الأسير المناضل عبد الناصر عيسى.. بطل غيبته القضبان
في حضرة القامات الشامخة جنرالات الصبر والصمود القابضين على الجمر والمتخندقين في قلاعهم كالطود الشامخ، إنهم أسرانا البواسل الأبطال وأسيراتنا الماجدات القابعين في غياهب السجون وخلف زنازين الاحتلال الغاشم تنحني الهامات والرؤوس إجلالاً وإكباراً أمام عظمة صمودهم وتحمر الورود خجلاً من عظمة تضحياتهم.
وأمام عظمة تضحياتهم لا يمكن لأي كلام مهما عظم شأنه أن يوافيهم ولو جزءا بسيطا مما عانوه، فمن حقهم علينا أن نستذكرهم ونذكر تضحياتهم.
والأسيرُالبطل عبد الناصر عيسى ابن الأربعة والخمسين ربيعاً، هو من الأسرى الذين لم يفتّ الأسر في عُضدهم، ولم يتركوا مجالا للسجان بأن ينهش من عزيمتهم، فحولوا السجن إلى منحة بعد أن أرادها الاحتلال أن تكون محنة لهم.
وتعدُّ عائلة الأسير من العائلات المناضلة؛ إذ اعتُقل والده وأشقاؤُه جميعا، أصيبت شقيقته الكبرى بالرصاص الحي وهُدم منزل العائلة مرتين وهُدِّد بالهدم مرة ثالثة، وأصيب بالرصاص الحي من قبل قوات الاحتلال في 1988، وفي العام 1992. وتعرض للمطاردة من قبل الاحتلال مدة عام قبل اعتقاله عام 1995م، وسبق أن أمضى سنوات في سجون الاحتلال قبل اعتقاله الحالي.
والأسير المناضل عبد الناصر هو صاحب عقلية فذة، ومفكرٌّ وذو شخصية كارزمية بارزة ومميزة، يتقن استشراف المستقبل وقراءة الواقع بصورة يعجز عنها كبارُ المفكرين الذين يمتلكون كل أدوات المعرفة خارج السجن، فقد استطاع عيسى تحويل السجن إلى معهد أكاديمي كبير حصد من خلاله عددا من الألقاب العلمية بعد أن أتقن اللغة العبرية بصورة تفوق المتخصِّصين اليهود.
عُرف عن الأسير عيسى بأنه قارئ من طراز فريد، فهو يقضي أكثر من 18 ساعة في اليوم بين القراءة والكتابة، حتى إن نصف مخصصاته المالية التي تدخل على حسابه في “الكانتينا” تذهب إلى شراء الكتب والدوريات العالمية المشترك بها. ومن ناحية أخرى، يعدّ الأسير عبد الناصر شخصية محبوبة وله شعبية كبيرة بين أوساط جميع الأسرى من مختلف التنظيمات وليس داخل التنظيم الذي ينتمي إليه فقط.
هو أحد هؤلاء الأبطال الذين غيّبتهم سجون الاحتلال عن الأهل والأقارب والأحبّة والأصدقاء والذي يصنَّف كأحد عمداء الأسرى في مدينته نابلس ومن أبرز نشطاء الانتفاضة الأولى، ويعدّ أحد رموز الحركة الوطنية، إذ شارك في صياغة وثيقة الأسرى والوفاق وحاصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة “الإسرائيلية” المفتوحة، وله عشرات الكتب والأبحاث والمؤلفات السياسية والفكرية، وفي 2011 نشر عيسى كتاب “مقاومة الاعتقال” بمشاركة القائد مروان البرغوثي، رفض الاحتلال الإفراج عنه في صفقة “وفاء الأحرار” بذريعة تشكيل خطر على أمنها.
الأسير عبد الناصر قابعٌ حالياً في معتقل عسقلان وقد أنهى عامه السابع والعشرين ودخل عامة الثامن والعشرين على التوالي في سجون الاحتلال متنقلا بينها؛ إذ تنقَّل من سجن الفارعة إلى مجدو وجنين ثم جنيد ونفحة وبئر السبع والجلمة ثم بيتح تكفا والمسكوبية في القدس ثم سجن الرملة وأخيرا استقرّ في سجن عسقلان.
في عام 2014 استطاع الأسير عبد الناصر أن يكمل مشواره وينال شهادة ماجستير أخرى في “الدراسات الإسرائيلية” من جامعة القدس في أبو ديس بعدها بسنوات قليلة حصل عبد الناصر على لقب الدكتوراه من خلال مراسلة إحدى الجامعات في الخارج.
اعتقلت قوات الاحتلال الصهيوني الأسير عبد الناصر بتاريخ 19/8/1995م في كمين نصّبته له قواتٌ خاصة إسرائيلية قرب مسجد الحاج نمر بمدينة نابلس، حوالي الساعة التاسعة ليلاً. كما اعتُقل في الساعة نفسها زميله عثمان بلال من منزله في المدينة، وتعرَّضا مباشرة لعملية تحقيق قاسية جدًّا في زنازين التحقيق في مدينة نابلس ثم سجن “الجلمة”، وأثارت أساليب التحقيق القاسية التي استُخدمت ضد عبد الناصر وزملائه جدلاً واسعًا في أوساط أجهزة الاحتلال العسكرية والقضائية، إذ أُطلِق عليه وصف “العبوة الموقوتة” لرفضه الاعتراف وإصراره على ذلك، ولاحقًا أصدرت عليه محاكم الاحتلال حكمًا بالسجن المؤبد مرتين، وطلب له القاضي الثالث حكم الإعدام، وبعد نحو سنة اقتيد إلى زنازين العزل الانفرادي في سجن بئر السبع بعد اتهامه وإخوانه في غرفة 2 عسقلان بحفر نفق يبلغ طوله نحو عشرة أمتار في محاولة للهرب.
يعاني الأسير عبد الناصر عدة أمراض كالقرحة وأزمة في الصدر وآلام في الظهر والفاصل بسبب ظروف التحقيق والاعتقال وقد تعرّض مؤخراً للإصابة بمرض كورونا.
45 حالة اعتقال من بلدة “سلواد” في أقل من شهر
تواجه بلدة سلواد شمال شرق رام الله، عمليات اعتقال ممنهجة تصاعدت مؤخرًا مع تصاعد المواجهة مع الاحتلال في البلدة، واستشهاد الفتى محمد عبد الله حامد برصاص الاحتلال يوم الخامس والعشرين من جوان 2022، وطالت حملات الاعتقال في غضون أقل من شهر نحو 45 حالة اعتقال من بينهم أكثر من 30 حالة جرى اعتقالها يوم السادس من يوليو 2022، أفرج عن مجموعة منهم، فيما تم تحويل تسعة منهم إلى الاعتقال الإداريّ، وما يزال جزءٌ منهم رهن التّحقيق في “عوفر” حتى اليوم، ومنهم من صدر بحقّه أمر منع من لقاء المحامي.
وقال نادي الأسير الفلسطينيّ في بيان له، إنّ عمليات الاعتقال رافقها عملياتُ تنكيل وترهيب وعنف عالٍ بحقّ المعتقلين وعائلاتهم وذلك في إطار جريمة العقاب الجماعيّ التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، كسياسة ثابتة، لافتًا إلى أنّ حجم الخسارة التي نتجت جرّاء عمليات التخريب التي طالت المنازل ومرافق في البلدة، بلغت نحو ربع مليون شيقل (هذه النسبة تقديرية استنادًا إلى روايات العائلات).
وتمكّن نادي الأسير من رصد شهادات لمجموعة من العائلات التي تعرضت لعمليات التّنكيل خلال حملة الاعتقال التي نُفّذت يوم السادس من يوليو 2022، وبعدها.
أسيرات يكشفن تفاصيل لحظات استشهاد سعدية فرج الله
كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين عبر محاميتها حنان الخطيب والتي تمكنت من زيارة الأسيرات مؤخراً في معتقل “الدامون”، تفاصيل استشهاد الأسيرة سعدية فرج الله، وحالة الحزن التي خيمت على المعتقل عقب ارتقائها.
وأوضحت الأسيرات لمحامية الهيئة ما جرى في يوم استشهاد الأسيرة فرج الله، إذ وصفن ما جرى بأنه شعورٌ مؤلم للغاية رؤية شخص يفارق الحياة أمام الأعين، وهنّ عاجزات عن مساعدتها، ففي ذلك اليوم حاول المسعف المتواجد في العيادة إنعاش الأسيرة فرج الله عند سقوطها، لكنها كانت قد فارقت الحياة.
وأضافت الأسيرات في إفادتهن: “عقب ارتقاء فرج الله ساد في المعتقل حالة من الخوف ولم تتوقف الأسيرات عن البكاء، وتم إغلاق قسم الأسيرات ولم يخرجن إلى ساحة الفورة أو إلى “الكانتينا” أو إلى عيادة المعتقل، وهناك من بين الأسيرات من امتنعن عن الاقتراب من غرفة سعدية أو الذهاب إلى “الكانتينا” المجاورة لغرفة الشهيدة سعدية بسبب حالة الهلع التي سيطرت عليهن، فقد كان مشهد وفاتها موجعا لهن.
وخلال فترة العيد اكتفت الأسيرات بتوزيع التمر والقهوة عن روحها والدعاء لها.
يشار إلى أن الشهيدة فرج الله من بلدة إذنا قضاء الخليل، وكان جيش الاحتلال قد اعتقلها بتاريخ 18/12/2021 بعد أن اعتدى عليها مستوطنٌ بالضرب قرب الحرم الإبراهيمي في الخليل، وهي أم لثمانية أبناء وجدة لعدة أحفاد.
وكانت قد تعرضت لجريمة طبية متعمدة خلال فترة اعتقالها، فقد كانت تعاني من ارتفاع في نسبة السكر في الدم ومن ارتفاع بالضغط وأهملت إدارة المعتقل ما تعانيه من مشاكل صحية مما أدى إلى تدهور حالتها وسقوطها شهيدة بعد ذلك، وبارتقائها يرتفع عدد الشهداء الأسرى في سجون الاحتلال إلى 230 شهيداً منذ عام 1967.
“جمال زيد” يواجه اعتقاله الإداري بكليتين معطلتين
لم يكن أمام الأسير جمال عبد المعطي زيد من سكان مدينة البيرة والبالغ من العمر (64 عامًا)، أن يواجه اعتقاله الإداري إلا برفض الخضوع لغسيل الكلى، لكي يواجه هذا الاعتقال الجائر، لعدم قدرته على خوض الإضراب عن الطعام نظرًا لوضعه الصحي.
اتخذ زيد هذا القرار المصيري وهو يعرف أن عدم قبوله غسيل الكلى سوف يضعه في دائرة الخطر الشديد ولم يكن أمامه سواه، إذ يخضع لغسيل الكلى أربع مرات في الأسبوع داخل مستشفى سجن الرملة، وعرض مؤخرا على المحكمة العسكرية في عوفر لمناقشة اعتقاله المستمر منذ أيلول 2021، وجدد له منذ ذلك الحين 3 مرات، وهو الاعتقال الثاني له في غضون 3 أعوام.
بدأت في هذا الاعتقال ظهور أمراض قصور الكليتين وأفرج عنه وهو يعاني منها ليتضح أنه أصيب بفشل كلوي وبدأ عمليًا بغسيل الكلى، ومع ذلك فإن قوات الاحتلال لم ترحمه وقامت باعتقاله مجددًا، رغم أنه يعاني أيضًا من أمراض النقرس والضغط والقلب والكولسترول.
وردًا على تحديد محاكمته للنظر في الاعتقال الإداري، قرر الأسير زيد أن يعلق جلسات غسيل الكلى ليعود إليها من جديد وهذا ما جعل أبناء عائلته أن يتنفسوا الصعداء لأنهم كانوا قلقين على حياته، حسب ما قال نجله لؤي الذي وصف وضع والده الصحي بأنه خطير للغاية.
وتقول “مؤسسة الضمير” التي تتولى الدفاع عن زيد، إنه عانى خلال تجربة اعتقاله من ظروف معيشية قاسية في عيادة سجن الرملة، وأثناء التنقل بين السجون، فلم يتلقَّ العلاج الطبيّ اللازم، وتعرض لسوء المعاملة والحرمان من الطعام المناسب بما يتماشى مع الحمية الغذائية التي يتطلبها وضعه الصحي. وتضيف: عند تدهور وضعه الصحي، نُقل مكبلاً عبر البوسطة من عوفر إلى عيادة سجن الرملة، علمًا أن الأسرى يجدون صعوبةً كبيرة في تحمل مشاق البوسطة في الوضع العادي، ومنهم من يرفض الخروج لتلقي العلاج من أجل تفادي معاناة البوسطة، وهو ما دفع المعتقل جمال إلى رفض نقله إلى عيادة سجن الرملة للعلاج، بعد ما اختبر التنكيل أثناء النقل في المرة الأولى.
كما وقعت حادثة مع زيد تبرز سياسة الإهمال الطبي، ففي إحدى الزيارات العائلية، وبعد انتهاء الزيارة فقدَ جمال وعيه إثر هبوطٍ مفاجئ بالسكر، وتم نقله عبر سيارة الإسعاف إلى مستشفى شعري تسيدك، مقيّدًا من يده اليسرى ورجله اليمنى، وتحت المراقبة الدائمة، لا يمكنه الحركة بسبب القيود المثبَّـتة بالسرير، عدا عن البرد الشديد الذي تعرَّض له جسده المكشوف دون أي غطاء، بالإضافة إلى عدم السماح له بدخول المرحاض إلا مرتين فقط، وأخبروه حينها أن حالته خطيرة، ليتبين لاحقًا أن سبب الهبوط المفاجئ للسكر، هو نتيجة خطأ طبي بعد أن قام ممرضٌ بإعطائه الدواء الخاطئ.
وفي كافة جلسات النظر في قضية الاعتقال للأسير زيد كان القاضي يوافق على طلب ممثل النيابة العسكرية بتجديد الاعتقال بناءً على الملف السري المقدم من قبل جهاز المخابرات الإسرائيلي الذي يحظر على الأسير ومحاميه الإطلاع على بنود هذا الملف بدعوى الحفاظ على مصادر المعلومات الواردة فيه، كما لم يأبه القاضي لحالة الأسير المرضية أو لطلبات الإفراج عنه، معتبرًا أنه يشكل خطرًا على أمن المنطقة وهو ناشط في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بحسب ما ادّعاه ممثل النيابة العسكرية.
وقال نادي الأسير، إن القاضي العسكري هو موظف ملتزم بقرارات الشاباك ويعرف أن الأسير زيد مريض ولا يقوى على القيام بأي من النشاطات التي يدعيها الشاباك ومكانه الطبيعي منزله ومراكز العلاج وليس داخل سجن يفاقم من وضعه ويسرع في وفاته.