، وللأسف يقدرونه أكثر مما نقدره، والذي كثر القول في مكانته الرفيعة بين تواريخ الأمم والأجيال. إن الجزائر مهد الثورات وقبلة الثوار ولا يشك أحد في ذلك، وهي التي بسطت سلطانها السياسي على كثير من الأقطار ودافعت عن كثير من المستضعفين عبر مراحل تاريخية مختلفة وقد قاومت الطامعين فيها والمغيرين عليها، فقد خرجت من المحن كما دخلت فيها عزيزة قوية كريمة ولا يجادل في ذلك أحد.
صدقوني إن الجزائر عظيمة وشعبها عظيم.. عظيمة التاريخ، ولكن بعض مسؤوليها وأهلها يجهلون هذا التاريخ جهلا مخزيا. يجهلون من أمر الجزائر مما يعلمون فيرونها صغيرة ويرون أنفسهم صغارا وهي كبيرة من حقهم أن يكونوا معها كبارا، والأجانب يعلمون من أمر الجزائر ومن أمر الجزائريين أكثر مما نعلم نحن، فلهم فينا وفي بلدنا رأي أحسن من آرائنا.
صدقوني إني أتمنى أن أكون في بعض الأحيان معلما لأرسم في قلوب الجيل الصاعد من أحداثنا صورة للجزائر تطابق حقيقتها، صورة الجزائر الخالدة التي لا ترضى من أبنائها إلا بالأعمال العظيمة، والآمال البعيدة الباسمة، وسأكون سعيدا وفخورا لو تحقق لي ذلك.. كم أحبّ أن يشعر الشباب بأن وطنهم عظيم، وأن لا يسيغ من أبنائه أن يكونوا صغارا، فإما أن يعظموا مثله، وإما أن يلتمسوا لأنفسهم مهاجرا في وطن من تلك الأوطان الصغيرة التي تقنع من أبنائها من صغر الأعمال.
بتصرف: عيسى فراق
..والله يا أخي عيسى، كلماتك تـُبكي القلوب الميّتة وتـُدمع الحجر، ولعلّ أتعس ما نشعر به، هو عندما نكون وسط أجانب مهما كانت جنسياتهم، ودينهم وملتهم، فيبدأ “إخوان” لنا في “تمزيق” هذه البلاد المسكينة، ثم يصححون ويقولون أنهم يقصدون “العباد” وحاشى البلاد!
عندما تلتقي أجانب هنا بالجزائر، أو خارجها، لا تسمعهم أبدا ينتقدون بلدهم ويهاجمونه، مهما كانت الرداءة والفضائح والصراعات، لكن بعضنا للأسف، يحلو لهم العبث بالطبخة، عندما يُجالسون الغرباء، فيتفننون في تحريك الخناجر والمناشير والسيوف.. وإذا استغرب غريب وقال لهم: عيب عليكم هذا بلدكم، قالوا: هذه “حرية تعبير”(..) تفتقدها في بلدك.. فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.. وبعدها لا “اسمحوا لي” ولا هم يحزنون!