الأئمة ممنوعون من إصدار الفتاوى “الشعبوية”
تدخلت وزارة الشؤون الدينية أخيرا لتنظيم مجال الإفتاء بعد انتشار الفتاوى الشعبوية التي أخلطت الحلال والحرام على الجزائريين، وتسببت في تراشق بين الأئمة والمشايخ بين محلل ومحرم في قضايا شغلت الرأي العام على غرار الحراقة والإضراب والدجاج المصروع، وذلك من خلال إجراءات جديدة لمنع الأئمة من الفتاوى الشعبوية وقطع الطريق عن المشايخ الذين يبحثون عن الشهرة..
أكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، في تصريح إلى “الشروق”، أن مصالحه ستصدر بداية الأسبوع المقبل تعليمة لضبط فوضى الفتاوى، وإلزام جميع أئمة مساجد الوطن، بعدم إصدار أي فتوى مهما كان موضوعها ولأي شخص مهما كان إلحاحه، كما يمنع على المساجد، الإفتاء للمصلين أو لوسائل الإعلام في مواضيع اجتماعية تلقى جدلا واسعا من طرف الجزائريين.
وحذر عيسى من التلاعب في مثل هذه الأمور، ولم يستبعد تعرض هؤلاء الذين يبحثون عن الشهرة ولفت الانتباه من خلال إصدار فتاوي على أهوائهم وميولهم ومصالحهم الخاصة، لعقوبات حيث تلزم التعليمة التي ستصدرها الوزارة أن الفتوى في أي شأن من شؤون الحياة في ظل العصرنة، يجب أن تمر على المجلس العلمي لوزارة الشؤون الدينية.

وفي ذات السياق، قال محمد عيسى إن بعض الفتاوي التي صدرت من هنا وهناك حول صعق الدواجن قبل ذبحها، لا يمكن الأخذ بها حاليا، موضحا أن الجزائريين ينتمون إلى المذهب المالكي، الذي يعيب على أن نسأل عن شيء قبل وقوعه، وأكد أن مسألة صعق الدواجن التي أثيرت سنة 2014، عرضت على أعيان ومشايخ غرداية وقيل إنها مسألة يشوبها الكثير من الخلاف في الرأي، وعلى هذا، يضيف، وزير الشؤون الدينية، لا يمكن الإفتاء والفصل في القضية قبل فتح مذبح حكومي لصعق الدواجن والتأكد من أن هذه الطيور تموت قبل ذبحها، وهذا بحضور أهل الاختصاص والمشايخ.
وأكد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، لـ”الشروق”، أن أكاديمية الفقه الإسلامي، سيشرف عليها خبراء، ينتدبون للنظر في الكثير من القضايا منها فوضى الفتاوي، حيث تسعى وزارته إلى تحقيق الإسلام الوسطي والمعتدل الذي تعود عليه الجزائريون، من خلال بناء العلاقة مع الآخر ومحاربة الشبهات والصراع الطائفي. هذا الأخير الذي ينتشر بانتشار البحث عن أي مذهب أنت تنتمي إليه في حين يجب حسب محمد عيسى، ألا نميز بين من ينتمي إلى الإسلام.
وقال إن الشحن الطائفي، ظاهرة خطيرة قد تؤدي إلى انتشار الكره والبغضاء في المجتمع الجزائري، وإن فوضى الفتاوي هي الوقود الذي يزيد نار الفتنة اشتعالا، ولا ينبغي لأئمتنا، خاصة، بحسبه، أنهم عايشوا العشرية السوداء ولهم تجربة عالية حول ظاهرة التطرف، أن ينجروا وراء فتاوي بعض مشايخ المشرق العربي الذين يدمنون الظهور في الفضائيات.
المنسق الوطني لنقابة الأئمة وموظفي الشؤون الدينية جلول حجيمي:
من غير المعقول أن يفتي الإمام في كل شيء

أكد المنسق الوطني لنقابة الأئمة وموظفي الشؤون الدينية، جلول حجيمي، أن مسألة الإفتاء لا ينبغي أن تُسند إلّا إلى أهل الفتوى، حيث إن لها جملة شروط، ومنها أن يكون المفتي مضطلعا بعلوم الشريعة، وبأحوال الناس، والأهم أن يبعد الفتوى عن الخلافات الشخصية.
ووصف حجيمي المفتي بـ “المٌوقع عن رب العالمين” بحسب ما ورد في كتاب ابن قيم الجوزية، وكما يجب أن يكون المفتي مزكى وله احترام من الأئمة، مضيفا بالقول: “المفتي يتحمل مسؤولية فتواه، فلا يخلط بين القضايا الدينية والسياسية”.
ولفت الانتباه إلى أنه سبق لنقابتهم الدعوة إلى تنصيب مفتي الجمهورية “الذي يجب أن تكون سلطته أقوى من سلطة الوزير الأول، حتى لا يخضع له، ويكون صاحب كاريزما وطنيا معتدلا وصاحب مرجعية”، معتبرا أن جميع الدول حتى الأوروبية لها مفتي جمهورية “فلماذا يغيب عندنا؟” يتساءل حجيمي.
ولتبيان دور الأئمة في حل النزاعات المستعصية، أكد المتحدث أن نقابتهم سبق أن أسهمت في حل مشكل غرداية.
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرزاق قسوم:
فوضى الإفتاء أخلطت الحلال والحرام على الجزائريين

اعتبر رئيس جمعية العلماء المسلمين، عبد الرزاق قسوم، أن ما تشهده الساحة من فوضى في الفتوى “ليس في صالح الفتوى ولا الأمة”، معتبرا أنه منذ أنزل الله الإسلام والفتوى موجودة في القضايا الخاصة، سواء في مسألة الصلاة والزواج وغيرها من المسائل، ما أخلط الحلال والحرام على الجزائريين.
وأكد قسوم أنهم ضد الفتوى المطلقة في القضايا العامة، التي لها صبغة جماعية، فالفتوى بحسبه “لابد من أن تكون ضمن هيئة عامة، أو لجنة مكلفة وباتفاق الجميع”، وهذا في إشارة إلى مساندته تعليمة وزير الشؤون الدينية، حول حصر الفتاوي في المجالس العلمية فقط.
إمام مسجد الكاليتوس كمال بعزيز:
العشرية السوداء خير دليل على خطورة فتاوي الأشخاص

أيد إمام مسجد الكاليتوس، كمال بعزيز، تعليمة وزارة الشؤون الدينية وبشدة، معتبرا أن عدم الأهلية في الفتوى، قد يشوش على الناس، معطيا مثلا عن الرجل الذي جاء من خراسان مشيا، ليستفتي الإمام مالك في 40 مسألة، فأجابه في أربع منها، وقال في الباقي: لا أدري، فقال السائل: قد جئتك من بلد بعيد فماذا أقول للناس؟ فقال: قل سألت مالكاً وقال لا أدري. فالأمام يقول محدثنا “رغم رتبته القيمة لم يتجرأ على الفتوى والتعدي على حد من حدود الله عز وجل بغير علم”، إلى درجة أن مسألة الفتوى دون علم قد تدخل صاحبها في الشرك، يؤكد بعزيز.
وتأسف بالقول: “نحن نعيش فوضى في الفتاوي، بعدما صارت تصدر من شطط ومطط، وعلينا الاعتبار مما عشناه في سنوات التسعينيات، بعدما تسببت الفتاوي الضالة في حدوث جرائم بشعة”، متمنيا إنشاء مجمع فقهي لتوحيد الفتاوي وجلب المنفعة العامة، خاصة في مسائل مهمة على غرار التبرع بالأعضاء.