اغتيال أنس الشريف: حين تتحول الكاميرا إلى هدف عسكري وتصبح الكلمة جبهة مقاومة..
في غزة، لا فرق بين مقاتل يحمل بندقية، وصحفي يحمل كاميرا، وطبيب يحمل حقيبة إسعاف. جميعهم أهداف على قائمة الاغتيال الإسرائيلية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، الذي تحوّل من ناقل للحقيقة إلى شهيد في ميدانها، بعد أن نُفذ بحقه وعيد الاحتلال الذي هدده بالقتل.
اغتياله ليس حادثًا عابرًا، بل فصل جديد في حرب إسرائيل على الوعي، وحلقة في سلسلة طويلة من الجرائم التي تستهدف الشهود قبل المقاتلين، لأن إسرائيل تدرك أن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الرصاص.
خلفية الاغتيال: التهديد قبل التنفيذ
قبل أيام من استشهاده، تلقى أنس الشريف تهديدًا مباشرًا من الاحتلال، تحذيرًا له من مواصلة عمله. كان يدرك أن هذا التهديد ليس مجرد ضغط نفسي، بل قرار ميداني مُعد مسبقًا.
ومع ذلك، رفض الانسحاب من الميدان، واستمر في توثيق الجرائم، متنقلًا بين المستشفيات ومناطق القصف، مصورًا اللحظات التي حاول الاحتلال دفنها تحت الأنقاض.
في صباح يوم الاغتيال، استهدف قصف إسرائيلي دقيق خيمته الصحفية، في عملية تحمل بصمة الاغتيالات الموجهة التي يتقنها الجيش الإسرائيلي. بهذا، نفّذ الاحتلال وعده: إسكات عين الحقيقة.
لماذا تخشى إسرائيل من عدسات الصحفيين؟
الاحتلال يدرك أن الكاميرا ليست أداة توثيق فحسب، بل سلاح استراتيجي في زمن الإعلام الرقمي.
الصور القادمة من غزة تملك قدرة على قلب الرأي العام العالمي، وكسر الجدار الحديدي للدعاية الإسرائيلية.
فالمشهد الذي يلتقطه مراسل ميداني — أم تبحث بين الركام عن أطفالها، أو جنازة لشهداء قصف عشوائي — لا يمكن لأي بيان عسكري أن يمحوه من ذاكرة المشاهد.
في الحروب التقليدية، كانت المعركة تحسم على الأرض. أما في الحروب الحديثة، فإنها تُحسم أيضًا في الفضاء الإعلامي. وهذا ما يجعل الصحفي الميداني الفلسطيني خصمًا لا يقل خطرًا عن المقاتل، وربما أشد تأثيرًا على المدى الطويل.
222 صحفيًا… الرقم الذي يهز صورة “الدولة الديمقراطية”
بحسب توثيقات النقابات والهيئات الحقوقية، بلغ عدد الصحفيين المستهدفين منذ بدء حرب الإبادة على غزة 222 صحفيًا، بين شهيد وجريح ومفقود.
هذا الرقم يكشف أن استهداف الصحافة لم يكن خطأ عرضيًا، بل سياسة ممنهجة.
في القانون الدولي، استهداف المدنيين — ومنهم الصحفيون — يعد جريمة حرب، لكن في الميدان الفلسطيني، تحوّل إلى أداة يومية في يد الاحتلال.
إسرائيل لا تريد فقط إسكات الصوت، بل تريد محْو الأرشيف. الصور والفيديوهات التي يسجلها الصحفيون قد تكون أدلة دامغة في محاكم دولية مستقبلية، ولهذا يسعى الاحتلال إلى منع إنتاجها قبل أن تولد.
شهادات من الميدان: عندما تصبح التغطية رسالة حياة أو موت
يقول الصحفي الميداني (م.ع) — الذي نجا من استهداف مباشر في حي الشجاعية —:
“لم نعد نغطي الحرب فقط، نحن جزء منها. كل مرة نخرج بالكاميرا، نعلم أن القناصة قد يختاروننا هدفًا. لكننا نعرف أيضًا أن العالم يحتاج أن يرى، وإذا توقفنا، سنكون قد منحنا الاحتلال هدية العمر.”
ويضيف مصور آخر من شمال غزة:
“أحيانًا أترك الكاميرا وأساعد في إخلاء الجرحى، لكن حتى في تلك اللحظة، أشعر أن الاحتلال يراقبني. هم يعرفون أن عدستي أخطر من سلاح”.
هذه الشهادات تكشف أن الصحافة في غزة لم تعد وظيفة، بل خط دفاع متقدم عن الحق في الوجود.
الحصار: مختبر الإبادة البطيئة
منذ 18 عامًا، يعيش قطاع غزة تحت حصار شامل، لكنه منذ عامين تحوّل إلى نموذج تطبيقي للإبادة البطيئة.
الحصار ليس فقط منعًا للغذاء والدواء، بل هندسة شاملة لتدمير المجتمع:
قطع الكهرباء لشل المستشفيات.
منع الإمدادات الطبية لزيادة الوفيات.
إغلاق المعابر لخنق الاقتصاد.
هذا الحصار، إلى جانب القصف، يخلق بيئة مثالية لطمس الجرائم، لأن الناس تصبح مشغولة بالبقاء على قيد الحياة أكثر من توثيق ما يجري.
الضفة وغزة: وحدة الجريمة
قد يبدو المشهد مختلفًا جغرافيًا، لكن في منطق الاحتلال، الضفة وغزة ملف واحد.
في غزة، تُمارس الإبادة العلنية بالقصف. وفي الضفة، تُمارس الإبادة الصامتة عبر الاستيطان، وهدم البيوت، ومنع التغطية الإعلامية.
الهدف واحد: إخفاء الجريمة في مهدها.
حتى أدوات السيطرة متشابهة:
في غزة: قتل الصحفيين وتدمير البنية الإعلامية.
في الضفة: اعتقال المراسلين، ومصادرة معداتهم، وفرض قيود على التنقل.
فشل إستراتيجيات الاحتلال: من “عربات جدعون” إلى الأرض المحروقة
خلال العامين الماضيين، جربت إسرائيل كل أشكال الحرب:
عمليات خاصة (عربات جدعون).
قصف شامل بأسلوب الأرض المحروقة.
حرب التجويع والحصار.
لكن أمام كل هذه الاستراتيجيات، صمد الفلسطينيون.
المقاوم في النفق، الطبيب في الميدان، الصحفي خلف الكاميرا… جميعهم شكلوا جبهة متكاملة، تثبت أن الإرادة لا تُقصف.
البعد الدولي: من المستفيد من الحصار؟
الحصار على غزة لا يخدم إسرائيل وحدها.
قوى غربية تستفيد من إضعاف المقاومة لضمان مصالحها الإقليمية.
أنظمة عربية ترى في غزة المحاصرة ضمانة لبقاء أنظمتها بعيدًا عن ضغوط شعوبها.
بهذا، يتحول الحصار إلى أداة جيوسياسية، وليس مجرد إجراء أمني.
اغتيال الشهود: الجريمة المزدوجة
في اغتيال الصحفيين، ترتكب إسرائيل جريمتين:
1. قتل المدنيين المحميين وفق القانون الدولي.
2. قتل الشهادة التي يمكن أن تفضحها أمام العالم.
لكن ما لم تدركه إسرائيل، أن كل صحفي تستهدفه يتحول إلى رمز عالمي، وأن كل صورة نجت من القصف تصبح وثيقة خالدة.
التغطية مستمرة: الوعد الذي لا يموت
رغم القصف والاغتيالات، يصر الصحفيون الفلسطينيون على مواصلة عملهم.
“التغطية مستمرة” ليست شعارًا، بل قسمًا وطنيًا، ووسام شرف في معركة الرواية.
أنس الشريف غاب جسدًا، لكنه حاضر في كل صورة، وكل تقرير، وكل لحظة صادقة خرجت من غزة.
وفي الخاتمة: الحقيقة لا تُغتال
إسرائيل قد تملك القوة لتدمير الأبراج الإعلامية، لكنها لا تملك القدرة على قتل الحقيقة.
في عصر تتدفق فيه الصور والمقاطع من كل هاتف محمول، لم يعد من الممكن إخفاء الجرائم.
ومهما طال الحصار، سيبقى الفلسطينيون — صحفيون ومواطنون — شهودًا على العصر، يكتبون بدمائهم ما يعجز الساسة عن صياغته.
لؤي صوالحة