الرأي

الأرضية والأعمدة… عمدة الصمود

عمار يزلي
  • 58
  • 0

في كل زمن ومكان، وعبر تجارب كل الحضارات القديمة والمعاصرة، كان الوضع الداخلي للأمة والشعب أساس التغير، وما العوامل الخارجية إلا تكملة لبنية الداخل، إذ إنه بقدر ما كان هناك انسجام داخلي وترابط وتكاثف وتراصّ بين الأفراد والقوميات داخل فضاء جغرافي وطني أو قومي، وكان هذا متناسقا مع نظام حكم مقرّ للعدالة بين الناس وعاملا عليها، تكون صلابة المجتمع أقوى ومقاومته وصموده أعتى في وجه التغيرات والتحديات الخارجية، بما فيها قوى الطبيعة المدمِّرة كالزلازل والأعاصير والبراكين والسيول والفيضانات والحرائق.

الأرضية التي يقف عليها البلد والوطن، إذا كانت صلبة وتربتها متماسكة بفضل تماسك العلاقات الاجتماعية وبفعل نظام إداري وسياسي عادل، لن يجد التسرب الخارجي مكانا له لإحداث الشقاق والضرر والفُرقة بينه وبين نفسه، وبينه وبين سلطته المختارة طواعية من طرفه، لا مفروضة ولا مُجبر هو على تحملها فوق طاقته.

التغير، يبدأ من الداخل، وعلى ضوء العلاقات الداخلية بين أفراد الشعب من جهة والشعب والسلطة من جهة أخرى، يتحدد حجم ونوع وتوجه التغير: فالتغيير حاصل، بمعزل عن إرادة البشر وعن إرادة العوامل الطبيعية والبشرية الداخلية والخارجية، فهي فينا ومنا، ونحن من يتغير أولا، كبشر، لنغيّر مَن حولنا ما نشاء إذا شئنا، والآية الكريمة تشير إلى ذلك: “إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم” (الرعد/11).

التماسك الاجتماعي، مثله مثل أشجار الغابة العملاقة، تمسك الأرض وتمنعها من الانجراف وتصدُّ الرياح العاتية، فهي أرضية “الإسمنت المسلح” لأي بناء، مهما علا علوُّه أو قَصُر، والأعمدة الخرَسانية هي عُمدة صمود البناية أمام أعتى القوى الطبيعية وحتى البشرية. الأعمدة، هي أركان المجتمع التي ترفع القواعد إلى أعلى وتزيده ثباتا على ثبات.

الأركان، هي عمدة الطوابق والأدوار والأسقف، كما الأرضية والتربة الصلبة، هي عمدة الثبات الكلي للبناء برمته، إذا فسد، غِشًّا أو تدليسًا أو لسوء اختيار المكان، يفسُد الكل، ويتحول البناء كلُّه إلى مَصْيدة العوامل الخارجية، من زلازل وأعاصير وحتى حروب ودمار داخلي أو خارجي.

كل الحضارات عبر التاريخ، التي أَهملت في فترة من فترات تراخيها، هذه القواعد الأساسية في بقاء الحكم والنظام والمجتمع، بسبب خلل في تصرف البشر، لاسيما طريقة إدارة الشأن العامّ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، انتهت بحروب داخلية ساعدتها عوامل خارجية أنهت دورتها في الحياة وفي البقاء.

كانت الأركان التي ترفع القواعد وتحمل الأسقف، عادة من تكون في البداية ممثلة في المعتقد، من عقيدة دينية أو أيديولوجيا، وفي الانتماء العرقي التاريخي، أي علاقة القرابة والدم واللغة، وفي جغرافيا الفضاء، الذي يتقاسمه أفراد هذه الشعب أو هذه القومية أو حتى هذه القبيلة أو “الدولة القبيلة”. هذا الثالوث: المعتقد، الرابط الدموي، والأرض، أوجِد له فيما بعد ركن رابع: الوطن أو الأمة، لتصبح الأركان الأربعة عماد كل صرح يبنى، وأي خلل أو ضعف في هذه الأعمدة الحاملة للقواعد، أو في نسيج تربة وخرسانة وضوابط “أرضية العيش المشترك”، كان من شأنه أن يُحدث اهتزازات داخلية، سرعان ما تتفاقم إذا لم تجد من يرمِّمها ويصلحها فورا، بشكل يؤخر أو يمنع الانهيار أو التشقق في البنيان: فهذا ما كان يهدد في النهاية السلم الاجتماعي الذي بُني على أساسه هذا البناء.

التغيرات الاجتماعية تأتي من الداخل أولا، وهو عامل محدِّد، وما العوامل الخارجية إلا عوامل مساعِدة أو مكمِّلة، إذْ، لولا الإهمال وتراكم الأتربة في أحواض السدود، لما انفجرت السدود وضاع الماء والبناء وضاعت الحياة.

مقالات ذات صلة