الرأي

الأستاذ عبد الحميد مهري.. شخصيّةٌ مُؤثّرة

لمباركية نوّار
  • 807
  • 0

مع حلول يوم الثلاثين جانفي الفارط من العام الجاري، يكون الزّمن قد أفنى ثلاثة عشر حولا من بعد رحيل المفكّر الكبير الأستاذ عبد الحميد، رحمه الله، إلى دار الخلود. ورغم أن هذا الفاصل الزّمني يعدُّ طويلا نسبيّا، إلّا أنّ شخصية هذا الرجل الكبير وأعماله لم يلقيا إلاّ نزرا قليلا من الفحص والدّراسة. ولم توضع على طاولة التّحليل والتّفكيك والتّشريح للغوص في أسرارها الكامنة تقليبا وتفتيشا، والنظر في العوامل والظروف التّي صنعت تميّزها، وصاغت دعائم عبقريتها المبهرة،

وأكسبتها السمعة الطيبة، وجلبت لها احترام القريب والبعيد والصّديق والعدوّ على حدّ سيّان.

اعتقد، وفي نفسي ميل مفرط إلى الجزم، أنه وجب على كل من يحاول الدنو من هذه الشخصية الاستثنائية لمحاولة سبرها غورها، والإحاطة بخبايا جوهرها ومظهر تشكيلتها بصورة شمولية ووافية، وجب عليه، بداية، إماطة الستار عن الأسرار التي جعلتها مؤثرة في الآخرين تأثيرا بليغا يعسر تتبعه والوقوف على حدوده وملاحقة مستوياته وضبط تخومه.

كثيرا ما تكون بعض المواصفات التي تلصق بشخصية معينة مزيّفة ومضلّلة وكذوبة كبريق السراب المخادع، ولا يتطابق وصفها ومفاضلتها مع مستوى الموصوف الذي يبدو أمام الأعين كمن يلبس جبّة مدبجة بالزخارف تكبره، وتزيد عنه طولا وعرضا. وفي ظنّي أن هذا التزييف الباطل سببه في المقام الأوّل هو الإعلام، ولاسيما الإعلام المرئي بسبب كثرة انتشاره وبما يملك من طاقة تأثيرية وفعل توجيهي مغرض لا يترك أدنى فرصة لمتابعه حتى يقول كلمته ويدلي بوجهة نظره النقدية.

لعلّ التمعُّن في موضوع القوة التأثيرية لشخصية الأستاذ عبد الحميد مهري يستدعي استحضار الروافد التي شكّل منها قناعاته الملتحمة بشخصيته. فمثلما ارتشف من شلال حزب الشعب الجزائري حتى الثمالة، فإنه ارتوى كذلك من القيم الراسخة التي شيدت عليها الحركة الإصلاحية الباديسية ركائز بنيانها ونشاطها، وخاصة الدين الإسلامي واللغة العربية. وأهّلته هذه المزاوجة النقية بين الموردين ليكون قريبا من نبض أغلبية الشعب الجزائري، ومتقاطعا مع آماله وطموحاته في كل المحطات.

وأمام سببه الآخر، فيلتصق بسطوة يد الغرب الغالب التي لا تتورع من تشويه الحقائق إثر تزيينها حتى تتعاظم جاذبيتها من بعد أن تصبح متمتعة بكل ما هو إغوائي وإغرائي. ثم عرضها كنماذج تخدم مصالحها وتحقّق أهدافها على كل الآماد. وإلاّ ما معنى أن يصنع هذا الإعلام التزييفي حتى من قارئات الأخبار في القنوات التّلفزية ومن الكتاب والشعراء المنسلخين أفرادا مؤثرين، وتعمى عيونه عن الوقوف أمام القامات من الرجال الكبار من ذوي الهمم وأصحاب الهامات، ويتعمد تجاهلهم، ولا يأتي على ذكرهم.

استُقدم مفهوم: “المؤثّر” من علم فسيولوجيا الأعصاب، وهجّرته الاستعمالات إلى ميادين معرفية أخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم الصّلبة. ومن المناسب التّأكيد على أن هذا المفهوم قد داهمه التحريف هو الآخر، وسحب منه معانيه الجميلة، وحطّ من قيمته، ورمى به في ميادين الابتذال غير مشفق عليه إلى درجة أن كل ناعق أصبح “مؤثرا”؟.

يمتلك الشخص المؤثر قدرة عظمى على بث روح الإلهام في محيطه وفي مجتمعه، وتحفيزه. وينطلق تأثيره ناعما من داخله من غير جنوح إلى استعمال القوة. وهو إنسان صادق وأمين ونزيه مع نفسه ومع غيره، ويبني فلسفته في الحياة على تكثيف التواصل وتقاسم الأفكار وتبادلها في

أسلوب إقناعي. ولا يهتم إلا بالأمور الجدية، ويملك استطاعة على قراءة المستقبل ورسم خريطة للتنبؤات من بعد استقراء معطيات حاضره.

تمكّن الأستاذ عبد الحميد مهري من بسط تأثيراته الساحرة في عدة مستويات. ويبدأ تأثيره من دائرته القريبة، وهي عائلته التي تربطها بأفرادها أواصر القرابة والتواصل المستمر. وقد زوّدنا ابن أخيه المربي الأستاذ عبد القادر مهري بإشارات عن ذلك جمعها في قوله: (كانت لكل كلمات عمي عبد الحميد معنا غاية توجيهية نيّرة، لا تخلو من فوائد جِمام. وكان بالنسبة إلينا قدوة مثلى. وكان يمرر لنا، أحيانا، توجيهاته الحكيمة بطرق غير مباشرة. ومن مواقفه في هذا الجانب التي ما تزال ماثلة في ذهني، علاقته بصغار العائلة؛ إذ كان يمنحهم كثيرا من حبه وعطفه ولطفه كلما التقاهم، وكان يفرح بهم ويفرحون لرؤيته، وكان يداعبهم ويلاعبهم، ويُجلسهم في حضن حلقاته، ويروي لهم من القصص المسلية ما يبني خيالاتهم، ويجعلها تنمو وتزكو. ومما أذكر من توجيهاته، أنه لما كان أستاذا في ثانوية عمارة رشيد كان يقيم معه ابن إحدى أخواته. وفي إحدى المرات، ولما كان يهم بمغادرة المنزل مع ابن أخته، لاحظ شيئا من الوسخ على قميصه، فنبهه إلى ذلك، فأجابه الفتي غير مبال: لا تقلق، يا خالي؛ فسوف ارتدي سترة فوق

القميص. فردّ عليه في هدوء: حاول دائما أن تحافظ على نقاء مظهرك وباطنك معا وبالدرجة ذاتها.

ومنذ ذلك اليوم، جعلت هذه النصيحة قاعدة مسطرة نعمل بها جميعا).

لا يخبو شعاع تأثيرات الأستاذ عبد الحميد مهري لما تتسع الدائرة وفي مواقع المسؤولية والقيادة. وفي هذا السياق تحدّث إليّ الأستاذ إبراهيم حمروش الذي كان طالبا يحضِّر شهادة الباكالوريا في مدرسة بوزريعة، ثم عمل معه أستاذا في نفس المؤسسة لاحقا، حدثني بما يلي: (بعد

انفضاض جمع مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي عُقد في مدينة طرابلس الغرب، ولم يمض إلى وفاق المجتمعين، غيّر الأستاذ عبد الحميد مهري وجهته مساره تماما، وارتضى حمل محفظته وركوب

الحافلة كعامة المواطنين، والالتحاق بهيئة التدريس بثانوية الشهيد عمارة رشيد في الموسم الدراسي

1963/ 1964م. لأنه كان يدرك من بعد انحسار الأفق السّياسي أن الاستثمار في المدرسة هو من أحسن السبل لخدمة المجتمع والتأثير فيه وتوجيه أفراده.

عند التحاقي بدار المعلمين ببوزريعة لمواصلة الدراسة في القسم النّهائي من شعبة العلوم التّجريبية، لفت انتباهي قيام إدارة المدرسة المذكورة تحت توجيه الأستاذ عبد الحميد مهري بتزويد طلبة الشعبة المذكورة بالكتب العلمية ـ العلوم الطبيعية، الفيزياء والكيمياء والرياضيات ـ باللغة

الفرنسية لاستعمالها في المراجعة وحل التقويمات. وعند استفساري عن الأمر، أطلعني زملائي أنّ الإجراء اتخذ بتوجيه من مدير المدرسة نفسه. وعلمت فيما بعد، أنه دعا كل أساتذة المواد العلمية للعمل الجماعي فيما بينهم، رغم أن أغلبهم فرنسيون لا يعرفون اللغة العربية أو عرب مشارقة لايجيدون اللغة الفرنسية، ودعاهم للتنسيق حال بناء الاختبارات الفصلية وإعداد سلاليم تصحيحها. كما لاحظت، أيضا، أن طلبة الشعبتين المعربة والمفرنسة كانوا كثيرا ما يتعاونون أثناء مراجعة الدروس أو حل التمارين.

واستنتجت فيما بعد، أن الإجراء التوجيهي الذي سنّه الأستاذ عبد الحميد مهري، والذي لاقى صدى واستجابة يندرج في إطار خطة ترمي إلى تنمية روح التعاون وإقناع الجميع أن التدني أو التفوّق يصنعه الاجتهاد والمثابرة، ولا يقترنان بطبيعة لغة التدريس.

كم عادت هذه الفكرة بالفائدة على الجميع طلبة وأساتذة، وزادت من التقارب بين عناصر المجموعتين. وهي فكرة مبتكرة تظهر مقدار الروح التأثيرية البناءة التي يتسم بها الأستاذ عبد الحميد مهري في سبيل ميلاد حركية منسجمة وتعاونية وتواقة إلى الأفضل أثناء الاكتساب المعرفي).

كلما اتسعت الشبكة العلائقية للأستاذ عبد الجميد مهري إلاّ وتمدد تأثيره، وزاد انتشارا. وقد نجد تصديقا لذلك لما تولى رئاسة الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني. وهذه نظرة أحد السياسيين الذي لازمه سنوات جنبا إلى جنب لفعله التأثيري، إذ يقول: (لعلاقاتي مع الأستاذ عبد

الحميد مهري جذور. فقد سبقتها وشائج عائلية حميمة ربطت بين المرحومين شقيقي الأكبر وأخيه المربي والإمام الشيخ المولود.

وبعد أن انتخب عضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في الفترة الممتدة من سنة 1989 إلى سنة 1996م، توطّدت علاقتي به، واشتدت ونمت من كثرة المرافقة وطول الملازمة.

ولعلّ التمعُّن في موضوع القوة التأثيرية لشخصية الأستاذ عبد الحميد مهري يستدعي استحضار الروافد التي شكّل منها قناعاته الملتحمة بشخصيته. فمثلما ارتشف من شلال حزب الشعب الجزائري حتى الثمالة، فإنه ارتوى كذلك من القيم الراسخة التي شيدت عليها الحركة الإصلاحية الباديسية ركائز بنيانها ونشاطها، وخاصة الدين الإسلامي واللغة العربية. وأهّلته هذه المزاوجة النقية بين الموردين ليكون قريبا من نبض أغلبية الشعب الجزائري، ومتقاطعا مع آماله وطموحاته في كل المحطات. واستطاع أن يجد عنده تجاوبا وتناغما صادقين مع أفكاره ومواقفه. وبفضل هذا المزج، وسّع من مساحة المتأثرين به خارج دائرة الحزب).

يصل تأثير الأستاذ عبد الحميد مهري مع الكاتبة الروائية أحلام مستغانمي مداه الأعظمي لمّا يترجم إلى فعل إنتاجي، وتتحول كلماته التي بثها في نفسها إلى شلال هادر من الإلهام ودافع من الإيقاظ اللذين فجَّرا فيها كوامنها وأجرى سيول الكتابة الإبداعية رقراقة عن مدينتها قسنطينة كما تجري مياه الجداول الذاهبة في انحدار في يوم ممطر. وفي شهادتها الاعترافية التي تخاطب فيها والدَها الغائب عن عينها، تقول: (ناب عنك عبد الحميد مهري في إسناد غصني، كي لا ينحني لأحد أثناء عمله سفيرًا للجزائر في باريس. وأقنعني بأن أغدو روائية، وأمدّني بالشّغف الذي كنت أحتاجه، وهو يواصل بعدك الحديث عن قسنطينة، روى لي عنك ما مضيتَ من دون أن ترويه لي. قال: عندما كان يمرُّ سي الشريف “والدها” بمقهى النجمة في قسنطينة، كان روَّاد المقهى يهتفون: “يحيا مستغانمي”، فعشتُ واقفةً، رافضةً الجلوس على المبادئ، وفاءً لأناسٍ لا أعرفهم هتفوا يومًا لك).

وحينما تذهب هذه الروائية المتألقة بعيدا في اعترافها، وتلتفت إلى من أكسب فكرها وقلمها سموا في الروح التعبيرية والنطق البوحي، فإنها تدوّن: (ففي إمكاني الآن أن أعترف بأن عبد الحميد مهري كان الأب الروحي لـ”ذاكرة الجسد” التي كتبتها في باريس في الثمانينات، يوم كان سفيراً للجزائر في فرنسا).

يأخذ الفعل التأثير عند الأستاذ عبد الحميد مهري، وعلى الدوام، معناه الإيجابي السليم، ولا يرى في صداه إلا تجاوبا معه في طوع وتلقائية، لأنه يزاوله بكفاءة من خلال أفكاره الوثابة التي تقابل بالقبول والاحتضان، ولا تواجه بالنفور والإعراض. وهذا يعني أن يملك تفوّقا وأهلية واستطاعة في إدارة فن التأثير في الآخرين من غير انكفاء أو انهزام.

مقالات ذات صلة