الأكلات الجزائرية العريقة مهدّدة بالانقراض
يقال إن “أقرب طريق إلى قلب الرجل هو معدته”، هي مقولة أدركت النساء في الماضي معناها جيدا فحرصن على مدار السنين على تعلم مختلف الكيفيات وأشهى الوصفات لكسب مودته واستمالة قلبه، فتفننّ في استعمال الأعشاب العطرية والخضر وشتى أنواع التوابل بغية إضفاء أجواء خاصة ووصفات سرية تحمل بصماتهن بمفردهن على طبخاتهن، لكن هذه التقاليد العريقة اصبحت مهددة بالاندثار أمام موجة أكلات دخيلة هزت مجتمعنا فنحن في عصر “الشاورما” و”الشيش كباب” و”الهمبورغر” و”البيتزا” و”البانيني” والأكلات الخفيفة، لنجد الجميع يتهافتون على تناولها وتعلم أسمائها حتى النساء أيضا اكتفين بها واستغنين عن “مملكة” مطابخهن البسيطة، فزالت أطباق جزائرية أصيلة ومنها “السكران طايح في الدروج”، “خدوج فوق الدربوز”، وطبق “البوجغللو” أمام سطوة الهمبورغر، بريق البيتزا والبانيني.
استحوذت الوجبات السريعة على اختلاف أنواعها الغربية والمشرقية على قائمة اهتمامات المواطنين، وتكفي جولة طفيفة في شوارع وأحياء العاصمة في أوقات الذروة لاكتشاف الإقبال الهائل عليها، فـ”الشاورما” استطاعت أن تستولي على مكانة خاصة في قلوب ومعدة الجزائريين لذوقها المتميز واعتمادها على بهارات عربية خاصة، حيث يقول “خالد”، عامل في مطعم شرقي بالجزائر الوسطى: “المطاعم الشرقية تعرف إقبالا كبيرا من المواطنين رغم ارتفاع أسعار الأطباق فيها من 450 الى 600 دج للطبق الواحد، لكن ما تقدمه من أكلات معروفة عند العائلات الجزائرية من خلال المسلسلات العربية كالفتوش وهي سلطة بالخبز الشرقي، المسبحة وتصنع من الحمص، الفلافل، العرايس، التبولة، شيش كباب، شيش طاووق وغيرها من الأكلات يعتمد فيها على البهارات ومظهر الطبق خلال التقديم.. يجعل المواطنين يقبلون عليها لاكتشاف الطعم دون الالتفات للسعر. مستطردا أن هناك عدة أنواع من الشاورما الجزائرية والسورية واللبنانية وجميعها متشابهة، غير أن التسميات تختلف، ولأن العاملين في المطاعم الشرقية هم جزائريون تلقوا تكوينات في الطبخ الشرقي وأضافوا بعض خصائص الطبخ الجزائري إليه. مضيفا أنه فتح مشروعاً للأكل التقليدي الجزائري محفوفاً بالمخاوف واحتمالات الفشل كبيرة”.
العصرنة تغيب أكلات عريقة
يرى “عمر” وهو صاحب محل لبيع الخضر والأعشاب الخاصة بالطبخ في سوق “كلوزال” بالعاصمة، أن هناك اختلافا وتغيرا جذريا في طبيعة الطعام المتناول، فقد عرفت بعض الأكلات المحلية تراجعاً أمام الوجبات القادمة من الغرب وبلاد الشام على حد سواء، ففي فترة السبعينيات كان الناس يقبلون على شراء السبانخ الحمراء، الفليو لتحضير البطاطا، والحلحال يستعمل في طبخ الكسكس، والإكليل الأخضر، الزعيترة، البورو، الكرافس، السلطة الرومانية صاحبة الأوراق الطويلة، سلطة اسكارون، الأنديف، السكوم وهي عشبة خضراء تشبه الإكليل، الزنبع وهو نوع من الخضر شكلها مثل الكوسة يصنع منه مربى شهي، وحتى أقدم العشبات “القرنينة” لم تعد تُباع رغم أن سعرها 40 دج فقط ومذاقها لذيذٌ لكنهم لا يفضلونها. وواصل عمر قائلا: في فترة التسعينيات بدأت هذه الأكلات تتراجع والآن مع “الأنترنات” أصبحت بعض السيدات تطلبن أعشاباً شرقية معينة.
في حين صرح عمي أحمد، تاجر خضر وفواكه في سوق باش جراح منذ 15 سنة، أن طبيعة الوجبات التي أصبح المواطنون يتناولونها هي السبب وراء تراجع الطلب على الأعشاب وبعض الخضر وجعلته مقتصرا على السبانخ، فرفضهم ناجم عن جهلهم لفوائدها الكبيرة وقيمتها الغذائية المرتفعة كالخرشف، الملفوف أي الكرنب، فاقتصرت المشتريات في وقتنا الراهن على البطاطا، البصل وبعض الخضر الموسمية، مضيفا أن الوجبات الخفيفة كالشاورما ،البيتزا، والهمبورغر التي تعرضها محلات الأكل السريع ساهمت في افساح المجال أمام ثقافة “الساندويتش“.
أكلاتٌ شهيرة تندثر
حمّل المسنون الشباب من الجيل الحالي مسؤولية اندثار العديد من الأكلات الشعبية التقليدية، فعمي “محمد” 63 سنة، تاجر لحوم، وابن باب الواد، ذكر لنا أنهم في السابق كانوا يبيعون “الحلزون” أو كما يسمونه “البوجغللو” أو “الببوش”، وكان من أشهر الوجبات في فصل الربيع. ويتم وضعه في سطل كبير ويصوِّمونه لمدة يومين، ثم يغسلونه 7 مرات ويصفونه في كل مرة، ويضعون قدرا من الماء يغلي ثم يضيفون إليه جملة من البهارات كالرند، السكنجبير، قرفة عود، زعتر، زعيترة، عرق السوس، نعناع، قشور الرمان وغيرها من التوابل، بعد أن يغلي يضاف لها الحلزون ويُترك لينضج حتى يصبح بني اللون فيشرب مرقه اللذيذ على حد قول عمي محمد، ويُؤكل “البوجغللو” بـ”مساك الخِمارات”. وهي أكلة زالت من موائدنا الشعبية وأصبحت تقدم في مطاعم 4 و5 نجوم كتحلية للسكارى الى جانب قارورات الخمر، كما تراجع الإقبال عن أكل لحوم الأرانب والخيول والماعز، مستطردا أنهم في الماضي كانوا يتنقلون خصيصاً إلى الجنوب لتناول الجراد و”الشرشمان”، أما حاليا فالكل يفضل “التشيز” وحتى “الفريت” وينفر من هذه الوجبات التي هي جزء من تراثنا.
حنطابلي: تناول الأطعمة العصرية دافعه مسايرة الحضارة
أوضح الأستاذ “يوسف حنطابلي”، مختص في علم الاجتماع وأستاذ بجامعة العفرون ولاية البليدة أن الأطباق كانت قديما في المجتمع التقليدي وسيلة للتعريف بالذات، فكل منطقة كانت تعرف بطبق معين وتتباهى به وهو أحد وسائل التعبير عن الهوية مثل الثياب أيضا، وبعد الانتقال إلى حياة المدينة لم يعد الفرد بحاجة للتعريف عن هويته بهذا الأسلوب بل أصبح يعرف عن طريق المهنة المزاوَلة، ثم الإمتيازات الاجتماعية… فتعددت الوسيلة المعتمدة في التعريف بهويته، وبعد الانتقال الى أسرة نووية وتغير نمط الحياة وأسلوبها في المدن، أصبح دور الأطباق مقتصَرا على تلبية الحاجيات الاستهلاكية.
وأفاد المختص في علم الاجتماع أن الإنسان بطبيعته يحب الحركة والتغيير، وقد جاءت الأكلات الغربية لتشعره بالانتماء إلى العالم المتغير، وتشعره أنه جزء من الحضارة الحالية المعاصرة، ففئة كبيرة من المجتمع ترى أنها تلبي رغباتها في الاستهلاك والتطور في آن واحد، ولذا نجد أن تقديمها واستهلاكها لها يولد شعوراً بالتفاخر. وحمَّل الأستاذ حنطابلي وسائل الإعلام الحديثة مسؤولية عملية الترويج لثقافات غربية تحمل مدلولات اجتماعية من خلال الأفلام والمسلسلات والأطعمة جزء من هذه الثقافة المروِّجة.
الأكلات التقليدية أفضل
وصف الدكتور محمد بقاط بركاني، رئيس عمادة الأطباء الجزائريين، الأكل التقليدي المحلي بالصحي وذلك لاعتماده على تنوع الخضر، استعمال زيت الزيتون وهو أفضل أنواع الزيوت وأجودها في تحضيره، وهو سبب خل المجتمعات التقليدية من الأمراض المعاصرة كالسرطان والبدانة وأمراض القلب والسكري وضغط الدم، الكولسترول، وأمراض الكبد…
وكشف بقاط عن أن مخاطر الوجبات والأطعمة الخفيفة المعروضة في المحلات كثيرة: منها ما يتعلق بشروط النظافة فالمواد المستعملة كالزيوت، اللحم والبطاطا تكون غير صالحة أو محفوظة بطرق غير صحية، وهو ما يسبب أمراضاً كالتسمم الغذائي وآلام البطن. مضيفاً أن 70 بالمئة من المدمنين على تناول الوجبات الخفيفة عُرضة للإصابة بمرض البدانة أو السمنة، لاحتواء هذه الوجبات على السكر والمواد الدسمة ما يؤدي لانتشار أمراض البدانة داخل المجتمع. ودعا رئيس عمادة الأطباء المواطنين للعودة الى الأكل التقليدي الصحي، وتناوله حتى داخل مراكز العمل نظرا لفوائده العديدة.