اغتصاب في قلب العاصمة
لا أدري، في أي خانة، يمكن أن نصنّف الجريمة البشعة والمثيرة، التي ارتكبها شاب قي قلب العاصمة، عندما ابتز العشرات من الشابات، فسرق أغراضهن وهتك أعراضهن، وصوّر جرائمه في حقهن، وعرضها على مواقع إباحية؟
ولا أدري، إن كان هذا الشاب، الذي لم تزد سنه عن السابعة والعشرين، هو “شمشون” زمانه، بدهائه وقوته وحيلته، أم إن الفريسات، كنّ بلهاوات، إلى درجة أنهن سلّمن كل ما تملكن لهذا العابر، للسبيل وللسرير ولأسرار مدينة بحجم عاصمة؟ أم إن المجتمع بكل أطيافه من إعلام ورجال دين وأسرة وسلطة، بكل أنواعها، هي التي فتحت المجال لمثل هذا الشاب، الذي أكد أسلوب حياة، صار يتبّعه الكثير من المجرمين في الجزائر، إذ لا يكتفون بجريمة واحدة، بل يقومون بجرأة متناهية بارتكاب العشرات من الجرائم، وفي كل واحدة منها، يقرنون أفعالهم بسبق الإصرار والترصد.
المجرم في الجزائر لم يعد يحتاج إلى خبرة، وخيال، ودراسة للوسط وللمحيط ولا للمجتمع، فقد اعتمد هذا الشاب الذي اغتصب أمّة بأكملها، على حساب عادي على الفايس بوك، يستدرج به ضحاياه، من خلال كلام الغرام الذي لا أحد يصدقه في عالم الحقيقة، فما بالك في العالم الافتراضي، ومسدس من البلاستيك، ومن دون أن يستعين بمساعد، يقود سيارته بعد أن يُتخمها بالبنات والنساء، ويُقدم على ارتكاب جريمته.
وما قالته إحدى ضحاياه لمصالح الأمن في دالي براهيم، يدلّ على أنه بقدر ما يتقوّى المجرمون عندنا بساديتهم، بقدر ما يستضعف الضحايا بمازوشيتهم، فقد اتهمت الضحية هذا المجرم الشاب وهو في نفس عمرها، باستدراجها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإجبارها بلسانه قبل قوته على ركوب سيارته، وسرقة أغراضها من مال ومصوغات وهاتف نقال، وباغتصابها وضربها وتصويرها وابتزازها بعد ذلك نظير عدم نشر لقطاتها الخليعة على الشبكة العنكبوتية؟
لقد تجرّأ الإجرام في الجزائر إلى درجة صرنا نشعر فيها بغياب الشعب والسلطة نهائيا، فمرّة نسمع عن سيدة تنشئ إمبراطورية للرق الأبيض في قلب سكنات اجتماعية، ومّرة نسمع عن شاب يذبح صديقه وسط جمع من المواطنين، وآخر يقتحم مساكن جيرانه في وضح النهار، وهاهو هذا الوحش الكاسر، يهتك الأعراض، منذ خريف العام الماضي، ولا يجد من ينهاه عن المنكر، لا بيده ولا بلسانه ولا حتى بأضعف الإيمان.
لا أدري إن كان هذا الشاب وحده من اغتصب هذه الأمة من بناتنا؟ ولا أدري إن كان للمحيطين من حوله بصمتهم دور في هذه الجريمة البشعة، التي تناقلتها حتى وسائل إعلام عربية وغربية على أساس أنها فريدة من نوعها؟ ولا أدري إن لم يكن لضحاياه أيضا ذنب، في هذه القنبلة الأخلاقية؟
نقرأ في سورة المائدة في قوله تعالى: “من قتل نفسا بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، فنعرف بسهولة أن هذا السفاح قتلنا جميعا، وأننا لم نسع لإحياء الناس جميعا.