الأمّة المسلمة وفتنة القيادات الزّائفة
عندما أراد الغرب النّصرانيّ أن يلمّع صورة مصطفى كمال أتاتورك، ويمكّنه من إقامة كيان علمانيّ على أنقاض الخلافة العثمانية، تظاهر بالوقوف ضدّه في حربه مع اليونان (1919- 1922م)، وأظهر الهزيمة أمامه، ما جعل الأمّة الإسلاميّة تنظر إلى القائد التركيّ الجديد على أنّه فاتح مظفّر، نظَم الشّعراء قصائد في مدحه، وأغدقت عليه نياشين البطولة، ولقّب بـ”الغازي كمال آتاتورك”، وصفّق له الإعلام، وصار الحديث عن أصله اليهوديّ سباحة عكس التيار، لكنّه ما أن استتبّ له الأمر حتى ألقى القناع وأعلن عن إلغاء الخلافة الإسلامية، وشنّ حربا لا هوادة فيها على شرائع الإسلام وشعائره.
صناعة القيادات الزّائفة والرايات الخادعة، حرفة قديمة، كان الأعداء ولا يزالون يلجؤون إليها لصناعة أبطال يؤدّون أدوارا محدّدة في تحريف أو “تخريف” و”دروشة” دين الأمّة أو الحجر عليه في أضيق الزوايا، وفي تنفيس الاحتقان الذي تعيشه في فترات الانكسار والتراجع، بتوجيه هِمم أبنائها إلى التصفيق لأصحاب الحناجر الصدّاحة الذين يُلهون الأمّة عن العودة إلى دينها وإعداد عدّتها لخوض معاركها الفاصلة، بالشّعارات الرنانة والخطابات الحماسية وبعض المناوشات الاستعراضية التي لا تنكأ عدوا ولا تحرّر أرضا ولا تصون عرضا، فإذا ما تمكّنوا كشفوا الأقنعة ووجّهوا خناجر الغدر إلى جسد الأمّة المنهك.
كثيرا ما يستغلّ هؤلاء الأبطال المزيّفون تطلّع الأمّة إلى راية مسلمة تقف في وجهة الغطرسة الصهيونيّة والصّليبيّة، وتمسح عار الخيانة التي استمرأتها الأنظمة العربيّة؛ لتقديم أنفسهم في صورة المخلصين الذين طال انتظارهم لتحرير أراضي المسلمين واستعادة أمجاد الأمّة وردع المحتلّين والمتربّصين، وكثيرا ما يبلغ أصحاب هذه الرايات الزّائفة غايتهم في قلوب كثير من أبناء الأمّة، مستعينين في ذلك بالخطابات المليئة بالتهديدات الكلامية الموجّهة للأعداء والهجاء المقذع للعملاء والوعود الكثيرة التي تبشّر بانتهاء عهد الهزائم النّكراء، ومع فورة الحماس وارتفاع الأصوات والهتافات، يخيّل للمتابع أنّ فلسطين أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التحرّر، وأنّ خطابا عاجلا يوشك أن يوجّه إلى الأمّة المسلمة من على منبر المسجد الأقصى الذي ما عاد يفصلنا عن استعادته سوى أشهر أو أيام معدودات!، وما عاد يفصلنا عن تحقّق كل هذه الأمنيات سوى أن نصفّق ونهتف لهذا القائد الفذّ الذي سيعيد للأمّة أيام عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي!.. لا يهمّ أن يكون هذا القائد يحمل في قلبه الحقد والضغينة لعمر وصلاح، وليس يهمّ أن تمرّ على خطاباته وتهديداته ووعوده العقود تلو العقود من دون أن يرتدع الأعداء أو يتحقّق الوعد والرّجاء، وليس يضرّ ألا تجني الأمّة من خطاباته سوى شباب يغترّون بمعتقد هذا القائد الفذ ويصفّقون لمشروعه ويتغاضون عن مآربه، ويعقّون سلفهم ويهدمون شرفهم ويكونون حجّة على قومهم وتاريخهم!.
لقد آن الأوان لأبناء الأمّة المغترّين بهذه الرايات الخادعة والقيادات الزائفة أن يحكّموا عقولهم ويرجعوا بأبصارهم وبصائرهم إلى واقعهم الذي يحتاج إلى عمل جاد ودؤوب لتغييره، وليس إلى مهدئات تطيل عمر المحنة ولا إلى مهيّجات تعمل على تفريغ الاحتقان في صورة فقاعات لا تحمل إلا الهواء.
قلوب أبناء الأمّة المسلمة قد بلغت الحناجر بسبب غطرسة العدوّين الصهيوني والصليبي، وبسبب تخاذل الأنظمة العربيّة والإسلاميّة، لكن هذا لا ينبغي أبدا أن يجعل شباب هذه الأمّة يصفّقون لكل راية خادعة، ويهتفون لكلّ متاجر بقضايا أمتهم لحساب مكاسب قومية أو طائفيّة. إذا كانت الدول العربيّة قد ارتضت عمالة مهينة لأعداء الأمّة، فإنّها على شناعة وفظاعة فعلتها، ليست أسوءأ حالا من أدعياء الممانعة الذين يمتهنون مخادنة غادرة مع الأعداء خلف الأبواب المغلقة، لتحقيق مآربهم الطائفيّة، ويُظهرون للأمّة وجها آخر كاذبا يُغريها بقبول شذوذاتهم والتغاضي عن مآربهم، والأمّة في النّهاية ليست مجبرة على أن توضع بين خيارين لا ثالث لهما، بين محور الاعتلال ومحور المخادنة!.