الأزمة تحوّل زواج الجزائريين إلى “صفقة”
ارتباط كبيرات السن بشباب في عمر أولادهن، وزواج شيوخ من فتيات في عمر الزهور، هي ظاهرة لم تعد غريبة على مجتمعنا، وزاد من حدتها طمع الكثير من العائلات التي حولت الزواج إلى “صفقة”، حيث شهدت مكاتب الزواج خلال السنتين الماضيتين رواج زواج كبار السن من فتيات، كما شهدت المحاكم ارتفاع قضايا الخلع والطلاق المرتبط بفارق السن.
عديدة هي قضايا الطلاق التي صرنا نسمع عنها وتعج بها مختلف المحاكم، وتكون بين الأزواج الذين ليس لهم أدنى توافق فكري ويكون بينهم فارق كبير في السن، فعندما تتزوج مراهقة أو شابة في أول العشرينيات من شيخ بلغ من الكبر عتيا، أو أن يتقدم شاب في مقتبل العمر لم يسبق له أن عاش تجربة الزواج من خطبة امرأة بسن أمه، لأسباب معينة ومصالح خاصة تتعلق بالمسكن وغيرها من الامتيازات التي سيحصل عليها مقابل وضعها على اسمه وتخليصها من اسم “العانس”، ما يمكن أن يتم توقعه هو أن هذا الزواج محكوم عليه بالفشل لأنه في الأصل لم يكن قائما على ركن التوافق بين الزوجين الموجود ضمن الأركان الصحيحة للزواج، وبالتالي اللجوء إلى أروقة العدالة والمحاكم ورفع معدلات الطلاق والتسبب في تشتت الأولاد، خاصة أنّ مختلف المحاكم صارت خلال الآونة الأخيرة تعالج الكثير من القضايا المماثلة التي توقع الطلاق بعد زواج بُني على المصالح الشخصية فقط.
زواج المصالح سرعان ما ينهار
صرّح المختص في حقوق الإنسان والمحامي لدى مجلس قضاء الجزائر حسان براهمي، بأن زواج كبيرات السن من رجال أو بالأحرى شباب يصغرونهن سنا، أو ارتباط شيوخ بفتيات وشابات ومراهقات، في غالب الأحيان لا يكون زواجا صحيحا رغم أنه لا يخالف قواعد وأصول الشريعة الإسلامية التي سمحت للطاعن في السن من الزواج بالفتاة الصغيرة في العمر وسمحت للشاب بالزواج من امرأة تكبره سنا، لكن في مجتمعنا كما أفاد براهمي، غالبية الزيجات التي تتم على هذه الشاكلة لا تمت بأي صلة لقواعد الشريعة الإسلامية، فغالبية الأزواج يرتبطون ليس حبا وليس لتوفر توافق فكري بينهما وإنما لمصالح شخصية ومطامع تجذب أحد الطرفين صوب الآخر، حيث تفضل الفتاة صاحبة الـ20 ربيعا أو أقل الزواج من رجل يكون في عمر والدها أو حتى جدّها، ويكون ثريا يملك ثروة طائلة، فتخطط كيف تستولي على جزء كبير منها، على أن تتزوج بشاب في عمرها أو يكبرها ببضع سنوات قليلة، لكن غالبية هذه الزيجات كما ذكر براهمي تنتهي بالطلاق، خاصة بعد تدخل الأولاد واكتشافهم زوجة الأب التي تكون أقل سنا منهم فيجبرون الأب على الطلاق خاصة إذا كانت الزوجة الفتية تطلب كتابة أملاك على اسمها، والأمر نفسه بالنسبة إلى زواج النساء الكبيرات اللائي لم يكن لهن نصيب في الزواج في مرحلة الشباب، فيتزوجن من رجال يصغرونهن بالعديد من السنوات، وتوفر له مسكنا وأحيانا سيارة ولا تطلب مهرا أو أي منح مالية، فيختارها كشريكة لحياته لفترة وجيزة يخطط من خلالها كيف يسلب منها مسكنها وسيارتها وكل ممتلكاتها ثم يهجرها أو يطلقها بحجة أنها تكبره سنا، كما ذكر براهمي أن هناك بعض الحالات من شباب تزوجوا من نساء يكبرنهم سنا لغرض مطامع لكنهم وقعوا في حبهن بعد الزواج واستمرت العلاقة، في حين إن هناك العديد من الحالات التي فشلت فيها علاقة الزواج بسبب عدم وجود أهم أركان الزواج الصحيح..
عشرينية تتزوج شيخا في الثمانينيات وتسلبه أملاكه لتهرب مع عشيقها

من بين الحالات التي عالجتها مختلف محاكم الجنح والجنايات عبر العديد من مناطق الوطن، وحدثنا عنها المحامي حسان براهمي، قضية الطلاق التي عالجتها مؤخرا إحدى محاكم الجنح بالعاصمة، ودارت بين شابة تدعى سمية تبلغ من العمر 20 سنة وشيخ يبلغ من العمر 84 سنة، حيث تعرفت هذه الشابة على الشيخ في الطريق فساعدته في استخراج رقم من هاتفه النقال، ليقدم لها كمقابل على الخدمة التي قدمتها له مبلغ 2000 دينار، فشكرته وتبادلت معه أطراف الحديث، ليخبرها بأنه يحوز ثورة مالية طائلة والعديد من السكنات والسيارات، فأخذت رقمه وبدأت تتصل به إلى أن أوقعته في حبها ليطلب منها الزواج، فوافقت الشابة يتيمة الأب على العرض الذي قدمه لها وخططت رفقة والدتها كيف تستولي على أملاكه.
وبعد عقد القران، بدأت تتحايل عليه وتطلب منه أن يكتب لها سيارة على اسمها وبعد أن فعل طلبت كتابة أحد منازله، وبعد أن فعل ذلك هربت الشابة رفقة حبيبها البالغ من العمر 29 سنة، ليكتشف أبناؤه أمرها ويقوموا بإرغام والدهم على رفع دعوى طلاق عليها، خاصة أنه لا يتمتع بصحة جيدة تمكنه من أداء واجباته الزوجية أمام زوجته، وهو ما فعله هذا الشيخ فعلا، لينتهي زواجه مع تلك الشابة الصغيرة بالانفصال.
أستاذة جامعية في الأربعينيات ترتبط بطالب عندها مقابل مسكن وعمل
قصة أخرى حدثنا عنها المحامي براهمي وقعت بإحدى الولايات الشرقية، حيث تزوجت أستاذة جامعية، بطالب يدرس عندها في الجامعة، بعدما وقعت في حبه وظنت أنه وقع هو الآخر في غرامها، فأخبرته بأنها ستوفر له المسكن والعمل، إن تزوجها.. وفعلا بعد عقد قرانه عليها قدمت له مسكنها كهدية كما ساعدته في الحصول على عمل بعد تخرجه من الدراسة، وبعد زواجه بها اكتشف أنه ليس باستطاعتها الإنجاب ليقوم برفع دعوى طلاق عليها..
حلاقة في الخمسينيات تزوجت من بائع خضر واشترت له محلا ثم طلّقها
وصرّح براهمي بأنّ من بين القضايا التي مرّت عليه قضية الحلاقة التي تبلغ من العمر 54 سنة، التي التقت ببائع خضر متجول، فأعجبها وأخبرته بأنها إن تزوجتها ستشتري له محلا يبيع فيه، وفور أن اشترت له المحل طلقها وسرق مجوهراتها ونقودها، لتقوم برفع دعوى قضائية عليه، انتهت بالانفصال، لكن الحلاقة لم تخرج من الأزمة بسلام حيث أصيبت بجلطة أرقدتها في المستشفى مدة فاقت الشهر.
حريشان: زواج كبيرات السن من شباب أصغر منهن ليس عيبا

من جهتها عتيقة حريشان رئيسة جمعية حورية للمرأة، صرّحت في اتصال بـ”الشروق”، بأنّ أمر زواج كبيرات السن من شباب أقل منهن، ليس عيبا ولا حراما، وأضافت أن خير خلق الله محمدا صلى الله عليه وسلم، تزوج من السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تكبره بخمسة عشر عاما، والأمر نفسه بالنسبة إلى زواج الشابات من رجال أكبر منهن بالعديد من السنوات، قائلة إن النبي محمدا عليه الصلاة والسلام تزوج من السيدة عائشة رضي الله عنها وهي أصغر منه بالعديد من السنوات، وعاملها أحسن معاملة.
وأضافت حريشان أن المشكلة لا تكمن في زواج كبيرات السن من الشباب أو زواج شيوخ وكهول من شابات ومراهقات، وإنما تكمن في المجتمع الذي ما زال منغلقا ولا يقبل مثل هذه الأمور، وأكدت أنها عرفت العديد من الحالات من النساء اللائي تزوجن بشباب يصغرونهن سنا ونجحت علاقة زواجهن وعشن قصة حب وغرام عادية، لتضيف أن المجتمع هو الذي لا يقبل أن يتزوج الرجل امرأة تكبره ولو بعام، وإذا حدث هذا يرون الأمر وكأنه من غرائب العصر، لكن هذا لا ينفي كما ذكرت المتحدثة أن العديد من الأسر يقبلون الأمر بشكل عادي ويتعايشون معه على أنه لا يخالف أصول الدين والشريعة الإسلامية.
حجيمي: زواج المصلحة صحيح من حيث الأركان

أما رئيس نقابة الأئمة جلّول حجيمي، فذهب إلى الناحية الشرعية للزواج مؤكدا أن الشريعة الإسلامية لم تحدد سنا معينة للنكاح، سواء في ذلك الزوج أم الزوجة، مضيفا أن الزواج يكون صحيحا وحلالا إذا توفرت فيه جميع أركان الزواج من الصحة الجسمية والرضا والقبول وغير ذلك من الشروط، حيث صرح بأن هناك حالات مرت عليه عن شابات في عمر الزهور تزوجن من شيوخ بموافقة الوالدين وقبول الشابة، وأنجبوا معهن أولادا بشكل عادي، كما تحدث عن سيدات تزوجن من شباب يصغرونهن سنّا، لكن كما قال ببضع سنوات فقط، ونجح زواجهم بشكل عادي، مضيفا أنّ الزواج لا يكون صحيحا إذا بني على مصالح ومطامع شخصية، أما غير ذلك فالزواج صحيح وسليم ولا لبس فيه.
مونية دراحي: عقد نفسية وصراعات أسرية بسبب فارق السن

صرّحت الأخصائية النفسانية مونية دراحي إلى “الشروق”، بأنّ اختيار الشابة الصغيرة الزواج والارتباط من رجل في عمر والدها، يكون إما بسبب مطامع معينة أو حالة نفسية تعاني منها الشابة ناتجة عن حرمان وفراغ عاطفي من جهة الأب، فتبحث بذلك عن رجل يكون أكبر منها بالعديد من السنين لتعوض من خلاله حرمانها العاطفي والجزء المفقود في داخلها، مضيفة أنّ اختيارها لهذا الزوج يتم لا شعوريا ولا إراديا، لكن هذا القرار تندم عليه بمجرد الارتباط من هذا الرجل، حيث تجده يتملك حياتها ويشعر دائما بالغيرة عليها. فالشابة صاحبة العشرين عاما تكون في مرحلة لم تصل فيها إلى النضج الحقيقي، فتتصرف من دون تفكير، لكن بمجرد أن يصادفها زوجها بغيرته غير العقلانية باعتباره يكبرها سنا، ينتابها الندم فتتحول الأحلام الوردية التي بنتها في مخيلتها إلى واقع مرير تنام وتصحو عليه، حيث تجد نفسها ملكا لرجل كبير يتحكم فيها كيفما شاء، وهنا تقع صراعات داخل الأسرة تسبب مشاكل نفسية عند الأطفال، وحتى بالنسبة إلى طريقة تربية الأولاد كما تقول دراحي تختلف بين الأب والأم، فالأب يتعامل معهم على أساس شخص ناضج، أما الأم التي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الحقيقي فتكون طريقتها في التعامل مع أطفالها عفوية وتلقائية وطائشة في بعض الأحيان، ليجد الأطفال أنفسهم في صراع بين اتباع طريقة الأب أم الأم.
والأمر نفسه بالنسبة إلى زواج كبيرات السنّ من شباب يصغرونهن سنا، حيث ذكرت الأخصائية النفسانية سالفة الذكر، أن هذا النوع من الزواج ينقسم إلى حالات هو الآخر شأنه شأن زواج الشابات من شيوخ، فهناك بعض الحالات من الشباب لديهم فراغ عاطفي تجاه الأم وخاصة ممن عاشوا يُتما من جهة الأم منذ الصغر، فيبحث عن ذلك الفراغ في زوجة تكون أكبر منهم سنّا يعوضون من خلالها حنان الأم المفتقد، لكنه يصطدم بعد الزواج عندما يجدها لا تستطيع إنجاب أطفال له، أو تكون الزوجة غيورة على زوجها الشاب، ومتخوفة طوال الوقت من أن تأخذه منها شابة صغيرة، فتقع مشاكل عديدة بينهما تنتهي غالبيتها بالانفصال، كما أن هناك بعض الشباب يتزوجون من نساء يكبرنهم سنا، من أجل قضاء مطامع معينة لا أكثر ولا أقل، وهنا تتحول الحياة الزوجية إلى شبه مستحيلة فتنتهي بالطلاق.