الرأي

الألمُ في فكر أبي اليقظان

يقول من له الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ: “لقد خلقنا الإنسانَ في كَبَد”، ولكنّ هذا الكبَدَ يكون على بعض الناس مضاعَفًا، وبه يتميّز الناسُ، بعضُهم عن بعضٍ، وقديما قال الشاعر الحكيم:

لولا المشقّةُ ساد الناسُ كلُّهم الجودُ يُفقِر والإقدامُ قتَّالُ إنّ أقسى أنواع الكبَد وأمضَّه وأضناه هو الكبَدُ النفسي الذي كابده خيرُ من وطِئ الثرى وهو سيِّدُنا محمد –عليه الصلاة والسلام- وقد سجّل القرآنُ الكريم هذا الكبَدَ بقوله مخاطِبا هذا المُكابِد: “ولقد نعلم أنّك يضيقُ صدرُك بما يقولون”.

مِن الذين ضوعف لهم الكبَدُ والألمُ رجلٌ “هِمٌّ” أي ضعيف البنية، لكنّه “هَمٌّ”، أي ذو مِرَّةٍ؛ إذ رُمي بأنواع النِّصال حتى تكسّرت النِّصالُ على النِّصالِ، ولكنّه كان طودًا، ولم يُحنِ إلا لباريه الجبينَ، فلم يُعطِ الدنيّة في دينه، ولا في وطنه، ولا في مبادئه، وما زاده ذلك الكبَدُ إلا إشراقًا وتمحيصًا؛ إنّه الشيخُ المجاهد بالقلم وباللسان، إبراهيم أبو اليقظان (1888- 1973)، وهو من أولى الناس الذين ينطبق عليهم قولُ أحمد شوقي:

إنّ الشجاعة في القلوب كثيرة ووجدتُ شجعان العقول قليلا.

يقول فيلسوف فرنسا جان بول سارتر في كتابه “عارُنا في الجزائر” ما معناه: “لا يمكن لمن عاش تحت حِراب فرنسا إلا أن يكون شقيًّا”. ومن عاش يوما واحدا تحت تلك الحِراب ذاق الأمرّين، فكيف بمن عاش أربعا وسبعين سنة كلها حميمٌ ويحموم، ألا لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين على فرنسا المُنجبة للمجرمين.

لقد أبدع أبو اليقظان في تصوير ذلك العذاب الواصِب، وعبّر عنه شعرا ونثرا، وهو ما لفت نظر الأخ الدكتور محمد ناصر بوحجام فجمع قليله –وقليلُ شرِّ فرنسا لا يقال له قليل- في كتابٍ سمّاه: “الألمُ في فكرِ الشيخ أبي اليقظان ومسيرتِه”، وقد تولّت نشرَه “جمعية التراث”، ومؤسسة الشيخ أبي اليقظان” في مدينة القرارة من ولاية غرداية. وقد تفضّل الأخُ الدكتور فأهدى إليّ نسخة من هذا الكتاب، فكان أوَّلَ ما قرأتُه مما اشتريتُ وما أهدِي لي في معرض الكتاب لهذا العام.. فشكرا مضاعفا للأخ الدكتور؛ شكرًا على تنبّهه لهذا الموضوع، وشكرًا على إهدائه.

من يقرأ هذا الكتابَ من أوّله إلى آخره يستيقن ما وُصف به الشيخُ أبو اليقظان، وهو “شيخُ الصابرين” (ص 13) و”إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب”.

والحقيقة هي أنّ أبا اليقظان ليس وحيدا في هذا الكبَد، الذي لم يترك صغيرا ولا كبيرا، شيخا ولا صبيّا، رجلا ولا امرأة، إلا مسّه بنُصبٍ وعذاب، وما امتاز وتميّز به أبو اليقظان هو أنّه سجّل هذا الكبَد وهذا الألم، وحُقَّ له أن يكون ثاني اثنين في وصف “قاهر الألم” الذي وصف به الأنذالُ الفرنسيون البطلَ الشهيد العربي بن مهيدي.

إذا لم يكن أبونا آدم –عليه السلام- ذا عزمٍ وهو في الجنّة، وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت مما تشتهيه الأنفسُ وتلذّ الأعينُ، فإنّ “ابنَه” أبا اليقظان كان ذا عزمٍ وحزم واجه بهما ما كابده، فأكرمه اللهُ –عزّ وجلّ- إذ نسَأ له في أجلِه، وأفرح قلبَه باندحار فرنسا الصليبية المجرمة على أيدي الشعب الجزائري المجاهِد.

مقالات ذات صلة