اقتصاد الجزائر ينبت من حقولها.. هل تتحول الجزائر إلى قوة فلاحية حقيقية؟
هل يمكن لبلدٍ ظلّ يعتمد لعقود على الريع النفطي أن يعيد بناء اقتصاده من التربة والماء؟ وهل تمتلك الجزائر، بثرواتها الزراعية والمناخية والبشرية، القدرة على التحول إلى قوة فلاحية قادرة على تحقيق السيادة الغذائية ومنافسة القوى الزراعية الصاعدة في إفريقيا؟
سؤال يطرحه المراقبون كلما تعالت الأصوات الرسمية “بتحويل الجزائر إلى قوة فلاحية لا يُستهان بها”.
رؤية استراتيجية للسيادة الغذائية
منذ تعيينه على رأس وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري خلفًا لسابقه يوسف شرفة، رفع الوزير ياسين وليد سقف الطموح بإعلان مشروع متكامل لتحويل الجزائر إلى قوة فلاحية لا يُستهان بها. فالرؤية الجديدة، كما أكد في أكثر من مناسبة، تقوم على جعل الفلاحة “قاطرة للتنمية الاقتصادية” لا مجرد قطاع مكمل، عبر ربط الأمن الغذائي بالتحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
وفي كلمته خلال افتتاح الندوة الوطنية حول تجديد السياسة الفلاحية، أوضح وليد أن الهدف هو بناء فلاحة حديثة ومستدامة تمتد آفاقها إلى سنة 2060، قادرة على تلبية حاجيات أكثر من 65 مليون نسمة مستقبلاً. “نقف اليوم أمام معادلة صعبة ولكنها غير مستحيلة”، قال الوزير، قبل أن يضيف بنبرة حازمة: “حان الوقت للتحضير لثورة فلاحية حقيقية تستند على العلم والتكنولوجيا والإرادة القوية”.
غير أن هذه الرؤية بعيدة المدى تطرح تساؤلاً محوريا: ما هي الآليات التنفيذية، والإجراءات العملية الدقيقة، وخارطة الطريق قصيرة ومتوسطة الأجل التي ستعتمدها الوزارة لترجمة هذا الطموح الزراعي إلى واقع اقتصادي ملموس يعزز الإنتاج الوطني ويولّد القيمة المضافة؟
في صلب هذه الثورة الزراعية، يبرز طموح واضح: رفع مردود الهكتار الواحد إلى 35-40 قنطارًا خلال خمس سنوات فقط، من خلال تعميم استعمال البذور المحسنة وتبنّي الزراعة الذكية كمنهج إنتاجي جديد يعتمد على المعطيات الدقيقة والابتكار التقني.
في سياق هذا التحول، عقدت الوزارة الندوة الوطنية حول تجديد السياسة الفلاحية، التي خلصت إلى أكثر من 300 توصية عملية تستهدف تحديث القطاع جذريًا. شارك فيها خبراء محليون ودوليون وممثلون عن القطاعات الاقتصادية، في محاولة لتصميم سياسة فلاحية جديدة تتجاوز الإطار الإداري نحو منطق الاقتصاد الإنتاجي.
وخلال اجتماعٍ تحضيري لهذه الندوة، شدد الوزير ياسين وليد على ضرورة “إعادة النظر في هيكلة القطاع برمّته، خصوصًا المؤسسات التابعة للوصاية التي لم تتغير منذ الاستقلال”. وأكد أن الرقمنة وإدماج التكنولوجيا الحديثة باتا شرطًا لبناء قطاع يعتمد على المعلومة الآنية والتحليل الدقيق في اتخاذ القرار.
التوصيات ركزت كذلك على تبسيط الإجراءات الإدارية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وإطلاق شراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب إدخال أنظمة رقمية للإحصاء وتتبع الإنتاج، وآليات تمويل جديدة تسهّل ولوج الفلاحين إلى رؤوس الأموال.
وعد الوزير حينها بأن كل توصية “لن تبقى على الورق” بل ستتحول إلى “برنامج تنفيذي ميداني” ضمن خريطة طريق وطنية لإعادة بناء القطاع على أسس الكفاءة والابتكار.
وجهة نظر الخبراء: تقييم السياسات الزراعية الحالية
انتقد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة السياسات المعتمدة في اللقاءات الكلاسيكية بين وزارة الفلاحة والفلاحين، مشيرًا إلى أن أسلوب الاستماع إلى عشرات الفلاحين من جميع ولايات الوطن الواحد تلو الآخر في ندوة لا يُفضي إلى حلول عملية.
وأوضح بوخالفة في تصريح لـ “الشروق أونلاين” أن اعتماد لقاءات مهنية لمجموعة خبراء في كل شعبة فلاحية، مع وضع خارطة طريق واضحة وفترة تنفيذ محددة، يُعد أكثر فعالية في تطوير الشعبة وإيجاد حلول عملية بدل المطالب الفردية العشوائية.
الغرس العشوائي.. جريمة بحق المنظر العام
أشار بوخالفة إلى سياسات الغرس العشوائي للأشجار، لافتًا إلى أنه من العيب غرس النخيل والأشجار الصحراوية في المناطق الساحلية، ما اعتبره “جريمة في حقّ المنظر العام”، أو غرس الحمضيات في مواقع غير مناسبة كالهضاب العليا. وأكد أن كل عملية غرس يجب أن تراعي ثلاثة جوانب: اقتصاديًّا (الثمار)، وجماليًّا ومجتمعيًّا (الظل)، وبيئيًّا (مكافحة التصحّر وضخ الأكسجين)، مُذكّرًا بالاقتداء بمختصين في مجال الغرس على غرار فؤاد معلى، رئيس جمعية “الجزائر الخضراء”، مشيدًا بحملة غرس مليون شجرة التي راعى فيها غرسَ كل شجرة في المنطقة المخصّصة لها.
كما طالب بوخالفة بمراقبة العلاقة بين البلديات والمتعاملين الخواص المعنيين بالغرس، محذرًا من لجوء بعض البلديات لغرس أنواع محددة من أشجار بأثمان باهضة تصل لـ “30 مليون سنتيم (كبعض أشجار النخيل) لتفادي متابعة عمليات السقي والمراقبة، مؤكدًا أن التخطيط العلمي والغرس المدروس هو الطريق لضمان استدامة القطاع.
ودعا بوخالفة إلى اعتماد سياسة سقي متطورة ومدروسة، على غرار السقي بالتنقيط والتقطير، مشددًا على أن توفير الدولة لمحطات تحلية مياه البحر ومصادر جديدة للمياه لا يعني التبذير أو العشوائية في السقي.
الإنتاج الفلاحي الجزائري.. فرص كبيرة وتحديات التسويق
كما أشار إلى تجربة فلاح جزائري تمكن من تحويل البطاطا إلى مادة خبز صالحة للاستهلاك، ودعا الخبير الفلاحي إلى تعميم هذه التجربة وتطويرها.
المقومات الطبيعية.. ثروة بحجم قارة
تبدو مقومات الجزائر الفلاحية هائلة، لكن غير مُستثمرة بما يتناسب مع إمكاناتها. فوفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في البلاد ما بين 41.3 و44 مليون هكتار، أي نحو 3.5% من إجمالي الأراضي الزراعية في إفريقيا، و0.9% من الإجمالي العالمي.
ورغم هذا الرصيد الضخم، لا تُستغل فعليًا سوى 8.5 ملايين هكتار، وهو رقم يعكس فجوة واضحة بين الإمكانات والواقع.
الخبير الفلاحي مصطفى بناوي يرى أن “المشكلة ليست في الأرض، بل في كيفية إدارتها”، داعيًا إلى تبني مقاربة علمية تعتمد على التحول الرقمي والزراعة الدقيقة لرفع الإنتاجية وضمان الاستدامة.
وتتنوع الجغرافيا الجزائرية من السواحل المتوسطية الخصبة شمالًا إلى السهوب والمناطق الصحراوية جنوبًا، ما يجعلها نموذجًا مصغرًا لمناخات إفريقيا الزراعية كلها.
وفي السياق البيئي، كشفت صبرينة راشدي، مديرة استصلاح الأراضي والتشجير بالمديرية العامة للغابات، أن الغطاء الغابي الوطني يبلغ 4.1 ملايين هكتار (2% من مساحة البلاد)، وتسعى الجزائر لرفعه إلى 16% وفق المعايير الدولية، من خلال برامج تشجير واستصلاح واسعة تهدف إلى تعزيز التوازن البيئي ودعم المرونة المناخية للنشاط الفلاحي.
البنك الوطني للجينات.. خطوة استراتيجية نحو الأمن الغذائي
في محور مرتبط بالتحول التكنولوجي واستدامة الموارد الجينية، كشف وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين المهدي وليد، عن دخول البنك الوطني للجينات حيّز الخدمة مع نهاية عام 2026.
وفي رده على سؤال شفوي حول البذور الهجينة، أكد الوزير أن هذه البذور أثبتت قدرتها في رفع مردودية الإنتاج وتحسين الجودة، مشيراً إلى أن استخدامها خيار استراتيجي في تطوير التكنولوجيا الزراعية.
وشدد على أن القطاع يولي أهمية للاستعمال الواعي للبذور المحلية والمهجنة بهدف تحقيق الأمن الغذائي والحفاظ على التراث الجيني النباتي، كاشفاً أن الجزائر من الدول القليلة التي تحظر استعمال وتسويق البذور المعدّلة وراثياً.
وأوضح أن استعمال البذور المهجنة من الجيل الأول يخضع لرقابة دقيقة يشرف عليها المركز الوطني لمراقبة البذور والشتائل وتصديقها.
وفي ظل هذا الطرح، ورغم التأكيد الرسمي على الرقابة الصارمة واستراتيجية تطوير البذور الهجينة مع الحفاظ على التراث الجيني، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن المنظومة الحالية، بآلياتها التنظيمية والعلمية، من تحقيق توازن فعلي بين الدفع نحو التكنولوجيا الزراعية الحديثة وبين حماية السيادة الجينية للجزائر على المدى الطويل؟
بين الأرض والإدارة.. الطريق نحو “القوة الفلاحية” لا يخلو من عقبات
يواجه القطاع تحديات هيكلية متجذرة، أبرزها ضعف الإنتاجية في بعض المحاصيل، والتفتت العقاري، وغياب التنسيق بين الهياكل الإدارية، إضافة إلى نقص الاستثمارات في البنية التحتية الزراعية وسلاسل التبريد والنقل.
كما يظلّ عامل المياه نقطة ضعف مركزية، في بلدٍ يشهد تفاوت كبير في التوزيع الجغرافي للموارد المائية. وتبقى الحلول رهينة بالقدرة على تبني تقنيات الريّ بالتنقيط، وتدوير المياه، والتحكم في الاستغلال المستدام للموارد الجوفية وكذا استغلال محطات تحلية المياه، بالإضافة إلى دعم إنشاء مخازن التبريد والاعتماد على الصوامع الاستراتيجية لتخزين الحبوب للحفاظ على المحاصيل الزراعية وتجنب تلفها، حيث تم الإعلان مؤخرًا عن مشروع إنجاز 30 صومعة استراتيجية بسعة 100 ألف طن، والشروع في إنجاز 350 مركزاً جوارياً لتجميع الحبوب، كما لا يجب إهمال تقديم حلول عملية للمستثمرين الفلاحيين.
الوزير يعترف بهذه التحديات، لكنه يرى فيها “فرصة لإعادة بناء النموذج الإنتاجي”، مشددًا على أن “التحول الفلاحي لن يتحقق إلا عبر إصلاح أنماط الإنتاج والتسويق وإرساء علاقة متوازنة بين الفلاح والمصنّع والموزع والمصدر”.
الاقتصاد الأخضر.. رهان المستقبل
تتضمن الإستراتيجية الجديدة حزمة من الإجراءات العملية لتهيئة القطاع لمرحلة التحول النوعي، من بينها:
- إنشاء مناطق فلاحية نموذجية في الجنوب والهضاب العليا تعتمد على الطاقة المتجددة والتقنيات الذكية.
- توفير قروض ميسّرة للمزارعين لتحديث المعدات.
- إدماج الذكاء الاصطناعي والرقمنة في تتبع الإنتاج وتحليل الأسواق.
- دعم الصناعات التحويلية لتقليص الفاقد وتعزيز القيمة المضافة محليًا.
- تطوير الشراكات الدولية في مجالات الزراعة الدقيقة والاستصلاح المستدام.
تلك الإجراءات تُمثل ملامح مشروع اقتصادي متكامل يهدف إلى كسر التبعية الغذائية وتأسيس منظومة إنتاجية وطنية قادرة على المنافسة والتصدير.
من الطموح إلى القدرة
ختاما، ووفقا لخبراء في المجال، فإن المؤشرات الميدانية تقول إن الطريق لا يزال طويلا لتحقيق الأهداف المسطرة، لكنه بدأ يُشق بخطوات عملية. فالمقومات الطبيعية ضخمة، والرؤية السياسية واضحة، لكن النجاح مرهون بمدى قدرة الإدارة على مواكبة التحول بعقلية جديدة تُؤمن بالحوكمة الرقمية والشفافية والابتكار.
والوزير الشاب ياسين وليد يراهن وفقا لهم، على جيل جديد من الفلاحين، ومؤسساتٍ فلاحية رقمية تزرع المعلومة قبل البذرة، وتحصد البيانات قبل المحاصيل. وإذا نجح هذا التحول في كسر الجمود البيروقراطي الذي لازم القطاع لعقود، فإن الاقتصاد الجزائري قد يجد فعلاً في حقوله المستقبل الذي ظلّ يبحث عنه طويلاً.