الرأي

الأخطاء القاتلة في مشروع ترمب

صالح عوض
  • 3287
  • 0

في كل مشروع يضع المهندسون احتمالات النقص والزيادة واحتمالات الخطأ والتجاوز وتكون الكارثة أمامهم أن حصلت تغيراتٌ في الواقع لم تكن في الحسبان أو لم توضع بوعي ودقة كأحد معطيات الواقع.. حينئذ يصاب المشروع كله بانتكاسة خطيرة تقتلع معها الواقع وتستبدله بواقع جديد.

هذا بالضبط ما يكتنف مشروع ترمب.. وهنا لابد من التاكيد أن قرار ترمب بإقرار الكيان الصهيوني على ان عاصمته “القدس الموحدة” لم يأت كما يحاول البعض الترويج بانه يعبر عن مزاج شخصي او وفاء لحملة انتخابية.. إن هذا التسطيح يفسد الفهم ويربك العقل ويغطي جريمة كبيرة بكلمات تشبه ما يتناوله البعض هذه الأيام عن مشاهد تلفزيونية مضحكة حول ترمب وكأن الخصومة مع شخص يسكن البيت الابيض الامريكي.. إن موقف ترمب هو ما انتهت اليه مراكز البحث والدراسات الاساسية التي توصلت الى نتيجة بأن محصلة الواقع الاقليمي والدولي تكفي للإعلان عن موقف امريكي صميم بأن القدس عاصمة اسرائيل.

هذه فكرة نحتاج الى شرحها والتركيز عليها لكي لا تتم عملية قتلنا مرتين؛ مرة بالقرار الامريكي ومرة بالخدعة حول كيفية تشكله، فيغيب عنا ما تسير اليه الاستراتيجية الامريكية خلال القرن القادم او على الاقل عشرات السنين.. وهنا النقاش يتجه الى إبراز التطور الاستراتيجي للسياسة الامريكية تجاه المشروع الصهيوني عبر قرن من الزمان وملاحظة ان التطور المستمر يتجه الى تعميق الالتزام باشتراطات جعل المشروع الصهيوني في تفوق نوعي وتحرك بلا قيود في الإقليم.. وهذا منحنى تصاعدي لم يشهد اي تعثر استراتيجي منذ عشرات السنين.. فهو على الصعيد الذاتي ينبثق عن قناعة امريكية تتعمق مع الزمن لصالح المشروع الصهيوني، وعلى الصعيد الموضوعي لعل المنطقة العربية وهي مركز الصراع مع المشروع الامريكي الاستعماري أصبحت اكثر تهيئا لانفاذ خطوة استراتيجية كبيرة كالإقرار بالقدس عاصمة لمشروع الصهيوني.. وكما جاء مشروع وعد بلفور على ارضية سايكس بيكو واسقاط الوحدة الإسلامية، فان وعد ترمب يجيء على أرضية تكسير العراق وتدمير سورية وبعثرة ليبيا واليمن وتقييد مصر.. فيصبح وعد ترمب هو المحصلة الاستراتيجية للشرطين الذاتي والموضوعي.. وهي من جهة ما تقوية معنوية كبيرة للقاعدة المتقدمة للمشروع الامريكي في المنطقة، فاسرائيل هي حامية المصالح الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وستكون هي القوة الاساسية والوكيل عن الادارة الامريكية بكل المنطقة التي تهرول كثيرٌ من انظمتها نحو تقديم الولاء والقبول بما يريده المشروع الصهيوني في المنطقة وليس فقط في فلسطين.. وهذا يعني ان الخطوة المدروسة شملت ايضا ردا موضوعيا على محاولات الروس التمكن من المنطقة والمساهمة في تشكيل عناوين خريطتها السياسية.

هذا شق عملية البحث في قرار ترمب، وحتى تصبح عناوين هذا الشق متكاملة لابد من النظر الى ضرورات جعله في مأمن من الاخطار المحيطة فلسطينيا وعربيا واسلاميا كما كان سابقا مع وعد بلفور، حيث استمر العدوان على المنطقة والامة بتحطيم امكانيات نهضتها او توحدها وارهاقها بالتبعية والارتهان السياسي والاقتصادي.. الامر الذي يعني ان هناك خطوات امريكية ستأتي متلاحقة في اكثر من بلد عربي واسلامي لإفقاده القدرة على التوازن والتماسك واشغاله بالمشروع المرافق وهو مشروع قرن من الفوضى.. فلم تعد الدولة الوطنية الا من مخلفات القرن الماضي والآن العمل مستمرّ بكل دأب لتفكيك الدولة الوطنية الى دول طائفية وعرقية بمعنى اخر ايجاد وصفات الصراع الدامي الذي لن ينتهي خلال قرن من الزمان، وهذا سيحتاج إلى تغذية بكل الوسائل من قبل الامريكان كما ستجند المنظمات الدولية لتشريع ذلك.. يعني بوضوح نحن ازاء نسخة جديدة من المشروع الاستعماري الامريكي في بلداننا العربية.

“هناك مواجهة شاملة سيقودها شباب العرب والاسلام في كل المنطقة ضد وعد ترمب وقبل ان يكتشف ترمب والمؤسسة الاستعمارية الامريكية خطأ ما ذهبوا اليه ستتكبد السياسيات الامريكية وأمن الكيان الصهيوني خسائر مدوية تجعل المشروع الصهيوني كله على حافة الانهيار.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايشعرون.”

ما سبق هو محاولة لفهم المشروع الامريكي في مقاربته الاستراتيجية لما ينبغي فعله امريكيا تجاه امتنا وفي القلب منها فلسطين.. ولكن الرؤية لا تكتمل الا بمحاولة تدبُّر ما هو قائم في واقع الامة من معطيات يصبح تغافلها مشيرا الى خلل استراتيجي في المشروع الامريكي.

الافكار الامريكية المعتمدة لصياغة المشروع الامريكي كلها منبثقة عن تحليل ودراسة لما عليه الواقع العربي في سطحه وفي عناوينه الرسمية المنبثقة عن انكسارات عديدة وبروز أقطاب سياسية وفكرية تفسيخية داخله وفيما يثار في وسائل الإعلام الرغبائية التي تُمعن في توصيف الجانب السلبي والضعيف في تركيب الامة، وبهذا تكون الافكار الامريكية قد تاهت عن الطريق وانحرفت بعيدا عن صياغة علمية لمشروع يأخذ في الحسبان عناصر عديدة من شانها قلب كل النتائج والتوقعات.

في فلسطين ولبنان والعراق وسورية قوى مناضلة تمرّست على مواجهة الجيش الصهيوني وادوات امريكا  العسكرية والحملة الصليبية المدججة بالسلاح والعلم وقوى الردة العربية التي كادت ان تحقق خيانتها اسقاط المنطقة بكاملها.. خرجت شعوب بلاد الشام والعراق من المعركة اكثر مراسا وأدق وعيا وتحديدا لمسار المواجهة ضد المشروع الصهيوامريكي، وبرزت شعوب المنطقة التي دفعت الثمن الأبلغ، ملتحمة بالوعي والقدرة على الفرز والتمييز والتصدي للمشروع الصهيوامريكي..

اول أخطاء وعد ترمب انه دفع قوى المنطقة الى التجذر في الاتجاه الصحيح والاستدارة نحو البوصلة الصحيحة، وهو بهذا ساهم في استعادة الوعي لكثير من القوى المضللة والاتجاهات التي انحرف بها الغلو الى اختلاق معارك وهمية.. وهذا خطأ استراتيجي تولد مع بداية الإعلان عن وعد ترمب..

وفي ترتيب ضروري طبيعي نجد ان فلسطين راس الحربة، ويمكن القول ان الفلسطينيين الأن في اقوى مرحلة كانوا فيها منذ وعد بلفور، وان قوة المقاومة في صفوفهم اشد عودا من اي مرحلة سبقت، وان أخرتهم بالقتال والسياسة والوعي بالاخر قد بلغت نضجا متقدما وان قوتهم الديمغرافية تفرض نفسها بقوة على العدو الوجودي، فهم الان 14 مليون فلسطيني نصفهم بالداخل والنصف في الشتات ولا يمكن ان يكون هناك اي حل بدون عودة اللاجئين ولديهم فصائل مقاتلة، وقد تطورت الروح الفدائية فيهم وتمددت لتشمل كل تجمعاتهم في فلسطين ودبت الحياة في المناطق التي اطمأن العدو اليها كثيرا فاصبح العمق الفلسطيني اكثر مناطق التصدي والرباط.. وخلف هذه الحربة هناك قوى حرة شريفة في المنطقة وهناك شباب عربي ومسلم اكتشف مؤامرة التفسيخ والطائفية والحروب بالوكالة فاصبح كثير من هذه القوى الشعبية المنظمة واقعا لم يكن له من قبل سميا..

هنا تكون المواجهة غير المتوقعة من قبل الصهاينة والامريكان، الامر الذي لن يمنحهم فرصة وقت كما مُنح وعد بلفور من قبل.. صراع حاد وشرس ومواجهة شاملة سيقودها شباب العرب والاسلام في كل المنطقة ضد وعد ترمب وقبل ان يكتشف ترمب والمؤسسة الاستعمارية الامريكية خطأ ما ذهبوا اليه ستتكبد السياسيات الامريكية وامن الكيان الصهيوني خسائر مدوية تجعل المشروع الصهيوني كله على حافة الانهيار.. والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لايشعرون.

مقالات ذات صلة