الرأي

اغتيال‭ ‬عـُمق‭ ‬الجزائريين‮!‬

جمال لعلامي
  • 4621
  • 15

لامني أحد القراء الكرام، لأنني استخدم كلمات من التراث الشعبي الأصيل، ولامني أيضا لأنني أقتبس من قاموس الحكم والأمثال الشعبية، ويعتقد صاحبنا أن هذه الكلمات تمسّ بسمعة اللغة العربية، وتضرب العمل الصحفي في الصميم، ويزعم أن هذه الكلمات هي كلمات “الحيطيست”، ولا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬كذلك،‭ ‬فلا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوّة‭ ‬إلا‭ ‬بالله‭ ‬العظيم‭!‬

معتزون يا أخي الكريم لأننا نكتب كلمات يفهما البطالون والفقراء والزوالية وعامة الناس، ومنهم الأميون، وفخورون لأننا نكتب لهؤلاء وغيرهم من شرائح المجتمع، الذين علينا أن نخاطبهم بما يفهمون، وليس بما تفهم “النخبة” فقط، وجماعة المكاتب المكيفة والصالونات والصعود إلى‭ ‬المريخ‭!‬

مصيبتنا أننا نتكلم إلى بعضنا البعض ـ في كثير من الأحيان ـ بلغة يفهما البعض ولا يفهمها البعض الآخر، والمعضلة أن بعضنا يتكلم كثيرا ويفهم قليلا، والطامة الكبرى أن لغة الشعب والأجداد تحوّلت في نظر هذه العيّنة من “الفاهمين” إلى “لغة سوق ومقاه وشارع”(..)، ينبغي محاربتها‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬بعدما‭ ‬حُوربت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري،‭ ‬فكانت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الاتصال‭ ‬الفردي‭ ‬والجماعي‭ ‬حتما‭ ‬مقضيا‭!‬

يا أخي.. الكلمات التي تلومها هي الكلمات التي استخدمها أجدادنا وآباؤنا، وخاطبوا بها الاستعمار فهزموه، بعدما حاول مسخها وفسخها، وهي الكلمات التي يتكلم بها الجزائريون في بيوتهم ولقاءاتهم ومناسباتهم، بكلّ افتخار واحترام، أمّا وأنك تريد ـ مثل الكثيرين ـ التحدث والكتابة‭ ‬بكلمات‭ ‬لا‭ ‬يفهما‭ ‬ولا‭ ‬يتقنها‭ ‬سوى‭ ‬الأكاديميون‭ ‬والتقنيون،‭ ‬والفلاسفة‭ ‬وعلماء‭ ‬الكلام‭ ‬وباحثو‭ ‬اللسانيات‭ ‬واللغات،‭ ‬فأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬توجيهها‭ ‬بكلّ‭ ‬تبسيط‭ ‬ستتعرّض‭ ‬إلى‭ ‬الإجهاض‭!‬

مشكلتنا‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬الحكومة،‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬بلغة‭ ‬غامضة‭ ‬ومشفـّرة،‭ ‬والحكومة‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬لا‭ ‬تستوعب‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الشعب‭ ‬أحيانا،‭ ‬لأنه‭ ‬يُخاطبها‭ ‬بكلمات‭ ‬لا‭ ‬تعجب‭ ‬صاحبنا‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬رفع‭ ‬المستوى‮”‬‭!‬

إن المستوى لا يُقاس بالكلمات ـ وإن كان بعضها يستحق المراجعة ـ وإنما برجع الصدى، وبالقدرة على التأثير والتعبئة، وتبليغ الرسائل في أقصر وقت، وأيضا بنجاح الاتصال بين المخاطِب والمُخاطَب، وهذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال خفض المستوى إلى حدّ استهداف الأخلاق والضمير‭!‬

سعداء بالحديث بما يفهم قراؤنا، حتى وإن انتقدنا البعض، فنحن نكنّ لهم كلّ الاحترام والتقدير، وهذا دليل آخر على أن الرسالة وصلت، وأن مختلف الشرائح فهموها 5 / 5، لأنها اعتمدت في أساسها وهدفها على السهل الممتنع!

علينا أن نعي بأن لكلّ مجتمع عاداتِه وتقاليدَه، وتراثه اللغوي وقاموس لهجاته، وليس عيبا أو عارا أن نكتب بالأمازيغية أو الشاوية أو المزابية أو الشلحية أو الترقية، فكلها عُمق المجتمع، وجزء لا يتجزأ عن اللغة الأم، التي تبقى لغة القرآن واللغة الوطنية والرسمية للجزائريين‭.‬

عيبنا أن بعضنا بدل أن يعمل على إسماع صوته للآخرين بما يسمعون ويفهمون ويتكلمون، فإنه يصرّ على سماع صوته فقط، ولذلك يتحوّل مع مرور الزمن، إلى “أطرش في الزفة”، وفي أحسن الأحوال، إلى مغنّ لا يفهمه أحد، وإذا شاءت الصدفة ووجد من يفهمه، فإن أصواتا ترتفع وتقول: “يا‭ ‬سعدك‭ ‬يا‭ ‬لطرش‮”‬‭!‬

مثلما ينبغي محاربة المطالبين بقمع لغة الكتب والموسوعات العلمية والمجلات المتخصصة، يجب بالمقابل مطاردة المحرّضين على دفن “تراث الشعب”، واغتيال أمثاله وحكمه التي يستحيل لمن ينتقد استعمالها، أن يُثبت براعته وإبداعه، فيخترع لنا بديلا لها، قادرا على الاستمرارية‭ ‬لقرون‭..‬‮ ‬عندها‭ ‬سنترك‭ ‬الصناعة‭ ‬الساخرة‭ ‬ونعترف‭ ‬بالخطيئة‭! ‬

مقالات ذات صلة