الرأي

الأسير والوفد الكويتي

مروان كتني
  • 1021
  • 0

بعد الإفراج عن أسرانا في صفقة شاليط تلقيت مكالمة هاتفية من صديق يقول “احجزْ غرفة على حسابي الخاص للأسير أكرم الوحش الذي أمضى في السجون أكثر من 30 عاماً، دعه يغيّر الجوّ ليومين”.
تزامن دخولهم إلى الفندق مع دخول وفد كويتي عن طريق المهندس مروان عبد الحميد، أخذتُ هوية المحرر أكرم الوحش وتوجهت لاستقبال الفندق وكان كل الوفد متواجدا هناك ودخلت مسرعاً بطريقة ربما لم تكن لطيفة لأن أكرم كان تعبا جداً، وقلت لموظف الاستقبال: “أعطني مفتاح الغرفة”، فقال لي أحد أعضاء الوفد “يا أخي احترمْ الدور” فقلت له “أعذرني عندي أسير قضى في السجن 30 سنة وخرج الآن وهو متعب جداً ويحتاج إلى الراحة”، فقال “أعطيك دوري بشرط أن أراه”. اصطحبته معي ولحق بنا كل أعضاء الوفد، فقلت له: هل ترى ذلك الشخص ذا الشنب الكبير؟ ذاك هو الأسير. فذهب الوفد وبدأوا يتكلمون معه وهو جالس وسألوه:
– كم عمرك؟
-51 سنة.
– متى سُجنت؟
– عندما كان عمري 19 سنة.
– لماذا سُجنت؟
– قتلت جنديين إسرائيليين.
– هل تملك شيئا؟
– سُجنت صغيرا ولا أملك في الدنيا شيئا.
وفي آخر الحديث قالوا له: اطلب ما تتمنى من أموال أو سيارة أو شقة، أي شيء تريده فنحن جاهزون لتلبيته.
فقال لهم: من أيّ بلد أنتم؟
قالوا: من الكويت.
فقال: أريد أمرا صغيرا.
فقالوا: طلباتك كلها مجابة إن شاء الله.
وكان أكرم جالسا فوقف وقال أكرم: أريد أن ترجعوا إلى بلدكم الكويت وتكلّموا الحكومة لتتدخّل لدى ايّ أحد في الدنيا لإطلاق سراح أصحابي من السجن.
وسكت قليلاً ثم قال بصوت شاحب والدموع تملأ عينيه “والله اشتقت إليهم”.
انفجر الوفدُ بالبكاء وبكى جميع من حضر، بينما غرق أكرم في الدمع حزناً على أصدقاء السجن الذين تركهم فقط قبل ساعات.
قلت في نفسي: من أين لك هذا يا رجل؟ من أين كل هذه العزة والشموخ والكرامة والكبرياء؟
لم يفكر للحظةٍ في نفسه، كل همّه رفقاء السجن رفقاء العمر.. انتهى شبابه وضاع عمره في السجن وكل ما أراده هو رؤية أصدقائه الذي تركهم منذ ساعات قليلة.
بعد أن انتهى الوفد من البكاء قال أحدهم لأكرم: أنت كنت وما زلت الحُرّ ونحن كلنا عبيد.
يا أكرم أنت عندك نخوة لو وزعناها على المعمورة لأغرقها.
نحن في فلسطين لسنا شرذمة وبقايا حروب.
نحن من فلسطين نبع العزة والكبرياء والرجولة.

مقالات ذات صلة